لقي ما لا يقل عن 82 شخًصا حتفهم، خلال الحريق المروع الذي اجتاح وحدة العناية المركزة الخاصة بمرضى فيروس كورونا COVID-19، في أحد المستشفيات الرئيسية في العاصمة العراقية بغداد خلال عطلة نهاية الأسبوع في الشهر الماضي. وأصدر رئيس الوزراء بعده قرارًا، يقضي بإيقاف وزير الصحة عقب الحادث.
التقارير أفادت أن الحريق اندلع بسبب انفجار أنابيب غاز الأوكسجين في مستشفى ابن الخطيب في بغداد. وحسب تقارير إعلامية، فإن المستشفى لا يتوفر فيها نظام مكافحة الحرائق، كما أن السقف الثانوي بالقسم ساهم في نشر ألسنة اللهب إلى منتجات شديدة الاشتعال.
المأساة التي جعلتنا نشاهد مرضى فيروس كورونا يخلعون أجهزة تنفسهم محاولين الفرار من النيران المشتعلة، عكست الكثير عن النظام الصحي المهترئ في العراق.
الفساد، والعقوبات، والصراع المستمر لسنوات طويلة، وهجرة العقول العراقية، كلها عوامل ساهمت في استفحال المشاكل داخل جميع قطاعات البلاد، بما فيها الصحة.
عقود من الأزمات لنظام الرعاية الصحية
المأساة الأخيرة في هذا المستشفى العراقي، ليست مفاجئة على الإطلاق إذا تتبعنا تاريخ سياسة البلاد على مدى العقود الأخيرة.
فمنذ بداية الحكم عام 1968، مرورًا ببداية حكم صدام حسين عام 1979 إلى ما بعد حرب الخليج عام 1991 والعقوبات التي فرضت على العراق طيلة هذه الفترة، شلت البلاد والقطاع الصحي على وجه الخصوص. حتى أصبح من الصعب الحصول على الأدوية والمعدات أو تدريب الطواقم الطبية.
وإذا كانت الأمور بهذا السوء خلال تلك الفترة، فقد تفاقم الأمر بعد غزو العراق عام 2003، فالوضع بات أسوأ في خضم موجات العنف والصراعات السياسية التي لايزال العراق يدفع ثمنها حتى يومنا هذا.
الأوضاع أثرت بشكل كبير على العقول الطبية أيضًا، حيث اضطر عدد كبير من الأطباء ذوي الكفاءة العالية إلى الهجرة نحو بلدان أخرى، بحثًا عن وضع مالي وظروف عمل أفضل.
وزاد تمزق العراق مع دخول تنظيم داعش إلى البلاد عام 2014، حيث سيطر على أكثر من ربع البلاد لمدة من الزمن.
ثم بعد كل هذه الأزمات، أتى فيروس كورونا ( COVID-19) ليعصف بالبلد بشدة، ورغم النتائج المتباينة للقاح، إلا أن المستشفيات عانت بالفعل من أزمات صحية، لم يتحملها النظام الصحي منذ اليوم الأول.
الفساد ينخر كل مجالات الحياة في العراق، بما فيها الرعاية الصحية
رغم كل هذه العوامل، لعل السبب الرئيسي لمأساة الحريق الأخيرة، هو انتشار الفساد، فبسببه أفرغت خزائن الدولة، وانعدمت الاستثمارات في بنى تحتية هامة، كالمستشفيات.
يعتبر العراق أحد أكثر دول العالم حيازة على الموارد، باعتباره بلدًا ينتج مليارات الدولارات من النفط كل سنة، لكن الكثير من هذه الثروات نُهبت من المال العام، خاصة منذ عام 2003.
أما الحكومات، فقد كانت أضعف من أن تسيطر على الفساد، حيث أثر الأمر على الشعب العراقي، الذي بات يعاني في كل القطاعات: من التعليم إلى توفير الكهرباء إلى الخدمات الصحية وانعدام المياه الصالحة للشرب.
ورغم كل المشاكل الصحية، فلا يبدو أن حل معضلة الصحة يلاقي أولوية تذكر، فالمستشفيات لا تملك الجاهزية لمواجهة أي حالات طوارئ، والحديث هنا ليس عن مشاكل كبيرة مثل انتشار وباء كورونا مثلًا، بل لما هو أقل من ذلك، كتدريبات على مكافحة الحرائق، أو كيفية التعامل معها، صحيح لن نقول إن حالة واحدة من الفساد أدت إلى مثل هذا الحريق الهائل، ولكنه -الحريق- سبب كاف لرؤية مدى انتشار الفساد داخل البلاد.
ردود فعل حكومية محدودة
بعد الحادثة، قرر رئيس الوزراء مصطفى الكاظمي إيقاف وزير الصحة حسن التميمي، ومحافظ بغداد محمد جابر، وأمر بفتح تحقيق في الأمر، لكشف شبهات الفساد أو سوء التدبير.
قرار أتى كرد فعل على الاحتجاج الشعبي على الحريق، إلا أن الكاظمي لا يعمل على حل المشاكل أصلا، فلا يمكنك الاستمرار في استبدال الأشخاص فقط، حيث أصدر قرارات سابقة بإيقاف وزراء آخرين في قضايا أخرى، ولكن المشاكل ظلت كما هي.
بنجامين إيسكهان / ذا كونفيرسايشن The Conversation
ترجمة وتحرير: راسام

