المقدمة:
تدخل القضية الفلسطينية بمنعطف كبير، ومرحلة مفصلية في تاريخ الصراع العربي الفلسطيني مع الكيان الصهيوني الذي توهم بأن كل شيء قد أنتهى، بعد أن خاض العديد من الحروب في عام1948، و1967، و1973، والتي حقق فيها انتصار كبير على القوات العربية على جميع الجبهات، بل وزاد على ذلك أنه سيطر على الكثير من الاراضي التي تعود لدول المواجهة أو ما يطلق عليه دول الطوق، والتي وقعت مع اسرائيل اتفاقيات سلام دائمة مقابل استرداد الأراضي التي سيطر عليها الكيان الصهيوني في الحروب السابقة، ومنها مصر التي وقعت عام1979اتفاقية سلام عرفت باتفاقية “كامب ديفيد”، ثم وقعت “الاردن” اتفاقية التي عرفت باتفاقية “وادي عربة”عام1994أستناداً الى قراري مجلس الأمن الرقم(242)و(338)، وتحولت مطالب اسرائيل من الارض مقابل الاعتراف، الى الارض مقابل السلام، ثم جاءت اتفاقية “اسلو” عام1993، و”أسلو الثانية” عام1995، بين السطلة الفلسطينية متمثلة بمنظمة التحرير وبين اسرائيل لترتيب عملية السلام بإدارة ذاتية “للضفة الغربية” و”غزة”، مع بقاء الكثير من النقاط العالقة بينهما مثل الحدود، والمستوطنات، والقدس، وسيطرة القوات الاسرائيلية على المناطق التي أصبحت تحت بموجب هذه الاتفاقية تحت سيطرة السلطة الفلسطينية، وبدأت إسرائيل تتكلم اليوم بأنها انتصرت حرباً وسلماً، بل أنها زادت على ذلك أنها انقلبت على هذه الاتفاقية، وبدا موضوع الدوليتين يتلاشى مع أحكام السيطرة الاسرائيلية على الداخل الفلسطيني، والضعف العربي، والدعم الأمريكي لإسرائيل على جميع المستويات.
أسباب التصعيد على الأراضي الفلسطينية:
من الأمور التي يجب الإشارة أليها هو إن الولايات المتحدة الأمريكية روجت فيما مضى الى مشروعها في المنطقة الذي أطلقت عليه تسمية مشروع أو “صفقة القرن”، بعد أن تنصلت عن التزاماتها السابقة بحل القضية الفلسطينية(حل الدولتين)، ثم جاءت مرحلة التطبيع مع اسرائيل حيث تداعت بعض الدول العربية للتطبيع مع الكيان الصهيوني، ومنها “دولة الامارات العربية المتحدة” و”البحرين”، واليوم يدور الكلام حول هرولة دول أخرى مثل “السودان” و”المغرب”، وكأن كل شيء قد أنتهى، وإن القضية الفلسطينية أصبحت من الماضي، وبدا الاحتلال الاسرائيلي يتكلم عن اخلاء “حي الشيخ جراح” من سكانه الفلسطينيين، وبدأ الأمر يتفاقم منذ بداية شهر رمضان، حيث شهدت منطقة “باب العمود” و “حي الشيخ جراح” و”محيط المسجد الأقصى” اعتداءات ومضايقات تقوم بها الشرطة الاسرائيلية، ومستوطنون متشددون ضد الفلسطينيين في هذه المناطق، في تصعيد مقصود للمساس بالمقدسات الاسلامية ومنها “المسجد الأقصى” أولى القبلتين، ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم، حيث بدأ الاحتلال باقتحام ساحات المسجد الاقصى، وبدأت قوات الاحتلال تمنع المصليين من الوصول الى المسجد لأداء الصلاة، وتم اعتقال الكثير من الفلسطينيين، وبهذا تكون اسرائيل هي من أشعلت فتيل هذه الحرب، وهذه المواجهة التي جاءت كنتيجة لممارسات طويلة من الظلم، والممارسات التي تنتهك حقوق الانسان بتميز عنصري واضح، وقد زادت عليها من خلال اجبار السكان العرب على مغادرة منازلهم، في جريمة واضحة وانتهاك لحقوق المقدسيين، واستفزازها لمشاعر المسلمين في شهر رمضان الكريم، لينفجر الوضع بشكل كبير وغير مسبوق، بحث أصبح خارج عن السيطرة داخلياً وخارجياً.
