أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

أولا: عشيرة بارزان
هي إحدى العشائر الكردية التي اكتسبت مكانة دينية في قرية بارزان التي تبعد مسافة (٤) كم عن الضفة اليسرى لنهر الزاب، حيث تنتمي هذه الأسرة إلى الشيخ تاج الدين الذي كان عالماً دينياً، برز من أحفاده الشيخ عبد السلام (١٨٤٧ – ١٩١٤م) الذي قاد العشيرة، وتمثل أولى مطالباته من السلطات العثمانية في الحكم اللامركزي، أما الجانب الثاني من كفاح الشيخ عبد السلام العسكري فتمثل بتصديه للحملات العثمانية التي شنت ضده بدءاً بحملة والي الموصل (رشيد باشا) والفريق محمد فاضل الداغستاني، وبعد إخفاق هذه الحملة العسكرية بقي الصراع قائماً حتى تولى (ناظم باشا) إدارة ولاية بغداد (١٩١٠ – ١٩١١م) الذي خُول بصلاحيات واسعة، حيث أصدر عفواً عاماً عن الشيخ عبد السلام البارزاني مع تخصيص (١٠٠٠) ليرة عثمانية تعويضاً عن الأضرار التي لحقتها العمليات العسكرية بمنطقته.

ولم تكتف الدولة بهذه التعويضات، بل إن والي الموصل بالوكالة (أسعد باشا) الذي تسلم منصبه في ٢٤ تشرين الأول ١٩١٢م اقترح على الحكومة منح وسام للشيخ عبد السلام البارزاني، ذلك الاقتراح الذي لقي قبولاً من السلطات العثمانية عندما وافقت على منحه الوسام المجيدي من الصنف الثالث.

مع هذا لم تستمر حالة الوفاق بين الحكومة العثمانية والشيخ عبد السلام البارزاني طويلاً، إذ توترت العلاقات بين الطرفين، ويمكن تحديد الأسباب بالتالي:
1- رفض الشيخ البارزاني قرار الحكومة القاضي بإجراء إحصاء عام للقرى وإحصاء الثروات الحيوانية لهذه القرى.
2- رفض الشيخ البارزاني تسليم القائممقام العسكري في الموصل (صفوت بك) الذي كان قد التجأ إلى الشيخ (عبد السلام البارزاني) ورفض الأخير تسليمه على اعتبار إن ذلك يخالف “العرف العشائري”.

نتيجة لذلك قررت الحكومة العثمانية شن هجوم عسكري وإنهاء وجود الشيخ عبد السلام البارزاني، وكانت أولى إجراءاتها في هذا المجال عزل والي الموصل بالوكالة (أسعد باشا) الذي كان أحد أصدقاء الشيخ عبد السلام البارزاني من منصبه وتعيين (سليمان نظيف) والياً على الموصل.

أصدرت وزارة الحربية أوامرها بالهجوم على الشيخ عبد السلام البارزاني في الأول من نيسان ١٩١٣م مع التشديد على إنهاء هذه العملية بنجاح، وخلال أيام بدأ الهجوم العثماني من ثلاث محاور:
المحور الأول (العمادية – بارزان)، المحور الثاني (عقرة – جبل بيرس – بارزان)، المحور الثالث (راوندوز – ميركَه – بارزان) وذلك في محاولة لتطويق القوات البارزانية، وقد التحم الفريقان في معارك دامية استمرت مدة شهر قتل فيها أعداد كبيرة من الطرفين، لم يستطع الشيخ عبد السلام الاستمرار في المقاومة، ولذلك قرر الالتجاء إلى أورمية وتم القاء القبض عليه فيما بعد وأجريت له محاكمة أمام مجلس عرفي عسكري حكم عليه بالإعدام ونفذ الحكم في الثالث من كانون الأول ١٩١٤م.

