في قاعدة باغرام الجوية، يقوم تجار الخردة الأفغان بالتنقيب في مخازن المعدات العسكرية الأمريكية التالفة، بعدما كانت إلى زمن قريب المقر الرئيسي للاحتلال الأمريكي لأفغانستان لمدة 20 عامًا. مسؤولون أفغان يقولون إن آخر القوات الأمريكية انسحبت بعيدًا عن قاعدة باغرام في جوف الليل، دون إشعار بذلك أو تنسيق.
وتسارع طالبان إلى توسيع سيطرتها على المناطق الأفغانية، إما عبر المفاوضات بين كبار السن في المنطقة، أو بالقوة إذا رفضت القوات الموالية لحكومة كابول التخلي عن مراكزها وأسلحتها. وقبل أسابيع قليلة فقط، تمكنت طالبان من السيطرة على ربع البلاد، إضافة للسيطرة على المراكز الحدودية ومساحات واسعة من الأراضي في شمال البلاد، بما فيها معاقل التحالف الشمالي، الميليشيات التي منعت طالبان من توحيد البلاد في أواخر التسعينات.
أصحاب النوايا الحسنة عبر العالم يتمنون مستقبلًا سلميًا للشعب الأفغاني، إلا أن المهمة الشرعية الوحيدة التي بإمكان أمريكا أن تقدمها، دفع تعويضات بأي طريقة بسبب الضرر الذي أحدثته وكل الآلام والوفيات التي حصلت. على التكهنات وسط الطبقة السياسية الأمريكية أن تتوقف بشأن استمرار الولايات المتحدة في قصف وقتل الأفغان. أمريكا وحكومتها العميلة الفاسدة خسرت هذه الحرب، وأصبح الأمر متروكًا للأفغان من أجل بناء مستقبلهم.
لكن، ماذا عن مسرح الجريمة الأمريكي الآخر، العراق؟ وسائل الإعلام الأمريكية لا تذكر العراق، إلا عندما يقرر قادة الولايات المتحدة بشكل مفاجئ، أن 150.000 قنبلة وصاروخ أسقطوها على العراق وسوريا منذ 2001 لم تكن كافية. وإسقاط المزيد من الإيرانيين سيرضي بعض “الصقور” في واشنطن، دون بداية حرب واسعة النطاق مع إيران.
لكن بالنسبة لـ40 مليون عراقي، فكما هو الحال بالنسبة لـ40 مليون أفغاني، أكثر ساحات المعارك الأمريكية هي بلادهم. إنهم يعيشون حياتهم كلها في ظل الآثار المستمرة لحرب الدمار الشامل التي شنها المحافظون الجدد.
لقد نزل شباب العراق إلى الشوارع عام 2019، للاحتجاج على 16 عامًا من الحكومات الفاسدة المتعاقبة، التي ترأسها المنفيون السابقون الذين تسلموا العراق من الولايات المتحدة وعائدات النفط. احتجاجات 2019 كانت ضد فساد الحكومة العراقية، وفشلها في توفير الوظائف والخدمات الأساسية لشعبها، بالإضافات للتأثيرات الخارجية التي تخدم مصلحتها داخل البلاد منذ غزو 2003، خاصة أمريكا وإيران.
حكومة جديدة شكلت في مايو / أيار 2020، برئاسة رئيس الوزراء (البريطاني العراقي) مصطفى الكاظمي، رئيس جهاز المخابرات العراقية السابق. وقد بدأ الكاظمي في (تحقيقات) اختلاس 150 مليار من عائدات النفط من قبل مسؤولي الحكومات السابقة، والذي كانوا على غراره منفيين سابقين. خط رفيع من أجل إنقاذ البلاد من أن تصبح خط مواجهة جديد في حرب بين أمريكا وإيران.
استهدفت الضربات الجوية الأمريكية الأخيرة قوات الحشد الشعبي، التي تشكلت عام 2014 من أجل مواجهة تنظيم داعش. حيث أصبحت تضم الآن حوالي 130 ألف جندي في 40 قاعدة مختلفة معظمهم جندوا من قبل الأحزاب والجماعات السياسية العراقية الموالية لإيران، لكنه أصبحوا جزءً من القوات المسلحة العراقية ونُسب إليهم الدور الحاسم في القضاء على داعش.