أخفاق إسرائيل في تقدير موقف عسكري واستخباري لقوة المقاومة:
لقد أخطات وأخفقت القيادات الاسرائيلية على مختلف المستويات السياسية والعسكرية والامنية في قياس أو تقدير التداعيات المحتملة لردة الفعل الفلسطينية حول المساس بالمقدسات الاسلامية، ومنها المسجد الأقصى وبيت المقدس، حيث تفاجأ الجميع داخلياً وخارجياً بقوة ردة الفعل التي تجاوزت كل التوقعات، الأمر الذي قلب الحسابات رأساً على عقب، بحيث اسقطت هذه المواجهة جميع اتفاقات السلام السابقة، وارجعت القضية الفلسطينية الى المربع الأول، بعد أن أنتفض الشعب الفلسطيني في الداخل والخارج في تلاحم مصيري غير مسبوق بين غزة، والضفة الغربية، وعرب الخط الأخضر(عرب1948)، كما انتفض الشعب العربي من أقصاه الى أقصاه لدعم الشعب الفلسطيني، وها هو الشعب الأردني يجتاح الحدود لدعم الشعب العربي الفلسطيني، وكذلك الشعب اللبناني الذي أجتاز الحدود نحو اسرائيل، حيث بينت الأحداث بأن الشعوب العربية حية، ولن تقبل بسياسية التطبيع التي تجري مع الأنظمة العربية الحاكمة.
لقد اسقطت هذه المواجهة نظرية الأمن الإسرائيلي، والجيش الأول في المنطقة، وأبطلت مساعي التطبيع الذي تقوم به العديد من الدول العربية مع اسرائيل، وأثبتت بأن اسرائيل أخطأت في تقدير قوة المقاومة الفلسطينية، وتنامي قدراتها العسكرية، الأمر الذي قلب الموازين العسكرية وغير قواعد الاشتباك المتعارف عليها، كما أنها اسقطت المقولة التي تتكلم عن الصواريخ العبثية التي روجت لها الكثير من الجهات التي تقف بالضد من المواجهة العسكرية واسترداد الحقوق بالقوة، وها هي صواريخ المقاومة تدك تل ابيب والعديد من المدن الاخرى في العمق الفلسطيني، وإن هذه المواجهة ستجعل إسرائيل تنكفئ الى الداخل لترتيب الجبهة الداخلية، وستجعلها تعيد حساباتها على جميع المستويات وخاصة عسكرياً واستخبارياً.
القدرات العسكرية للمقاومة الفلسطينية تفرض موقف عسكري جديد:
لقد أطلقت فصائل المقاومة الفلسطينية على هذه العمليات العسكرية الجارية أسم “سيف القدس”، وإن ما يجري هو لدعم المقدسيين المرابطين في بيت المقدس، وإن المقاومة لن تسمح بالمساس بالمقدسات الاسلامية، وإن القدس ستبقى محور الصراع مع اسرائيل، وإن بيت المقدس، وحي الشيخ جراح، وباب العمود، من الخطوط الحمراء التي لن تسمح المقاومة لأحد بالتجاوز عليها، حيث أثبتت المواجهة العسكرية القائمة تنامي الامكانيات والقدرات العسكرية لفصائل المقاومة الفلسطينية، بحيث استطاعت رغم الحصار المفروض عليها أن تغير المعادلة القائمة بعد أن:
امتلكت السلاح النوعي لتهديد العدو في عقر داره، وهو السلاح الصاروخي بمديات متعددة بحيث أصبحت قادرة على الوصول لجميع المدن الاسرائيلية، وها هي تدك المدن الاسرائيلية من العاصمة “تل ابيب” و”مدينة عسقلان” و”النقب” و”اللد” و”أسدود” و”بئر السبع” و”نتفوت “، حيث تعرضت لهجمات صاروخية غير مسبوقة، وبمديات تصل الى أبعد المدن في الداخل الفلسطيني، وباستمرارية تختلف عن الحروب السابقة في عام2008، وعام2009، وكذلك عام2012، وعام2014، التي استمرت خمسين يوماً، واطلقت فيها المقاومة ما يقارب من(4500)صاروخ، وفي عام 2019، حيث تم اطلاق(1700)صاروخ، بينما في هذه المواجهة تم اطلاق أكثر (3000)صاروخ خلال ستة أيام من المواجهات الشرسة وبمديات مختلفة.
