لقد أعلن الكاظمي في تغريدة نشرها على حسابه في موقع “تويتر” بوقتٍ سابق عن القاء القبض على أحد المتورطين بقتل المستشار السابق للحكومة العراقية “هشام الهاشمي”، وكاشفاً أيضاً عن اعتقال متورطين بقتل الصحفي والناشط المدني “أحمد عبد الصمد” في مدينة البصرة، قائلاً: “وعدنا بالقبض على قتلة هشام الهاشمي و أوفينا الوعد، وقبل ذلك وضعنا فرق الموت وقتلة أحمد عبد الصمد أمام العدالة، وقبضت قواتنا على المئات من المجرمين المتورطين بقتل الأبرياء” وهنا لا بد لنا أن نسأل من هم المئات الذين يشير اليهم الكاظمي في تغريدته هذه؟، علماً بأن الناطق الرسمي بإسم رئيس الوزراء العراقي “أحمد ملا طلال” قد صرح عقب عملية اغتيال “الهاشمي” بأن هناك جهات هربت قتلة الهاشمي للخارج بعد يوم واحد من عملية الاغتيال، ثم صرح مرة أخرى قائلاً:” إن الحكومة تمكنت من تحديد هوية أثنين من المتهمين الأربعة بالاغتيال”، ثم عاد ليؤكد مرة أخرى في مؤتمر صحفي يوم 14 أيلول/سبتمبر 2020 عقب جلسة لمجلس الوزراء قائلاً: “أنه تم تحديد بعض الاشخاص المتهمين وتم التوصل الى بعض الخيوط في قضية اغتيال الهاشمي، مستدركاً أنه لا يمكن ذكر تلك المعلومات أو التفاصيل عن الاشخاص لأنها أمور متعلقة بالتحقيق”، ثم خرجت الحكومة لنا اليوم باعترافات لشخص واحد من قتلة الهاشمي فقط.
إن إعلان حكومة “الكاظمي” عن القاء القبض على أحد المشاركين في قتل “الهاشمي” بعد مرور سنة على مقتله يثير الكثير من التساؤلات حول الاجراءات الحكومية المتبعة لكشف هذه الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، كونها تأخرت في أعلان النتائج، كما إنها جاءت مخيبة للآمال لأنها لم تعلن الحقيقة كاملةً، بل تقدمت بنتف من المعلومات التي تزيد المشهد الأمني تعقيداً، خاصة وأنها تسترت على الكثير منها طوال الفترة الماضية، لذا فأن بث الاعترافات كان بطريقة غير مهينة وبعيدة عن المصداقية، مما يجعل الرواية الحكومية ضعيفة، كونها لم تكشف الأطراف المتورطة في هذه الجريمة، رغم توفر المعلومات لدى الأجهزة الأمنية منذ الأيام الأولى لاغتيال “الهاشمي”، ومع هذا فأن القاء القبض عن أحد المجرمين الأربعة الذين نفذوا جريمة الاغتيال دون ذكر الجهة التي ينتمون اليها هو جزء من التواطؤ الحكومي مع القتلة والمجرمين، الذين ينتمون لميليشيات مسلحة تنفذ أجندة خارجية بحيث أصبحت فوق القانون في حكومة الكاظمي، بل وأصبحت الحكومة لا تجرؤ على أتهام هذه الميليشيات.
إن هؤلاء المنفذين في حقيقة الأمر هم مجرد أدوات ينفذون ما يطلب منهم كونهم ينتمون الى ميليشيات معروفة، لذا يجب كشف ومحاسبة الجهات المسؤولة عنهم، والغريب بأن الرواية الحكومية لم تتطرق الى الدوافع التي تقف خلف تنفيذ هذه الجريمة البشعة، أو حتى الجهة التي خططت! وأصدرت الأوامر بتنفيذها، بل إن الحكومة تجاهلت وتجنبت الخوض في الكثير من الجرائم التي تقف ورائها الميليشيات المسلحة التابعة لإيران وتعمل خارج سيطرة الدولة، بعد أن أصبح لها غطاء سياسي وقانوني، لذا فهي تقوم بتنفيذ عمليات القتل والخطف المنظمة ويجب على الحكومة أن تصارح الشعب بذلك، وتعلن عن الجهات التي تقف ورائها، وألا سيستمر مسلسل القتل والارهاب والاستهتار بأرواح الأبرياء، طالما بقيت هذه الجهات دون عقاب أو رادع، وطالما بقية المجرم الحقيقي محصن من العقاب.
