أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

احتل التعليم العالي مكانة وحيزاً في مناقشات مجلس الأعيان، فقد طالب الأعيان بضرورة إصلاح الكليات والتوسع في الكليات العلمية، فضلاً عن مطالبة العين مولود مخلص بإصلاح مدرسة الحقوق، كذلك مطالبته ومعه العين علي فاضل أفندي، بإصلاح كلية آل البيت، وأكدت المطاليب عينها لجنة الأمور المالية والاقتصادية في تقريرها لعام ١٩٢٧م.

استمر الأعيان في مطالبتهم بتطوير مدرسة الهندسة لتهيئة كوادر وطنية شابة، كما أبرزوا أهمية دراسة الطب، اذ ألح الأعيان مولود مخلص وأحمد الداود وجميل صدقي الزهاوي وحسن الشبوط وفؤاد الدفتري وعبد المهدي ومحمد علي فاضل أفندي، لتخريج كوادر طبية وارسال طبيب أو طبيبين لكل قضاء أو لواء.

واحتل موضوع الجامعة العراقية حيّزا في مناقشات مجلس الأعيان، فقد أكد العين مولود مخلص أن تضم الجامعة الاختصاصات كافة من كليات الهندسة والحقوق والطب والزراعة والطب البيطري والاقتصاد ويجلب لها أساتذة متخصصون، وأكدت ذلك لجنة الأمور المالية والاقتصادية موضوع انشاء الجامعة في تقريرها السنوي لعام ١٩٣٨م.

أما بخصوص البعثات العلمية، فقد طرح الأعيان أفكارا عديدة في هذا المجال، فقد طلب العين مولود مخلص إرسال بعثات خارج البلاد لإكمال دراستهم في مختلف الاختصاصات العلمية كي يحصل العراق على كفاءات علمية ورجال يخدمون بلادهم بعلمهم، وأشار إلى قلة البعثات وأكد على ضرورة إرسال بعثات في الهندسة والميكانيك والطب لسد النقص الحاصل في هذه المجالات، وطرح الأمر نفسه الاعيان آصف أفندي ومحمد علي فاضل أفندي وعزرا مناحيم دانيال، وطالبوا برصد مبالغ في الميزانية لهذا الغرض، على أن تكون البعثات حسب الكفاءة بغض النظر عن الغني والفقير، وأكدت لجان المجلس الأمر نفسه في تقاريرها عامي ١٩٢٧م و ١٩٣٢م.
وطالب العين توفيق السويدي بإنشاء مدرسة خاصة لتعليم اللغات الأجنبية وأشار إلى تأثير اللغات في المعرفة ومن أجل تفوق الطلبة في البعثات، ولأهمية الموضوع جاء تأكيد لجان المجلس في تقاريرها للأعوام (١٩٤٧، ١٩٤٨، ١٩٤٩، ١٩٥٠م) مطالبة بالاهتمام بالبعثات العلمية ودراسة اللغات الأجنبية، في حين رأى العينان مصطفى العمري وعزرا مناحيم دانيال أن تتضمن المناهج تدريس اللغات الأجنبية.
كما أولى الأعيان اهتماما كبيرا بـ (المناهج والامتحانات) فقد دعا الأعيان عبد الغني كبة ومحسن أبو طبيخ وآصف أفندي، إلى وجوب تدريس العقائد الدينية والأصول الفقهية، وإدخال التعليم الديني في مناهج التعليم، لأن اهماله سيؤدي إلى تصدر فريق من أرباب الدعوة المغرضة التعلم وسيبعثون الطائفية من مرقدها، وطالب العين عبد المحسن شلاش أن تكون مناهج التربية مركزة على التوحيد والإيمان، كما دعت لجنة الأمور المالية والاقتصادية في تقريرها لعام ١٩٥١ – ١٩٥٢م، إلى الاهتمام برفع مستوى أخلاق الناشئة والاعتناء بالثقافة الدينية، وحرصوا كذلك على أن يكون في مناهج التعليم مكانا لمناهج التعليم الصناعي والزراعي لتأهيل قسم من أبناء البلاد للأعمال الحرة، وكان ذلك رأي العينان حسن الشبوط وآصف أفندي، ودعا العين ناجي السويدي إلى توجيه الطلبة إلى الأعمال الحرة وأن لا تكون غاية التعليم فتح مجال التوظيف فقط، كما دعت إلى الأمر نفسه لجنة الأمور المالية والاقتصادية في تقريرها لعام ١٩٤٨م، الابتعاد عن روح التوظيف في دواوين الحكومة، ودعا العين مصطفى العمري إلى الاهتمام بدرس المعادن لأنها لم تعط أهمية كافية.

