أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
كانت المحاصيل الزراعية والاهتمام بنوعياتها وتوسيع زراعتها من الأمور التي أولاها الأعيان أهمية في مناقشاتهم، فقد انتقد العين (حسن الشبوط) في جلسات المجلس لعام ١٩٢٥م، استيراد الحنطة من الهند “ونحن بلاد زراعية”، وفي الجلسة ذاتها، طالب العينان مولود مخلص وآصف أفندي عدم تقييد الزراعة بمنع زراعة القطن المحلي لأن ليس فيه خطر كبير، وأضاف (آصف أفندي) منتقداً الوضع الزراعي ” لأن العراق بلد زراعي ولكنه يستورد البصل ويستورد القمح من استراليا والمخضرات والمواد الغذائية” مستفسراً إنه ” إذا انقطع النفط فعلى ماذا تعتمد البلاد؟”.
وطالب العينان (مولود مخلص وعبد المحسن شلاش) الاهتمام بالبساتين وتخليصها من الآفات لغرض تصدير منتوجاتها إلى الأسواق الأجنبية، وأكدت الأمر نفسه لجنة الأمور المالية والاقتصادية لعام ١٩٣٤م مع العناية بأشجار الزيتون والفستق وتحسين أنواع الأشجار المثمرة.
أما بخصوص التبغ الذي يعد من المحاصيل التجارية المهمة، فقد كان موضع اهتمام السادة الأعيان ولجان المجلس كذلك، وكان التأكيد ينصب على طبيعة التعامل مع زراع التبغ ورسوم التبغ، ومما يلحظ أن لجنة الأمور المالية والاقتصادية في تقريرها لعام ١٩٢٥ أشار إلى أن التبغ يبقى مخزوناً وهو معرض إلى الرطوبة والجفاف وإن أخذ الرسوم على الزائد إجحاف بحقوق المزارعين، في حين انتقد العينان محمد رضا الشبيبي وجلال بابان لائحة حصر التبغ عام ١٩٣٩م، والتي تضمنت حصر التبغ وإيجاد دائرة له وجعل التعامل به عن طريق الدولة على أساس أن اللائحة تلحق الضرر بالعاملين في زراعة التبغ وبتجارته.
أما بخصوص الثروة الحيوانية، فقد أكدت لجان المجلس في تقاريرها أهمية العناية بالثروة الحيوانية والزراعية وتحسين نسل الحيوانات وإنشاء المراعي الصناعية وتأسيس مصانع الألبان وبعض الصناعات الحيوانية والاهتمام بالبيطرة وحماية الثروة الحيوانية.
نلحظ ان أكثر مناقشات الأعيان دارت حول الزراعة وملكية الأراضي لأن أغلبهم من مالكي الأراضي فضلا عن أن العديد من كبار موظفي الدولة قد امتلكوا مساحات واسعة، وعن ذلك يقول العين (ناجي السويدي) : “إننا لو حللنا ما نشاهده من الاضطرابات نجد أن ٩٠٪ منها سببها الموظفون وأخذهم الأراضي من الدولة واستغلالها… ويجب عدم الجمع بين الزراعة والسياسة والتجارة والإمارة”.
ودعا العين (حمدي الباجه جي) الحكومة أن تحاسب الذين أثروا من وراء المناصب والكراسي بامتلاكهم مساحات واسعة.
ولكون أغلب الأعيان من ملاك الأراضي، لذلك نجد أن موضوع الضرائب والرسوم وتقديم السلف والاعانات كثيراً ما تشغل مناقشات المجلس. فقد كان التشكي منها مستمراً، فقد طلب العين (حسن الشبوط) إلغاء رسوم الوردية على حيوانات الأهليين التي تجبيها بلديات الأعظمية والكاظمية والمسيب وبدرة وسلمان باك وجصان وزرباطية وغيرها، وانتقد العينان (مولود مخلص وحسن الشبوط) إعفاء محروث الهذال وغيره من الضرائب وأخذها من الفلاحين الفقراء. وكانت الشكاية في ثقل الضرائب وطريقة جبايتها مثار نقاش الأعيان (عزرا مناحيم دانيال وآصف أفندي ومولود مخلص ومحسن أبو طبيخ ومحمد رضا الشبيبي ويوسف غنيمة وعباس مهدي ويوسف عما نوئيل ومحمد علي فاضل أفندي وعلي ممتاز الدفتري)، وأكدت الأمر نفسه تقارير لجان المجلس لأعوام عديدة، وبالمقابل كانت حالة الارتياح عند رفع أي ضريبة أو رسم أو تخفيفها، ففي جلسات المجلس لعام ١٩٢٨ – ١٩٢٩م، رحب العين (مولود مخلص) بالعفو الذي قررته الحكومة بالنسبة للزراع وطالب أن يكون العفو عاماً. وعند مناقشة تقرير لجنة الأمور المالية والاقتصادية لعام ١٩٣٩م، لإطفاء ضريبة الأرض لأنها كانت تؤخذ ضرائب متعددة على الأرض والماء، رحب بها العينان (عبد المحسن شلاش وجلال بابان) وعدّاها خدمة للمزارعين ولتخلصهم من الشكوى.
أما في مجال طلب المساعدات للمزارعين فقد كانت كثيرة ومتكررة، حيث قدّم العين يوسف عما نوئيل عام ١٩٢٥م، تقريرا طلب فيه مساعدة كافية لجميع المزارعين والإسراع بذلك، وأكد الأعيان (مولود مخلص وآصف أفندي وحسن الشبوط وفؤاد الدفتري ويوسف عما نوئيل ومحمد علي فاضل أفندي)، مرات عدة على موضوع الفائدة التي تؤخذ من السلف الزراعية وطالبوا بإلغاء هذه الفائدة لكون السلف تعطى للمحتاجين ويجب أن لا يلزموا بفائدة.