وسائل الإعلام الغربية صورت قوات الحشد الشعبي على أنها ميليشيات يمكن لإيران تشغيلها وإيقافها كسلاح ضد الولايات المتحدة، إلا أن هذه الوحدات لها أيضًا مصالحها وهياكل صنع القرار الخاصة بها. وعندما حاولت إيران تهدئة التوترات مع الولايات المتحدة، لم تكن قادرة دومًا على السيطرة على قوات الحشد الشعبي. وقد طلب اللواء حيدر الأفغاني، ضابط الحرس الثوري الإيراني المسؤول عن التنسيق مع قوات الحشد الشعبي، مؤخرًا نقله إلى خارج العراق، بعدما شكا من أن قوات الحشد الشعبي لا تكترث لتعليماته.
ومنذ عملية قتل الولايات المتحدة للجنرال الإيران قاسم سليماني، وقائد الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس في يناير / كانون الثاني 2020، باتت قوات الحشد الشعبي مصممة على (إخراج القوات الأمريكية) المتبقية من العراق. وقد أصدر المجلس الوطني العراقي قرارًا يدعو القوات الأمريكية للخروج من العراق، قبل أن يحصل الاتفاق بين العراق والولايات المتحدة لمغادرة القوات العسكرية الأمريكية البلاد في أقرب وقت، عقب الضربة الجوية الأمريكية ضد وحدات الحشد الشعبي في فبراير / شباط الماضي.
لم يتم تحديد أي موعد للانسحاب الأمريكي، ولم يتم التوقيع على أي اتفاق مفصل. وجزء كبير من العراقيين لا يعتقدون أن القوات الأمريكية ستغادر، ولا يثقون في حكومة الكاظمي لضمان رحيلهم. ومع مرور الوقت دون أي اتفاق رسمي، (قاومت) بعض قوات الحشد الشعبي دعوات التهدئة من حكومتها ومن إيران، وصعّدت الهجمات ضد القوات الأمريكية. وفي الوقت نفسه، أثارت محادثات فيينا بشأن الاتفاق النووي مخاوف بين قادة الحشد الشعبي من إمكانية تضحية إيران بهم، كورقة مساومة في الاتفاق النووي الذي أعيد التفاوض حوله مع الولايات المتحدة.
لذلك، ومن أجل ضمان بقائهم على الساحة أصبح قادة الحشد الشعبي أكثر استقلالية عن إيران، وأقاموا علاقة وثيقة مع رئيس الوزراء الكاظمي. اتضح ذلك أكثر مع حضوره لعرض عسكري ضخم في يونيو / حزيران الماضي، بمناسبة الذكرى السابعة لتأسيس الحشد الشعبي.
لكن في اليوم التالي، قصفت الولايات المتحدة قوات الحشد الشعبي في العراق وسوريا، مما دفع الكاظمي لإدانة الأمر علنًا واعتبرها انتهاكًا للسيادة العراقية. أعقبه ضربات انتقامية من قوات الحشد الشعبي، ثم إعلانها لوقف إطلاق النار. ليبدو ذلك بمثابة منح الفرصة للكاظمي للانتهاء من اتفاق الانسحاب. وبعد أيام، استأنفت الهجمات الصاروخية والطائرات المسيرة على أهداف أمريكية. وفي وقت لم يكن فيه ترامب يرد إلا عندما قتلت الهجمات الصاروخية في العراق مواطنين أمريكيين، كشف مسؤول أمريكي كبير أن بايدن قد خفض نسبة التصعيد، مهددًا بالرد بضربات جوية حتى في حالة لم تتسبب الميليشيات العراقية في مقتل أمريكيين.
إلا أن الضربات الجوية الأمريكية لم تزد سوى من التوترات في مواجهة الميليشيات في العراق. مما يزيد من فترة التفاوض على انسحاب أمريكي حقيقي، ومزيد من الضغط على الكاظمي من طرف الحشد الشعبي وجهات عراقية أخرى.
ويعد السبب الرسمي وراء بقاء القوات الأمريكي، بالإضافة لقوات الناتو في كردستان العراق، هو نشاط تنظيم الدولة “داعش” الذي لايزال يتمتع ببعض الشعبية في صفوف الشباب المضطهد في المنطقة والعالم الإسلامي، وقد وفرت الإخفاقات والفساد والقمع الذي مارسته الحكومات المتعاقبة بعد عام 2003 في العراق، تربة خصبة لمثل هذه التيارات المتطرفة.