نجاح فصائل المقاومة في إدخال سلاح جديد ونوعي وهو الطائرات المسيرة المفخخة، والتي استخدمت في هذه المواجهة لقصف أهداف عسكرية مهمة في الداخل الاسرائيلي.
لقد أجبرت صواريخ المقاومة الفلسطينية القيادة الاسرائيلية على وقف العمل “بمطار بن غوريوين”، وتحويل الرحلات الجوية الى “مطار رامون”، بعد أن دكته صواريخ المقاومة، وقد ألغت الكثير من شركات الطيران المدنية الاوروبية والعالمية رحلاتها التي كانت مقررة الى اسرائيل، مما تسبب بخسارة كبيرة لشركات السياحة.
لقد نجحت المقاومة الفلسطينية في اختراق منظومة القبة الحديدية، وتجاوز منظومات المراقبة، والرصد الالكترونية، والاقمار الاصطناعية، وهي مستمرة بأطلاق الصواريخ على المدن الاسرائيلية وبقوة.
لقد طورت المقاومة قدراتها الصاروخية بما يهد الأمن القومي الاسرائيلي، بعد أم امتلكت العديد الاسلحة التي أعلنت عنها المقاومة وهي كما يلي:
أولا: صاروخ قسام بأربعة أنواع هي (1-2-3-4)وتبلغ مدياتها من3كم الى 15كم.
ثانيا: صاروخ قدس بثلاثة أنواع هي(1-2-3) ويصل مداها الى 18كم.
ثالثا: صاروخ الأقصى بنوعين(1-2) ويصل مداها الى4كم.
رابعا: صاروخ ناصر بأربعة أنواع هي(1-2-3-4)ويصل مداها الى15كم.
خامسا: صاروخ البنا ضد الدروع بنوعين هما(1-2)وصاروخ الياسين كذلك.
سادسا: صاروخ كراد يصل مداه الى16كم.
سابعا: صاروخ نوع(S) ومداه55كم.
ثامنا: صاروخ نوع(M) ومداه من75الى85كم وقد استخدم لضرب مطار بن غوريون.
تاسعا: صاروخ نوع(J) ومداه80كم.
عاشرا: صاروخ نوع(SH) ومداه85كم.
حادي عشر: صاروخ نوع(A) ومداه120كم.(بأسم القائد يحيى عياش).
ثاني عشر: صاروخ نوع(ش) ومداه 250كم. (بأسم القائد يحيى عياش).
ثالث عشر: طائرات مسيرة نوع شهاب.
رابع عشرة: صواريخ كورنيت.
خامس عشر: صاروخ بدر3.
سادس عشر: هناك الكثير من الاسلحة الاخرى التي لم يتم الإعلان عنها علماً إن الاجتماع الأمني الذي أجرته القيادة الاسرائيلية جاء فيه أن المقاومة تمتلك غواصات بحرية صغيرة.
تقييم العملية العسكرية الاسرائيلية وتداعياتها:
لقد اطلقت اسرائيل على العملية العسكرية الجارية في فلسطين أسم “حارس الأسور: وهو أسم لعملية دفاعية وليس لعملية تعرضية هجومية، لذا فأنا أستبعد حسب تقديري أي عملية عسكرية برية واسعة ،رغم الاختلال الكبير في ميزان القوى، والذي يميل الى اسرائيل بسبب القدرات العسكرية والتكنلوجية المتطورات التي تمتلكها القوات الإسرائيلية، وخاصة الجوية منها، ولكني استبعد هذه العملية لأسباب متعددة منها ما يلي:
انهيار الجبهة الداخلية الاسرائيلية، بعد أن انتفض الشعب الفلسطيني في جميع المدن في الداخل الفلسطيني، الضفة الغربية، وغزة، بما فيها المدن التي يسيطر عليها الاحتلال داخل الخط الأخضر عرب1948، وهناك مواجهات كبيرة تجري بين الفلسطينيين والقوات الاسرائيلية في جميع هذه المدن، وأصبحت هذه المدن أشد على القيادة الاسرائيلية من الصواريخ التي تطلقها المقاومة و تدك المدن الاسرائيلية.