الأمر الأخر يا رئيس الوزراء قد أثبتت التجارب بأن هؤلاء المجرمين يمكن أن يتم تهريبهم، أو يحالوا الى القضاء ويتم اطلاق سراحهم بعد ذلك، كما حصل في قضية مرتكبي مجزرة جامع ” مصعب أبن عمير” بمحافظة ديالى، حيث أقتحم مسلحين تابعين لميليشيا “العصائب” المسجد في22أب/أغسطس عام2014، وفتحوا نيرانهم على المصلين مما أدى الى استشهاد وجرح أكثر من(70)شخصاً، وقد صدر حكم الاعدام شنقاً على(34) منهم في26أيار/مايو عام 2015، بموجب قرار “محكمة جنايات الرصافة الهيئة الأولى” الرقم (161/ ج1 /2015)، حسب اعترافاتهم التي أدلوا بها للقضاء في تلك الفترة، وبعد مرور خمس سنوات أي في عام2020، وإذا بالقضاء العراقي يصدر قراراً بالأفراج عنهم، مما يعني أن القانون والتجريم في العراق يتم تحديده حسب مقاسات القوة، وعلى أساس الفاعل الأقوى، فالكلمة للسلاح، وليس للقضاء وسيادة القانون.
إن اعتراف حكومة “الكاظمي” بأن منفذ جريمة الاغتيال هو ضابط ينتمي الى وزارة الداخلية منذ عام2007، يؤكد ما ذهبنا اليه سابقاً من معلومات تؤكد بأن الوزارات الأمنية والعسكرية في العراق مخترقة وطائفية، كونها بنيت على أساس طائفية وحزبية بعد عام2003حسب نظام المحاصصة الطائفية الذي جاء به الاحتلال، وقرارات الدمج التي أصدرها الحاكم المدني “بريمر” والتي تقضي بدمج المليشيات المسلحة الطائفية والعرقية حسب القرار الرقم(91)الصادر في7حزيران عام2004، والقاضي بانخراط ودمج المليشيات التابعة للأحزاب الطائفية والعرقية التي ساهمت بغزو العراق مع القوات الامريكية والبريطانية لتشكل نواة لبناء الاجهزة الأمنية والعسكرية, وبذلك أصبحت عناصر المليشيات الطائفية والخارجين عن القانون يتمتعون بغطاء شرعي من خلال انضمامهم الى هذه المؤسسات العريقة.
لقد أصبح السلوك الطائفي، والقتل على الهوية، والتعذيب، وانتزاع الاعترافات، والخطف، والاغتصاب، يتم بغطاء رسمي، وتحول الولاء للطائفة، والحزب، وأصبح أفراد هذه المؤسسات الذين ينتمون لهذه الميليشيات ينفذون مخططات خارجية، وسياسات طائفية تدين بالولاء للحزب والطائفة، وألا كيف تفسر يا رئيس الوزراء أن يقوم ضابط في وزارة الداخلية باستغلال نفوذه لتنفيذ عملية اغتيال حسب أوامر مرجعيته الحزبية والدينية، وهو الذي يعتبر أحد الشخصيات المسؤولة عن فرض الأمن والقانون، مما يجعلنا نجزم بأن هذه الاعترافات تثبت بأن الاجهزة الأمنية والعسكرية مخترقة في جميع مفاصلها الحيوية من قبل هذه الميليشيات التي تفرض ارادتها بقوة السلاح.
