أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

أقدم الوالي ناظم باشا على استيفاء الضرائب المفروضة على المنتجات الزراعية من التجار الذين يشترونها بدلاً من الطريقة التقليدية القائمة على استيفائها من العشائر مباشرة، كما صدرت الأوامر إلى والي البصرة بتنظيم زيارات تفقدية إلى عدد من المدن التي اجتاحتها الثورة (سوق الشيوخ، الناصرية، الشطرة) التقى خلالها بعدد من شيوخ العشائر الذين تعهدوا بدفع المستحقات المالية التي بذمتهم، فضلاً عن حفظ الأمن في مناطقهم، كان لهذه الإجراءات وقع حسن على هذه المناطق التي شهدت هدوءاً نسبياً خلال فترة ولاية ناظم باشا، ومن المفيد بالإشارة إلى أن ناظم باشا لم يكن من مؤيدي استخدام الشدة والقوة تجاه الانتفاضات العشائرية ومنها الكردية وبقدر تعلق الامر بالانتفاضات الأخيرة، كان تعليل ناظم باشا بمثابة الخطوة الأولى لدعم جهود السلام، وفي هذا المجال صدرت الأوامر بعزل والي الموصل (محمد فاضل الداغستاني) عن ولاية الموصل وقيادة الفيلق السادس حيث كان (الداغستاني) أحد قادة الحملات العسكرية تجاه عشيرة بارزان الكردية وزعيمها الشيخ عبد السلام البارزاني وتم اختيار صفوت بك لولاية الموصل حيث صدرت الأوامر من ناظم باشا باجراء المفاوضات لحل الخلافات بين الجانبين العثماني والكردي وتم التوصل إلى اتفاق تضمن بنودا منها:
أولاً : الافراج عن السجناء المتهمين بالمشاركة في حركة الشيخ عبد السلام البارزاني في تشرين الثاني ١٩٠٩م.
ثانيا: تعويض المواطنين عن الأضرار التي لحقت بالمنطقة جراء المعارك.

إلا إن هذا الاتفاق لم يدم طويلا ًوسرعان ما ألقي القبض على الشيخ عبد السلام البارزاني وتم إعدامه عام ١٩١٣م.

أما المرتكز الثاني الذي شغل الحيز الأكبر من اهتمامات ناظم باشا خلال فترة ولايته، نورد ما ذكره عالم الاجتماع العراقي الأستاذ الدكتور علي الوردي في مؤلفه الموسوم “لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث /الجزء الثالث “، بأن : “ناظم باشا كان عازماً على القيام بأعمال عمرانية وحضارية عديدة إلا أن الوقت لم يسعفه”. ومع ذلك ورغم قصر فتره ولايته فانه قام بأعمال غير قليلة منها :
ـ انتقاده للخلل الذي كان يعتري عمل عدد من الدوائر الخدمية ومنها البلدية، وفي هذا المجال أصدر العديد من اللوائح والإجراءات التنظيمية لتأمين سير أعمال هذه الدائرة، وأمام افتقار هذه الدوائر الخدمية للاعتمادات المالية الكافية عقد (ناظم باشا) قرضاً وطنياً باسم البلدية لتمويل المشاريع التي وضع (ناظم باشا) بنفسه خططها التنظيمية، منها إنشاء جسر حديدي يربط بين ضفتي نهر دجلة، ويعد ناظم باشا أول من وضع تصميم الشارع الرئيسي الذي أطلق عليه جادة خليل باشا (شارع الرشيد) وحرصاً من الأخير على ضمان حقوق الأهالي شكّل دائرة خاصة لتثمين الدور التي سوف تستملكها الولاية لغرض انشاء المشروع المذكور.

وفي إطار اهتمامه بتطوير العملية التربوية في ولاية بغداد ترأس (ناظم باشا) مجلساً شكله بنفسه للإشراف على المعارف في بغداد والذي ضم في عضويته عدد من الأشخاص نذكر منهم محمد أفندي الكيلاني وعبد الله أفندي الحيدري، وفي عهده جرى افتتاح عدداً من المدارس نذكر منها : “كوجك ضابطان” أي صغار الضباط واختار لها هيئة تدريسية كفؤة نذكر منهم جعفر العسكري وعلي جودت الأيوبي ونوري السعيد، واجهت ناظم باشا مشكلة تأمين الموارد الكافية لإدارة تلك المؤسسات التربوية وترميمها ولمواجهة هذه المشكلة لجأ إلى الاعتماد على التبرعات والاعتمادات المالية.
ـ شغلت قضايا الري ومواجهة أخطار الفيضانات اهتمام ناظم باشا فتابع شخصيا أعمال مهندس الري البريطاني وليام ويلكوكس الذي كلفته نظارة النافعة بإنجاز عدد من مشاريع الري في العراق خلال الأعوام ١٩١٠-١٩١١م.
ورغم المشاريع الإروائية التي اقترحها (ويلكوكس) إلا إنه لم ينفذ إلا مشروع سدة الهندية على نهر الفرات والتي وقع الاختيار على تنفيذها نظراً لحراجة الموقف في تلك المنطقة.
كما حرص (ناظم باشا) على دفع مرتبات الجند بانتظام، إذ كان كثيراً ما يلجأ الجند وبسبب عدم دفع مرتباتهم إلى مهاجمة أسواق بغداد وغيرها، ويدخل ضمن اهتمامات (ناظم باشا) عنايته بنظافة بغداد فضلاً عن افتتاحه لصيدلية حديثة تفتح أبوابها ليلاً ونهاراً وفي عهده جرى افتتاح عدد من المستشفيات كما حرص على تأمين حاجات المؤسسات الصحية من الكوادر الصحية.
ورغم أن ناظم باشا لبغداد والذي لقبته المصادر بـ (مدحت الثاني) لجهوده الإصلاحية من ناحية ولقيادته في إدارة الأزمات التي كانت تمر بها الولايات العراقية، والذي نجح في تحقيقها ولفترة قصيرة نسبياً إلا أن حكمه لم تتجاوز السنة انتهت بعزله.

المصادر المعتمدة :

١ – ستيفن همسلي لونكريك، تاريخ العراق الحديث، ١٩٠٠ – ١٩٥٠، ترجمة جعفر الخياط.
٢ – علي الوردي، لمحات اجتماعية في تاريخ العراق الحديث، ج٣، من سنة ١٨٧٦ – ١٩١٤م، (بيروت، ٢٠٠٥).
٣ – جميل موسى النجار، الإدارة العثمانية في ولاية بغداد من عهد الوالي مدحت باشا إلى نهاية الحكم العثماني، ١٨٦٩ – ١٩١٧م، (القاهرة، ١٩٩١م).
٤ – عباس العزاوي، تاريخ بغداد بين احتلالين، ج٨، العهد العثماني الأخير، (بغداد، ١٩٥٦م).

مقال خاص براسام