إن استدعاء القوات الاحتياطية لدعم المجهود الحربي يعطي دلالة واضحة على المأزق الذي تمر بها القيادة الاسرائيلية، حيث وصل عدد القوات التي تم استدعائها الى(16)ألف جندي اسرائيلي، وقد تم استخدامهم للسيطرة على الجبهة الداخلية، وتعزيز القوات الاسرائيلية المواجهة لمدينة غزة.
في أي عملية عسكرية برية واسعة وشاملة يجب أن تكون هناك غايات ومهام قتالية محددة لهذه العملية العسكرية، مثل السيطرة على مدينة غزة، أو تدمير هدف معين، أو الوصول الى نقطة محددة، وهذه المهمة لن تكون نزهه في هذه المواجهة كما يضن البعض، وسيكون لها ثمن كبير وخسائر باهظة لن تتحملها “حكومة نتنياهو”، علماً بأن القيادة العسكرية الاسرائيلية غير متأكدة من أنجاز مثل هذه المهمة، بالإضافة الى وجود أمكانيات عسكرية كبيرة قد تتفاجأ بها القوات الاسرائيلية، لذا لن تقدم على تنفيذ مثل هذه العملية التي تفتقر الى الغطاء السياسي اللازم، كما إنها تفتقر الى الروح المعنوية، التي لن تسمح بأجراء مثل هذه العمليات، خصوصاً بعد أن نقلت مواقع التواصل الاجتماعي صور صادمة للجندي الاسرائيلي وهو يحاول حماية نفسه، فكيف له أن يقوم بحماية دولته؟، فضلاً عن قيامه بالهجوم على غزة.
القيام بعملية محدودة: هناك من يقول يمكن أن تكون هناك عملية برية محدودة، وهنا أسال هل ستقضي هذه العملية على فصائل المقاومة الفلسطينية؟، أو هل ستوقف أطلاق الصواريخ من غزة؟ الجواب: لا، أذن لن تحقق هذه العملية أهدافها!، لذا ستكون عملية عبثية لا قيمة لها في الميزان العسكري.
فشل القبة الحديدية في الحد من الهجمات الصاروخية لفصائل المقاومة الفلسطينية رغم الترويج الكبير لهذه المنظومة، التي قالوا بأن بإمكانها أسقاط أكثر(90%)من الصواريخ التي تطلق باتجاه اسرائيل، ولكن المواجهة الحالية أسقطت هذه المقولة واسقطت معها نظرية أغلاق الفضاء الاسرائيلي أمام صواريخ المقاومة، وأصبح الكلام اليوم عن نقاط ضعف في هذه المنظومة وأنها فعالة بنسبة(20 الى30%)تجاه الصواريخ التي يتم اطلاقها من مدينة غزة
أن التكلفة الاقتصادية كبيرة جداً، حيث تقدر تكلفة الصاروخ الواحد للقبة الحديدية من(63الى 100ألف دولار)لمواجهة صاروخ بسيط تطلقه المقاومة الفلسطينية تقدر تكلفته بـ(300دولار) فقط، علماً بأن كل صاروخ يحتاج الى صاروخين لأسقاطه، وهذا يعكس الفشل الكبير في أدارة الصراع القائم، خصوصاً وإن المقاومة استخدمت اسلوب أطلاق زخات من الصواريخ في أن واحد مما جعل المنظومة تفشل في أسقاطها، وكذلك ضرب أهداف متباعدة في مدن متعددة لإجبارها على نشر هذه المنظومة على مساحات واسعة مما يضعفها في التصدي لصواريخ المقاومة، وهذا جاء بعد أن درست قيادات المقاومة بشكل دقيق نقاط الضعف والقوة لهذه المنظومة، وكيفية التعامل معها.
لقد أجبرت صواريخ المقاومة الفلسطينية القيادة الاسرائيلية على أدخال سكان العاصمة “تل أبيب” الى الملاجئ تحت الأرض الى أشعار أخر، في مواجهة تعتبر الاشد ضراوة منذ سنوات، وهو دليل كبير على المأزق الكبير الذي تمر به القيادة الاسرائيلية، التي فشلت في حماية كيانها الغاصب، حيث تحول الوضع في الداخل الاسرائيلي الى فوضى، وارباك واضح وكبير.

