أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
سعى الأعيان وباستمرار تشجيع الصناعة الوطنية والاهتمام بالامور العلمية التي تخص الصناعة، سعوا كذلك بالمطالبة بتخفيف الضرائب عن المشاريع الصناعية وضرورة استثمار المعادن الطبيعية لتطوير البلاد.
كذلك مسألة حماية الصناعات الوطنية من الأمور التي أولاها السادة الأعيان في مناقشاتهم للصناعة، فقد طالب العينان مولود مخلص وأصف أفندي باستخدام البدلات الرسمية التي تنتج محلياً لغرض تشجيع الصناعة الوطنية المحلية، وأكدت الأمر نفسه اللجنة المالية والاقتصادية في تقريرها لعام ١٩٢٦ – ١٩٢٧م، بإلزام الجيش والشرطة وطلاب المدارس وغيرهم على استخدام الصناعات الوطنية، وأوضحت اللجنة في تقريرها اللاحق لعام ١٩٢٨م، أن حالة الصناعة الوطنية المحلية أصبحت في الدرك الأسفل من الانحطاط وذلك لمزاحمة المصنوعات الأجنبية لكل مصنوع وطني محلي حتى المواد البسيطة.
وفي أثناء الحرب العالمية الثانية (١٩٣٩ – ١٩٤٥م)، دعا العين عبد المحسن شلاش إلى سد الحاجات الضرورية من منتوجات الشعب الزراعية والصناعية، وأن الواجب يحتم تشجيع الصناعات الوطنية واليدوية المحلية، وأيده في الرأي العين (محمد رضا الشبيبي)، وأكد العين جلال بابان أنه بالاستغناء عن الصناعة الخارجية إلى حد ما، تشجيع المنتجين وتشغيل الأيدي العاملة من ناحية أخرى.
وأكد الأعيان (نور الدين محمود ومصطفى العمري وصالح جبر وعزرا مناحيم دانيال وجلال بابان ونصرت الفارسي) في مناسبات عديدة، على أن الاستقلال الاقتصادي لا يكون بدون تشجيع الصناعات الوطنية، وأن التصنيع من أساليب الدفاع.
وتشجيعا للصناعة كان الأعيان يطرحون مقترحات عديدة، فقد طلب العين (حسن الشبوط) التساهل مع محالج القطن، في حين طالب العين (مولود مخلص) أن تتوسع معامل السجون لتصبح دائرة تدريب .
وأشار إلى أن كلمة تشجيع الصناعات الوطنية كلمة تستعمل دائما، فمن الضروري العمل بها، وعند طرح قانون تشجيع المشاريع الصناعية لعام ١٩٢٩م، الذي تضمن إعفاء المعامل التي يبلغ رأس مالها أكثر من خمسة آلاف دينار من بعض الضرائب، حصلت موافقة مجلس الأعيان عليه بالإجماع. وعند عرض تعديله عام ١٩٣٩م، أشار العين (داود الجلبي)، أن العراق مفتقر إلى تشجيع الصنائع وأن الضرائب أدت إلى تراجع المشاريع الصناعية.
لم تكن مسألة تشجيع المشاريع الصناعية والشركات الأهلية مقتصرا على آراء السادة الأعيان، بل أولت لجنة الأمور المالية والاقتصادية ولسنوات عديدة، ذلك اهتماماً خاصاً، فقد دعت اللجنة عام ١٩٤٧م، إلى تصنيع البلاد تصنيعا يتناسب وحاجة العراق من جهة وقابلياته من جهة أخرى، وفي عام ١٩٤٨م، طالبت اللجنة بوضع خطة قوية لتشجيع المشاريع الصناعية الاقتصادية، ودعوة الحكومة إلى حماية بعض الصناعات والمعامل التي أنشئت في البلاد، وجرت التأكيدات نفسها في تقارير اللجنة للأعوام، ١٩٤٩ – ١٩٥٠، ١٩٥٣، ١٩٥٦، ١٩٥٧م.
أما بخصوص صناعة النفط والمعادن، فقد كانت تأكيدات الأعيان ولجان المجلس مستمرة في طرح هذا الموضوع الحيوي، فقد بدأ منذ عام ١٩٣٤م التأكيد على انشاء مصفى للنفط، إذ أشار العين رستم حيدر إلى وجوب قيام الحكومة بإنشاء مصفى للنفط،، ودعا العين (نوري السعيد) إلى ادخال مبلغ لعمل مصفى للنفط ضمن المبالغ المخصصة للأعمال الرئيسة. وطالب العين داود الجلبي وناجي السويدي وأصف أفندي، عام ١٩٣٨، أهمية المصفى، وأن لا تتساهل الوزارات في حرمان (المملكة) من نفطها، وأن لا تستمر تصفية النفط العراقي في فرنسا وبريطانيا وغيرها، ودعوة أخصائيين لإقامة مصافي النفط في العراق، ودعا العين (عبد المهدي) عام ١٩٥٦م، إلى التفكير في قضايا النفط وصناعته وطريقة نقله إلى الخارج، في حين طالب العين (نور الدين محمود) بالاهتمام بالتعدين وأن لا يهمل ويجب أن يباشر به مع التصنيع، ودعا العينان (محمد رضا الشبيبي وعبد المجيد علاوي) إلى الاستفادة من المعادن الأخرى كالكبريت الذي يدر على البلاد مبالغ جسيمة.
ومن الجدير بالذكر أنه ما كانت تطرح اتفاقية أو معاهدة نفطية مع الشركات الأجنبية وعدّها بعض الأحيان مجحفة بحقوق البلاد وبشكل خاص الاتفاقيات النفطية التي عقدت مع الشركات البريطانية منذ عام ١٩٣١م ولغاية عام ١٩٥٢م، واستمروا على تأكيد أهمية استثمار النفط ومصفى النفط وأهميته.
كما شغلت مسألة الضرائب مناقشات مجلس الأعيان، فكانت اعتراضاتهم كثيرة على الضرائب والرسوم التي تفرض على المنتجات الصناعية وعلى أصحاب الحرف والصناع، فقد طلب العين (أصف أفندي) تخفيض الضرائب عن أصحاب الحرف والصناع، ورفع الرسم عن صناعة الصابون وتشجيع زراعة الفستق للاستفادة منه، كذلك أوصت لجنة الأمور المالية والاقتصادية في تقريرها لعام ١٩٣٤م بالأمور نفسها، وكانت تأكيدات الأعيان مولود مخلص وحسن الشبوط وجميل الزهاوي ورابح العطية كثيرة في هذا المجال.
سنتطرق في الحلقة القادمة إلى (التجارة) في مناقشات مجلس الأعيان.
مقال خاص براسام

