أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

تعد دراسة الشخصيات من الدراسات التاريخية المهمة لما لها من دور وأثر عميق في كشف الخفايا والحقائق التاريخية، ومن هذه الشخصيات الوالي (سليمان نظيف) الذي تولى إدارة عدد من الولايات.

في الثالث والعشرين من تموز عام ١٩٠٨م تغير الوضع السياسي للدولة العثمانية بعد الانقلاب الذي قادته جمعية الاتحاد والترقي على السلطان عبد الحميد الثاني (١٨٧٦ – ١٩٠٩م) واعيد فيه العمل بالدستور الذي جرى تعطيله عام ١٨٧٨م، ومن المفيد بالإشارة إلى أن جمعية الاتحاد والترقي تأسست في إسطنبول عام ١٨٨٩م، كانت تعمل بسرية مخافة ملاحقة السلطات العثمانية، لقيت تأييداً من فرنسا وبريطانيا وعقدت مؤتمرها الأول عام ١٩٠٣م في باريس.

سعت جمعية الاتحاد والترقي إلى استقطاب عدد من الشخصيات إلى صفوفها ومنهم (سليمان نظيف ١٨٦٩ – ١٩٢٧م) والذي أصبح فيما بعد أحد أقطاب تلك الجمعية، ومنذ عام ١٩٠٩م تولى (سليمان نظيف) إدارة عدد من الولايات العثمانية، وهي كل من : (ولاية البصرة ١٩٠٩ – ١٩١٠م) و(ولاية قسطموني ١٩١٠ – ١٩١١م) و(ولاية طرابزون ١٩١١ – ١٩١٢م) و(ولاية الموصل ١٩١٣ – ١٩١٤م) و(ولاية بغداد ١٩١٥م)، والتي تزامنت مع الاحتلال البريطاني لعدد من المدن العراقية.

كما أسلفنا – فقد بدأت جمعية الاتحاد والترقي تحث الناس على التعامل مع الحدث الجديد، من خلال فتح باب الانتساب إلى الجمعية وخوض غمار العمل السياسي، كان (سليمان نظيف) أحد هؤلاء الذين نجحت الجمعية في استقطابهم إلى صفوفها، وبمرور الوقت أصبح (سليمان نظيف) أحد أقطاب جمعية الاتحاد والترقي والذي اتخذ من الصحافة بالإضافة إلى عمله السياسي منبراً لانتقاد العهد القديم.

عرف عن (سليمان النظيف) تنوع نتاجاته الأدبية والصحفية والتي توزعت بين التأليف ونظم الشعر فضلا عن مقالاته الصحفية التي تولى نشرها في عدد من الصحف التركية منها صحيفة بيام وصحيفة حادثات وصحف أخرى والتي استمرت بنشر مقالاته حتى وفاته عام ١٩٢٧م.

فمن هو (سليمان نظيف) : ولادته … بقلمه :

ولد سليمان نظيف عام ١٨٦٩م في مدينة ديار بكر من اسرة أدبية، فوالده (سعيد باشا) كان أديباً وسياسياً معروفاً، له العديد من المؤلفات الأدبية والتاريخية كان منها، (مرآة العبر وميزان الأدب) ويقع في عشرة أجزاء نذكر منها : (مراعاة الصحة) (خلاصة المنطق)، ( تبصرة الانسان)، (علم الحساب)، (تاريخ ديار بكر) وشقيقه الشاعر (فائق علي أوزاستسوي) …

عاش (سليمان) سنواته الأولى من حياته متنقلاً بين عدد من المدن بحككم وظيفة والده الإدارية (متصرف) منها : هاربوت، قهرمان مرعش، ماردين، ديار بكر، لقد تلقى (سليمان) تعليمه الأولي في مدرسة هاربوت ثم التحق بالمدرسة الرشدية في ديار بكر، أثناء تلك المرحلة الدراسية تلقى دروساً في تعلم عدد من اللغات كالعربية والفارسية والفرنسية ثم التحق بعدها بالدراسة في المدرسة الملكية في سالانيك ليكمل مسيرته التعليمية في مدرسة الاقتصاد.

بعد وفاة والده عام ١٨٩١م عاد (سليمان) إلى ديار بكر للعمل بصفة (موظف حكومي) في عدد من الوظائف منها موظفاً في قلم إدارة الولاية ثم انتقل بعدها إلى (ولاية الموصل) ليعمل كاتبا لواليها (عبد الله باشا) وذلك عام ١٨٩٩م، إلا أنه استقال من وظيفته.
وفي تلك الفترة بدأ (سليمان) بنشر أولى مقالاته في عدد من الصحف، وبحكم انتمائه لجمعية الاتحاد والترقي انتهج (سليمان) سياسة قائمة على انتقاد سياسة (السلطان عبد الحميد الثاني) تعرض على أثرها للملاحقة مما اضطره للفرار إلى باريس التي بقي فيها ثمانية أشهر لم ينقطع فيها عن الكتابة في عدد من الجرائد منها جريدة مشورة إلى جانب نشر عدد من الاعمال بتوقيع عبد الاحرار طاهر.

ومن المفارقات في حياة (سليمان) أنه بعد خسارة الدولة العثمانية للحرب العالمية الأولى والتوقيع على هدنة مودروس عام ١٩١٨م، نشر (سليمان) عدة مقالات في جريدة (بيام) حمل فيها الاتحاديين مسؤولية تجزئة وتفكك الدولة العثمانية، مادحاً السلطان (عبد الحميد الثاني) في مقالات أخرى نشرها في جريدة (حادثات).

قرر (سليمان) العودة من باريس إلى إسطنبول بعد حصوله على الأمان من السلطان عبد الحميد الثاني، وعين كاتب سر الولاية، إلا أنه سرعان ما تم نقله إلى بورصة ليعمل كموظف حكومي في إدارة الولاية والتي بقي فيها حتى عام ١٩٠٨م، وفي ذلك العام صدرت الأوامر بنقله إلى ولاية قونية إلا أنه رفض الالتحاق بتلك الوظيفة.

بعد انقلاب جمعية الاتحاد والترقي عام ١٩٠٨م، قرر سليمان – وبحكم كونه أحد أقطاب الجمعية – العودة إلى إسطنبول لكنه لم يبق فيها مدة طويلة، إذ جرى تعيينه واليا على عدد من الولايات كانت البداية (ولاية البصرة عام ١٩٠٩م) و (ولاية قسطموني ١٩١٠- ١٩١١م) و (ولاية طرابزون ١٩١١ – ١٩١٢م) و (ولاية الموصل ١٩١٣ – ١٩١٤م) و (ولاية بغداد ١٩١٥م) التي عزل منها ولم يبق فيها فترة طويلة.

وسنعرض إنموذجا لإدارته لولايتي (البصرة والموصل) في الحلقة القادمة.

المصادر المعتمدة :

١ – يلماز أوزتونا، تاريخ الدولة العثمانية، المجلد الثاني، ترجمة عدنان محمود سلمان، مراجعة وتنقيح د. عمر الانصاري، مؤسسة فيصل للتمويل (إسطنبول، ١٩٩٠م).

٢ – عبد الكريم رافق، العرب والعرب والعثمانيون ١٥١٦ – ١٥١٦م، ج١، دمشق، ١٩٧٤).

٣ – توفيق برو، العرب والترك في العهد الدستوري الثاني ١٩٠٨ – ١٩١٤م، (دمشق (١٩٩١م).