إلا أنه من الواضح أن الولايات المتحدة تملك سببًا آخر للاحتفاظ بقواتها في العراق، حيث تستخدمها كقاعدة لمواجهة إيران، الأمر الذي يريد الكاظمي تجنبه من خلال استبدال القوات الأمريكية بقوات الناتو التي تقودها الدانمارك في كردستان العراق.
ولو انضم بايدن بسرعة إلى الاتفاقية النووية لخطة العمل المشتركة مع إيران فور توليه رئاسة الولايات المتحدة، لكانت التوترات أقلا، ولكنا قد رأينا أن القوات الأمريكية قد انسحبت بالكامل بالفعل. إلا أن بايدن ابتلع طعم السياسة السامة التي كان ينهجها سلفه ترامب مع إيران عبر استخدام “الضغط الأقصى” كشكل من أشكال النفوذ، مما أدى إلى تصعيد الأمر لمستوى لعب لا تستطيع الولايات المتحدة الفوز فيه.
مصير الاتفاق النووي الإيران لا يزال غير مؤكد، حيث انتهت الجولة السادسة من المحاورات الدبلوماسية في فيينا في 20 يونيو / حزيران الماضي، دون تحديد موعد للجولة السابعة. ويبدو أن موقف الرئيس بايدن من الالتزام بالانضمام لهذه الاتفاقية مهتز في الوقت الراهن، في وقت أعلن فيه الرئيس الإيراني رئيسي عدم سماحه للأمريكيين بالاستمرار في رسم خطة المفاوضات.
وزير الخارجية الأمريكي بلنكين أشهر ورقة التهديد بالانسحاب من المفاوضات في مقابلة في 25 يونيو / حزيران الماضي، قائلًا: ” إن استمرار إيران في تطوير برنامجها النووي، سيصبح من الصعب على الولايات المتحدة العودة إلى الصفقة الأصلية”، وأضاف: “لا يمكنني تحديد موعد لانسحاب الولايات المتحدة من المفاوضات، لكنه يقترب”.
لكن ما يجب أن يقترب حقًا هو انسحاب القوات الأمريكية من العراق. ففي وقت يتم تصوير أفغانستان على أنها “أطول حرب” خاضتها الولايات المتحدة ، ظل الجيش الأمريكي يقصف العراق على مدار 26 عامًا من الثلاثين عامًا الماضية. حقيقة أن الجيش الأمريكي لا يزال يشن “ضربات جوية دفاعية” بعد 18 عامًا من غزو عام 2003 وما يقرب من عشر سنوات منذ النهاية الرسمية للحرب، يثبت مدى فشل وكارثة هذا التدخل العسكري الأمريكي.
الأمر المؤكد أن بايدن قد تعلم درسًا في أفغانستان مفاده أن الولايات المتحدة لا تستطيع شق طريقها نحو السلام ولا تنصيب الحكومات العميلة للولايات المتحدة كما تشاء. وعندما سخرت الصحافة من سيطرة طالبان مع انسحاب القوات الأمريكية، أجاب بايدن: “لكل من جادل بشأن البقاء ستة أشهر أخرى فقط أو سنة واحدة أخرى في أفغانستان، أطلب منهم الاستفادة من دروس التاريخ الحديث. بعد 20 عامًا من الأحداث نؤكد فقط أن عامًا واحد إضافيًا من القتال في أفغانستان ليس حلاً بل وصفة للبقاء هناك إلى أجل غير مسمى. تقرير مستقبل أفغانستان هو حق الأفغانيين وحدهم”.
نفس درس التاريخ وجب تطبيقه في العراق أيضًا، فالولايات المتحدة تسبب في الكثير من البؤس والموت للشعب العراقي، ودمرت العدد من مدن العراق الجميلة، وأطلقت العنان للطائفية والتطرف الداعشي. وعلى غرار إغلاق قاعدة باغرام الأفغانية، وجب تفكيك بقية قواعد أمريكا في العراق وإعادتها.
الشعب العراقي يملك نفس حق تقرير المصير الذي يملكه الشعب الأفغاني، وكل دول شرق الأوسط لها حق العيش بسلام دون تهديد الصواريخ الأمريكية التي تنهال غليهم أمام رؤوس أطفالهم. لنأمل أن يكون بايدن قد تعلم درسًا تاريخيًا آخر: أن تكف الولايات المتحدة الأمريكية عن غزو ومهاجمة الدول الأخرى.
ميديا بينجامين + نيكولاس دايفيز / كامن دريمز
ترجمة وتحرير: راسام