كما طالب الأعيان بوضع مناهج خاصة للبنات بما ينسجم وثقافة البنات وواجباتهن في تربية ابنائهن وتدبير منازلهن لتهيئة البنات الصالحات، وتحدث في هذا الموضوع الأعيان مولود مخلص وعبد المحسن شلاش وعزرا مناحيم دانيال، كما دعا الأعيان إلى وضع المناهج تكون من قبل هيئات خاصة تؤكد المبادئ السامية والأخلاق العالية فقد طلب العين مولود مخلص أن تهدف المناهج إلى تنمية مكارم الأخلاق، وكذلك طلب العين داوود الجلبي أن تكون لجنة تأليف الكتب من داخل العراق، في حين أشار العين عبد المحسن شلاش إلى قطع العلاقة مع المعلمين الأجانب الذين يدرسون النشأ الجديد على أن “الله غير موجود” الأمر الذي سيفسد أخلاق النشأ، وطالب في الوقت نفسه عرض المناهج على مجلس الأمة (الأعيان والنواب)، في حين دعا العين عبد المهدي بضرورة إصلاح مؤسسة المعارف وأن تبتعد المناهج عن الأهواء والنزاعات، أما العينان محمود صبحي الدفتري وعزرا مناحيم دانيال فقد دعيا إلى مراقبة المناهج وسير التدريس، ونجد الاهتمام نفسه في تقارير اللجان للأعوام ١٩٤٧، ١٩٤٨، ١٩٤٩، ١٩٥٠، ١٩٥١، ١٩٥٢، ١٩٥٣، ١٩٥٤، ١٩٥٥م، التي دعت إلى انتهاج وزارة المعارف سياسة ذات لون وطابع خاص، والسعي المستمر لتطوير المناهج وإصلاحها.
وفي مجال تخصيصات المعارف والتعليم فقد طالب الأعيان بزيادتها باستمرار، إذ ألح الأعيان عبد الله النقيب وصالح باش أعيان ومولود مخلص وعزرا مناحيم دانيال وآصف أفندي ومحمود صبحي الدفتري ومحمد رضا الشبيبي وعلي الشرقي وصالح جبر على زيادة مخصصات التعليم باستمرار، وأيدت لجان المجلس مطالبة الأعيان وأكدت على ذلك في تقاريرها للأعوام (١٩٢٨، ١٩٣٧، ١٩٤٨، ١٩٥٣م) بضرورة زيادة مخصصات التعليم باستمرار.

ومن الأمور المهمة التي أولاها الأعيان ضرورة توفير العدد الكافي من المعلمين والاهتمام بالمعلم وإعداده وترقية حالته المعاشية ووضعه المادي والمعنوي، فقد طالب الأعيان مولود مخلص وجلال بابان وعزرا مناحيم دانيال، بتوسيع دور المعلمين وعدم غلقها والاستفادة من الخريجين من المدارس العالية واعطائهم رواتب مجزية كالتي تعطى للأجانب سداً للحاجة.
وأوصت لجنة الأمور المالية والاقتصادية لعام ١٩٣٧م، بالاهتمام بأعداد المعلمين كي لا يكون ناقصا، وأن يكون مناسبا لعدد المدارس، وانتقدت اللجنة نفسها في تقريرها لعام ١٩٤٩م ازدحام الوزارة بالموظفين مع قلة المعلمين وشدة الحاجة إليهم في المدارس، وضرورة فتح دور المعلمين في الألوية وإعادة المعلمين المفصولين إلى خدماتهم.
أما بخصوص الترفيه عن حال المعلم فقد طالب العين مولود مخلص بضرورة الاهتمام بالمعلمين، ولكي يقوم المعلم بواجبه يجب أن يكون حسب قوله “بطنه شبعانة وعينه ملآنه”، وطالب العين عزرا مناحيم دانيال مساواة راتب المعلم وغيره من الخريجين لأن راتبه لا يصل إلى أكثر من (١٨) دينار في حين يصل راتب زميله في وزارة أخرى ضعف ذلك، وطلب من الوزارة ترفيه المعلمين، وأن يكون قانون خدمة خاص للمعارف، ليكون المدرسون موضع غبطة أقرانهم ولا يتركون الوظيفة، كما أكد الأعيان آصف أفندي وعلي جودت الأيوبي وصالح جبر وعبد المهدي وإسماعيل نامق على استحقاق أسرة التعليم كل اعتزاز وتكريم لما تقوم به من واجبات إعداد الشباب إعداداً صحيحاً وأن (نفس المعلم) لا تكون راضية وهي في عوز وحاجة، وطالب العينان مولود مخلص ومصطفى العمري تحديد ساعات التعليم وسنوات خدمة العلم لأن وظيفة التعليم متعبة فلابد من تحديد الخدمة والساعات الأسبوعية.

أما بخصوص السلامة الفكرية والخلقية، فقد أبدى الأعيان جميل المدفعي جلال بابان مولود مخلص وعبد المحسن شلاش، أن تكون مواصفات المعلم مربيا صالحا ومستقيماً وأن يكون من ذوي الخلق السامي.

أما بخصوص الموقف من المعلمين من الناحية السياسية، فقد طلب العين عبد المحسن شلاش، فصل المعلمين الذين يبثون دعايات مضرة والذين يتعذر إصلاحهم، في حين عارض العين (محمد رضا الشبيبي) ذلك وأوضح أن فصل جماعة من المدرسين وعدم السماح باستخدامهم في المدارس الأهلية يشكل حيفا بالنسبة لهم.

ومما تقدم نخلص إلى أن الأعيان يجمعون على أهمية تطوير التعليم والمعلم، وإيلاء هذا الموضوع الحيوي أهمية خاصة وضرورة نشر الثقافة في الريف والتوسع في التعليم العالي وتحسين وضع المعلم وتعليم الاناث.

وسنتحدث في الحلقة القادمة عن موقف مجلس الأعيان من الأوضاع الاقتصادية.

المصادر المعتمدة :
١ – محاضر جلسات مجلس الأعيان العراقي (١٩٢٥ – ١٩٥٨م، (مطبعة الحكومة – بغداد).
٢ – عبد الرزاق الحسني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء الأول، ط٧ (بغداد، ١٩٨٨).

مقال خاص براسام