ثانياً: عشائر تلعفر:
أعلن رؤساء عشائر (ناحية) تلعفر العصيان عام ١٩١٣م، خلال ولاية أسعد باشا للموصل (بالوكالة) مما اقتضى توجيه حملة تأديبية أُلقي القبض فيها على (٨٠) شخصاً منهم عبد الله السيد وهب ويونس عزيز وكَلش السيد إبراهيم وغيرهم، ومع تعيين (سليمان نظيف) والياً على الموصل استحصل عفواً عن هؤلاء الموقوفين، وأقام الوالي (سليمان نظيف) حفلة شاي في حديقة بلدية الموصل حضرها روؤساء العشائر المطلق سراحهم بالإضافة إلى عدد من الوجهاء والتجار ورجال الدين، ومحُملاً في الوقت نفسه مسؤولية ما حدث في تلعفر إلى مدير ناحيتها صديق الدملوجي (المولود في الموصل عام ١٨٨٠م وفي عام ١٩٠٥م أصبح مديراً لناحية المزوري (أتروش) شغل عدد من الوظائف الإدارية حتى وفاته عام ١٩٥٨م.

قام الوالي (سليمان نظيف) بتقديم الدملوجي إلى المحكمة العسكرية بتهمة ارتكاب جرائم القتل بحق أهالي تلعفر، ليحال فيما بعد إلى المجلس العرفي العسكري والذي أصدر قرارا بطرد الدملوجي من الوظيفة.

ثالثاً: سليمان نظيف واليزيدية:
شكلت المشكلة اليزيدية من أهم المشاكل التي واجهتها الدولة العثمانية، وكان السبب الرئيسي هو رفضهم تطبيق نظام القرعة العسكرية، على الرغم من أنهم معفوون من الخدمة العسكرية أسوةً بباقي الأقليات الدينية لقاء دفع بدل نقدي ومقداره (٥٠) ليرة تركية لكل من ترسو عليه القرعة العسكرية.

طرأ بعض التحسن على سياسة الدولة تجاه اليزيدية بعد الزيارة التي قام الأمير اليزيدي (إسماعيل جول بك) أحد امراء الديانة اليزيدية وهو من مواليد (ناحية باعذرة التابعة لقضاء الشيخان – محافظة نينوى) ١٨٨٢م.

ففي الخامس والعشرين من شهر شباط عام ١٩٠٩م، وصل (إسماعيل جول بك) إلى استانبول حاول خلال لقاءاته مع عدد من المسولين العثمانيين ومنهم الصدر الأعظم (رئيس الوزراء) حسين حلمي باشا الحصول على وعد منهم بتلبية مطالب اليزيدية، إلا إن نقطة التحول في سياسة الدولة العثمانية تجاه اليزيدية كانت خلال ولاية (سليمان نظيف) للموصل، والذي انتهج في تعامله مع اليزيدية سياسة اتسمت بـ (اللين واللطف).

أجرى (نظيف) لقاءات مع عدد من زعماء اليزيدية كان لهم مطالبهم التي انحصرت باسترجاع رموزهم الدينية وسناجقهم التي كانت بعهدة حكومة بغداد، وكتعبير عن حسن النية توجه (سليمان نظيف) إلى بغداد في محاولة لإقناع السلطات العثمانية وإعادة هذه الرموز والسناجق ونجح في ذلك، وقد أشار الرحالة الإنكليزي (هيوبارد) إلى نجاح سليمان نظيف في مسعاه بعد أن حصل على موافقة الباب العالي وإعادة تلك الرموز إلى أصحابها بنفسه.