أما بخصوص المصرف الزراعي ومساعدة الفلاحين، ففي جلسات المجلس للأعوام ١٩٢٥ – ١٩٢٦ – ١٩٢٧م، طلب الأعيان (حسن الشبوط ومولود مخلص ورستم حيدر) إنشاء مصرف زراعي يساعد المزارعين، وأكدت الأمر نفسه تقارير لجان المجلس للأعوام ١٩٢٨، ١٩٣٤م، ولهذا عندما عرضت لائحة إنشاء المصرف الزراعي على المجلس قبلت بدون اعتراضات، واستمرت تأكيدات الأعيان منح السلف الزراعية، فقد رحب الأعيان (آصف أفندي ومولود مخلص وفخري الجميل) بالسلف التي أعطيت للفلاحين المنكوبين بالجراد والفيضانات.
ودعا العين (جلال بابان) أن تقوم الحكومة باتخاذ المسائل كافة المشجعة للمزارعين لتحسين الزراعة سواءً أكانت بإعطائهم البذور أو السلف الزراعية أو غيرها، وأيّده العينان عبد المحسن شلاش ومصطفى العمري، وطالب العين (صالح جبر) بإعطاء سلف لمزارعي التبغ ليتخلصوا من استغلال “تجار التبوغ” لهم، في حين دعا العينان (رابح العطية ومحسن أبو طبيخ) إلى مضاعفة السلف أو شراء الحكومة الآلات والمعدات الزراعية وتوزيعها بأقساط تتناسب وقابلية طالب السلفة.
وطالب العين (محمد رضا الشبيبي) بإغاثة ملاكي النخيل وتجار التمور لما أصابهم من أضرار فادحة لهبوط الأسعار، وذهب إلى الأمر نفسه الأعيان (عبد القادر باش أعيان ورابح العطية وصالح جبر وعلي ممتاز الدفتري) مطالبين بإلغاء الرسوم على المنتوجات الزراعية والحيوانية وذلك لهبوط الأسعار.
خلاصة الأمر، إن الاعتراض على الضرائب والرسوم وطريقة جبايتها وتعددها، كانت من الأمور التي أخذت مآخذ كبيرة في مناقشات مجلس الأعيان، ويبدو أن السبب الأساسي لذلك هو أن هذه الضرائب والرسوم كانت تشمل الأعيان أنفسهم كون غالبيتهم من ملاكي الأراضي من ناحية فضلاً عن إنها – كما يبدو – كانت ثقيلاً فعلاً خاصة، ومن ناحية أخرى فإن الدولة تعرضت لأزمات اقتصادية نتيجة الأزمة العالمية ونتيجة لدخول العراق الحرب العالمية الثانية من ناحية ثالثة.
أما بخصوص الملكيات الزراعية فيرى العينان (محسن أبو طبيخ ورابح العطية) إعطاء ملكيات زراعية صغيرة للفلاحين لكي يعملوا بها ويرتبطوا بالأرض، في حين يرى العين عبد المحسن شلاش أن للمشاريع الكبيرة فوائد إدارية واقتصادية لا تتوافر في الملكية من حيث استخدام الآلات وتوفير لوازم الإنتاج. ونلحظ أن هذين الرأيين ليس لأجل التخلص من النظام الاقطاعي، أو شبه الاقطاعي، وإنما لكي يحصل أفراد عشائرهم على الأرض مما يشكل استقرارا لها، في حين رأي العين (عبد المحسن شلاش) ينطلق فعلا من مفهومه الاقتصادي لتوفير الخدمات الزراعية. ومن الأمور التي حظيت بارتياح الأعيان هي مسألة تسوية الأراضي لعام ١٩٣٢ كونه يحافظ على استقرار ملكياتهم وينهي أسباب النزاع على الأراضي، وقد عدّه العين (مولود مخلص) تخلصا من المشاكل الكثيرة التي تجابه الحكومة، ويضع حداً للارتباكات والتشويشات في التصرف والاستثمار، وذهب إلى الرأي نفسه العين (ناجي السويدي ومصطفى العمري) مطالبين بحسم أمور التسوية.
أما بخصوص العلاقة بين الفلاح والملاك وبشكل خاص العلاقات الإنتاجية، فقد طلب العين (فخري الجميل) أن توضح ما هي حقوق الفلاح على الملاك، كما انتقد مسألة رسوم الماء والسقي عام ١٩٣٣م. وعدّ العين (مولود مخلص) أن سوء حالة الفلاح ليس بسبب الملاك بل في جهل الفلاح وكسله وأنه “قاتل الفقر بالراحة”.
كان للأعيان (محمد رضا الشبيبي وصالح جبر وعبد المهدي وعلي الشرقي) – والذين لم يكن أحد منهم من المالكين الكبار – اراء معاكسة، فالعين (محمد رضا البشيبي) رأى أن قضية ايجار الأراضي تشبه الاقطاع، وهو تحكم بصغار الفلاحين و(السراكيل) وقد طبّقت في العمارة فتسببت بالهجرة، وطالب الشبيبي برفع الحيف عن الفلاحين، ودعا العين (صالح جبر) إلى عدم إعطاء الأراضي للأشخاص الذين لا يعملون بل إعطائها للفلاحين الجادين بالعمل، وأيّده بذلك العينان (عبد المهدي وعلي الشرقي).
وهكذا عرضنا موقف السادة أعيان العراق من الزراعة وتطويرها، سنرى في الحلقة القادمة كيف أن السادة الأعيان أولوا اهتماما بالصناعات الوطنية وتشجيعها وتطويرها.
مقال خاص براسام