يا رئيس الوزراء إن قيامكم دولتكم بنشر المدرعات والقوات العسكرية عقب بثت الاعترافات التي تخص اغتيال “الهاشمي” في مناطق مختلفة من العاصمة بغداد، كالمنطقة الخضراء، والجاردية، وأبو نؤاس، وغيرها من المناطق الأخرى، يعكس القلق والخوف الذي تعاني منه حكومتك، بسبب خشيتها من سطوة الميليشيات وتداعيات ذلك عليها، كما إنه يعطي دليل واضح على إن الحكومة تعرف الجهة التي ينتمي اليها القاتل، ولكنها تخشى من تداعيات توجيه الاتهام اليها مباشرةً، كما يكشف الضعف والعجز وعدم قدرة الحكومة على مواجهة هذه الميليشيات بالحقائق والقانون، بسبب ضعف واختراق مؤسسات الدولة، وعدم وجود إرادة سياسية حقيقة لدى الحكومة على محاسبة هذه الجهات، وهنا نسأل ماذا لو تم القاء القبض على قائد ميليشيا؟، أو اتهام الجهات التي نفذت جرائم القتل والاغتيال بصورة مباشرة؟، ماذا كنت ستنشر في بغداد؟، وماذا لو اتخذت الاجراءات القانونية بحقها ماذا كنت ستفعل يا كاظمي؟، كما فعلت في قضية “قاسم مصلح” ارحل.
من ناحية التوقيت نقول بأن إعلان حكومة “الكاظمي” لهذه الاعترافات في هذا الوقت ليس كما قال رئيس الحكومة وعدنا فأوفينا، ولكن الاعترافات جاءت في ظروف صعبة تمر بها حكومة الكاظمي والطبقة السياسية الحاكمة في العراق، والتي أوصلت البلد الى حافة الانهيار على كافة المستويات الأمنية والسياسية والاقتصادية والصحية، لذا فهذه الاعترافات تأتي للتغطية على الكثير من الحوادث المهمة في المشهد العراقي، ومنها إن الحكومة تمر بمرحلة حرجة جداً، وهناك استياء شعبي كبير، بسبب تردي الخدمات وخاصة الكهرباء، التي بررها “الكاظمي” بأنها نتاج الفساد الذي عانى منه العراق طوال السنوات الماضية، وكأن أزمة الكهرباء جديدة على حكومة “الكاظمي”، وكأنه لا يعرف بأن العراق يستورد الكهرباء من ايران التي تقوم في كل عام بقطع الكهرباء عن العراق بفصل الصيف، هذا بالإضافة الى تغول وسيطرت الميليشيات وخروجها عن سيطرة الدولة العراقية، والتي تحاول جعل الأراضي العراقية ساحة لتصفية الحسابات الإقليمية والدولية.
كما إن هذه الاعترافات جاءت لامتصاص غضب الشارع العراقي، وللتغطية على حريق “مستشفى الحسين” في مدينة الناصرية، والتي راح ضحيته أكثر من(92)شخص والحصيلة الى ازدياد، وكذلك للتغطية عن جريمة حرق الطابق الرابع بوزارة الصحة والخاص بالمالية والإدارية، كما أنها تأتي كدعاية انتخابية “للكاظمي” في مع اقتراب زيارته للولايات المتحدة الأمريكية، واقتراب الانتخابات النيابية المبكرة، والتي قاطعتها الكثير من الجهات في الحراك الشعبي، بالإضافة الى التيار الصدري، لذا فهي تأتي لامتصاص غضب الشارع العراقي، ولتخفيف الضغط على حكومته، كون هذه المعلومات لا جديد فيها، وقد كانت متوفرة لدى الحكومة منذ فترة طويلة، فقبل شهرين تكلم “الكاظمي” عن فرق الموت، وقال إنه تم القاء القبض عليها بمدينة البصرة، وهي من تقف وراء اغتيال الدكتورة “ريهام يعقوب” و”تحسين اسامة” ولكن لم يذكر اسماء القتلة والجهات التي ينتمون اليها.