خلال مدة ولاية سليمان نظيف للموصل والتي تزامنت مع الاحتلال البريطاني لعدد من المدن العراقية وبعد السيطرة على شط العرب في ٦ تشرين الثاني ١٩١٤م من قبل الإنكليز صدرت الأوامر بتكليف (سليمان نظيف) بمهمة الإشراف على القطعات العسكرية العثمانية لاستعادة السيطرة على منطقة شط العرب، وتضمنت خطة الهجوم توزيع القطاعات العسكرية التي قدرتها المصادر بحوالي (٥٠٠٠) مقاتل بين نهري دجلة والفرات، تولى القائد العثماني (محمد فاضل الداغستاني) قيادة القطاعات العسكرية العثمانية على جناح نهر دجلة فيما أسندت قيادة جناح نهر الفرات إلى سليمان
نظيف، وبعد مقاومة استطاعت القوات البريطانية احتلال المدن العراقية تباعاً لتكون الموصل آخر المدن العراقية التي احتلتها القوات البريطانية بدون قتال في العاشر من تشرين الثاني ١٩١٨م.

وتقديراً من الباب العالي للجهود التي بذلها سليمان نظيف خلال مدة ولايته للموصل أنعم عليه بميدالية اللياقة الذهبية.

من خلال ما تقدم يتضح حجم التحديات التي واجهت (سليمان نظيف) خلال مدة ولايته للموصل، والتي تباينت أساليب ووسائل معالجته لها بين استخدام “الشدة والبطش” و “اللين واللطف” حيناً آخر.

– سليمان نظيف والياً لبغداد:
صدر في الخامس من كانون الثاني ١٩١٥م فرمان سلطاني بنقل (سليمان نظيف) إلى ولاية بغداد، ويظهر فرمان توليته حجم المهام الموكلة إليه في تلك الفترة الحرجة من تاريخ العراق الحديث والذي جاء فيه: “…من الواضح ما لموقع ولاية بغداد من الأهمية وما اختصت به من القابلية ، وبتلك النسبة نخبة آمالي الملوكية تأمين انضباطها وحصول ترقيها وعمرانها ، وأن تكون صنوف أهاليها متساوين في ظهور العدل عليهم ، والرأفة بهم حسب الأحكام المبينة في القانون الأساسي ، وأن يفوزوا بالرفاه ويحوزوا السعادة…”.

كما أورد الفرمان أسباب اختيار (نظيف) لهذا المنصب لكونه “من المتصفين بكمال الحمية والرؤية والواقفين على أصول الإدارة وكونه من متميزي مأموري سلطتي السنية…”.

لم تتجاوز مدة ولاية (سليمان نظيف) لولاية بغداد بضعة أشهر (٩ كانون الثاني – ٦ تموز ١٩١٥م) عانى فيها من هيمنة الجيش وقواده على أمور الولاية في ظل ظروف الحرب التي جعلت كلمات هؤلاء تعلوا على ما سواها، فلم يستطع بسبب ذلك القيام بتأدية واجباته وأعماله على الوجه الأكمل.

في السادس من تموز ١٩١٥م صدر فرمان يقضي بعزل (سليمان نظيف) عن ولاية بغداد، أثر ذلك قرر (نظيف) العودة إلى إستانبول ليتفرغ للكتابة حتى وفاته عام ١٩٢٧م.

المصادر المعتمدة:
– محمد طاهر العمري، تاريخ مقدرات العراق السياسية، المجلد الأول، (الموصل، ١٩٢٤م).

– عباس العزاوي، تاريخ العراق بين احتلالين، المجلد الثامن، مكتبة الحضارات (د.م.د.ت).

– جميل موسى النجار، الإدارة العثمانية في ولاية بغداد من عهد الوالي مدحت باشا إلى نهاية الحكم العثماني ١٨٦٩ – ١٩١٧م، (القاهرة، ١٩٩١م).

– تحسين العسكري، مذكراتي عن الثورة العربية والثورة العراقية، الجزء الأول، (بغداد، ١٩٣٦).

– محمد يونس السيد عبد الله وهب، تاريخ تلعفر قديماً وحديثاً، الجزء الأول، (الموصل، ١٩٦٧م).

– أرشد حمد محو، الأيزيديون في كتب الرحالة البريطانيين منذ مطلع القرن التاسع عشر إلى نهاية الحرب العالمية الأولى، (دهوك، ٢٠١٢م).

مقال خاص براسام