يقول رئيس الحكومة “مصطفى الكاظمي” لقد وعدنا وأوفينا وكأنه يختصر عمليات القتل والخطف والتغيب في جريمة واحدة وهي اغتيال “الهاشمي”، أما الجرائم التي جرت على يد الميليشيات منذ عام2014 والى يومنا هذا فلا يتكلم عنها، وهذا تصريح غريب!، ينم عن جهل الحكومة وتواطؤها مع الميلشيات التي نفذت عمليات القتل والتطهير العرقي ومارست التعذيب والاختفاء القسري بلا وجل ودون محاسبة، وهو تنصل عن التزاماتها السابقة بتقديم القتلة للعدالة، ونقول: أين قتلة الابرياء من مدينة “الصقلاوية”، و”الكرمة”، و”الرزازة”، و”الدور”، و”صلاح الدين”، و”كركوك”، و”الحويجة”، و”ديالى”، و”الموصل”؟، و”الفرحاتية” في قضاء “بلد”، و”البو دور” في محافظة صلاح الدين،؟ أين قتلة الحراك الشعبي التي وصلت أعدادهم الى أكثر من (800)شهيد، وأكثر من(30)ألف جريح،؟ أين قتلة الناشطين وقادة الحراك في المدن الجنوبية،؟ لماذا لم تقدمهم للقضاء وقد ألزمت حكومتك بتقديم القتلة للعدالة،؟ وأنت تعرف قبل غيرك من هي الجهات التي تقف وراء عمليات الخطف والقتل والتغيب، فهل يمكن أن تختصر المشهد الدموي بالعراق بتقديم شخص واحد من قتلة الهاشمي للعدالة، وتعتبره انجاز لحكومتك مع ترك الأف من القتلة بلا أجراء قانوني!، ثم تتحدث عن وعود تقول أوفينا بها! أي وعود هذه التي أوفيت بها يا مشتت؟.
وفي الختام نقول: لقد عانى الشعب العراقي من انتهاكات كبيرة لحقوق الانسان والقانون الدولي والانساني بعد عام2003، وارتكبت بحقه الكثير من الجرائم التي ترقى الى جرائم حرب، بحجة محاربة الإرهاب، وتطبيق القانون، الذي تحدده أجندة حزبية ضيقة، بحيث تحول الكثير بل الألاف من الشعب العراقي الى نازحين ومشردين يمنعون حتى من الرجوع الى منازلهم ومناطقهم بحجج واهية، مثل “جرف الصخر”، و”عزيز بلد”، و”يثرب”، و” العوجة”، و”ديالى”، و”مناطق كثيرة في كركوك”، و”أطراف مدينة الموصل”، مع صمت مطبق لحكومة “الكاظمي”، التي عجزت حتى على الذهاب الى هذه المناطق والدخول اليها، فضلاً عن إرجاع النازحين اليها، بل زادوا في ذلك بأن تهمة انتماء أحد أفراد العائلة الى تنظيم الدولة أو القاعدة يحرم العائلة كلها من العودة الى منازلهم، ولا أعرف هذا في أي قانون، وأي دستور، يقر ذلك في العراق، وهنا نسأل يا رئيس الوزراء فما بالك بالذي ينتمي الى وزارة الداخلية وينتمي الى ميليشيا مسلحة تمارس القتل والخطف والاغتيال بسلاح الدولة؟ فما أنت فاعل له ولقيادته التي أمرته بالقتل يا رئيس الوزراء؟، وهل ستطرح قانون يجرم المنتسب للأجهزة الأمنية أذا تبين أنه ينتمي الى ميليشيا مسلحة؟، أم أنك لا تجرؤ على ذلك؟، ثم يتكلم الكاظمي عن سيادة الدولة، والقانون، والعدالة، والقضاء، والوعود بالتغير، والانتخابات المكبرة الغير مسيسة، وبعيدة عن سطوة السلاح، والمال السياسي، أرحل فأنت جزء من المشكلة وليس جزءً من الحل.

