المقدمة :
قبل البدء في الحديث عن دور الجيش العراقي في حروب فلسطين، يجب علينا أن نجيب عن تساءل مهم وهو من هذا الجيش؟، ومتى تأسس؟، وما هي قواته؟، ومن هم قادته، وما هو دوره التاريخي في الصراع العربي- الاسرائيلي؟، علماً بأن قطعات الجيش العراقي كانت متهيئة دوما للمشاركة الفعالة في هذه الحروب كدولة مواجهة وليست كدولة ساندة لدول الطوق، بحيث كانت مشاركاته في الحروب تتجاوز حجم المشاركة لدول الطوق، وكانت قياداته وضباطه تعمل للتهيؤ لأي حرب مستقبلية وخاصة على الجبهة الفلسطينية، من خلال تركيزها في التمارين التعبوية والدراسات الاكاديمية بكافة المستويات العملياتية والسوقية العليا على المواجهة المباشرة مع العدو الصهيوني، الأمر الذي تطلب الحصول على الكثير من الاسلحة والمعدات العسكرية اللازمة لتطوير الجيش العراقي، الذي وقف سداً منيعاً أمام مخططات الاعداء حتى عام2003، الأمر الذي يفسر لنا حله واستهدافه من قبل قوات الاحتلال الأمريكي-البريطاني بعد عام 2003.

نبذة تاريخية عن تأسيس الجيش العراقي:
بتاريخ 2 تشرين الثاني 1920 تم تشكيل الوزارة الأولى في العراق، والتي سميت بالوزارة النقيبية برئاسة “عبد الرحمن النقيب”(نقيب أشراف بغداد)، وفي23أب1921تم تتويج الملك فصيل ملكاً على العراق، وقدم “عبدالرحمن النقيب” استقالة حكومته، ثم أعيد تكليفه بتشكيل الوزارة في10أيلول1921، وهي الوزارة الثانية حيث تم تعيين “الفريق جعفر العسكري” وزيراً للدفاع الوطني في هذه الحكومة(1)، علماً أنه تم تعينه في الحكومة الاولى بنفس المنصب، حيث أخذ على عاتقه تأسيس الجيش العراقي ويعتبر” جعفر العسكري” من الضباط الذين كانوا يعملون مع الجيش العثماني، والذي أعتمد في تشكيل نواة الجيش العراقي على الضباط العرب والعراقيين الذين كانوا يعملون في الجيش العثماني، وعمل الكثير منهم في الحركة القومية العربية وحركات التحرر.

في6كانون الثاني عام1921كانت النواة الأولى لتشكيل الجيش العراقي والذي تألف من عشرة ضباط عراقيين ممن عملوا في صفوف الثورة العربية وفي21حزيران عام1921بدأ بتسجيل المتطوعين، وتم تشكيل أول فوج بأسم “فوج موسى الكاظم”، ثم شكل “الفوج الثاني” عام1922، حيث بلغت قوة الجيش العراقي آنذاك أربعة ألاف مقاتل، ثم أخذ الجيش بالتوسع وأصبحت قواته عام1924مؤلفةً من الحرس الملكي، وستة أفواج مشاة، وثلاث بطاريات مدفعية جبلية، وبطارية ميدان، وثلاث سرايا ألية، وسرية حرس حدود، وفي عام1927بدأ الاستعداد لتشكيل “قوة جوية عراقية” وتم أرسال خمسة طلاب للدراسة في كلية القوة الجوية البريطانية كنواة لهذه القوة، وفي عام1931قدمت أول خمس طائرات الى بغداد بطيارين عراقيين، وفي تشرين الثاني من نفس العام قامت هذه الطائرات بأول مناورة عسكرية في منطقة” خان نقين” وفي 20أب1935وافق مجلس الوزراء على تأليف نواة لأسطول نهري عراقي، وفي عام1937أصبح هذا الاسطول مكوناً من أربعة سفن نهرية مزودة بمدافع ورشاشات(2).

دعم الضباط العراقيين للقضية الفلسطينية:
لقد انبرى الكثير من الضباط العراقيين مثل العقيد الركن “صلاح الدين الصباغ” و”فهمي سعيد” وغيرهم للعمل الثوري، وأخذوا على عاتقهم تدريب الشباب العربي القومي، واستثمر هؤلاء الضباط مناصبهم لتقديم المعونات العسكرية من اسلحة و اعتدة الى الثوار وعرب فلسطين، حيث يذكر العقيد “الركن صلاح الدين الصباغ” في مذكرته التي أطلق عليها أسم “فرسان العروبة”(3)قائلاً: “لقد كنت أنا وأخوتي من الضباط نمدهم سراً بما يتيسر لنا من سلاح وعتاد، وكنت أسلم الاسلحة والاعتدة للسيد “عزالدين الشوا”(فلسطيني الأصل)، وقد ازادت هذه الامدادات بعلم وزير الدفاع “طه الهاشمي”، ورئيس اركان الجيش “حسين فوزي”، ومعاون رئيس اركان الجيش، ومدير الحركات، ويقول أن قمت بتجهيز “فوزي القاوقجي” بألف بندقية، ومائة ألف إطلاقة، وألف حقيبة، وتجهيزات أخرى”(4)، علماً بأن هذه المساعدات كانت قليلة وغير مؤثرة قياساً بما يتدفق الأموال والمهاجرين الصهاينة الى فلسطين، بما فيها استمرار شرائهم للأراضي، وبنائهم للمستعمرات وتحصينها، وإقامة المشاريع الصناعية والعمرانية، بالإضافة الى توسعهم في تشكيل جيش نظامي بالاستفادة من المنظمات اليهودية الارهابية.

صدور قرار التقسيم وأنهاء الانتداب البريطاني:
في 29 تشرين الثاني 1947 صدر قرار تقسيم فلسطين بين العرب واليهود من هيئة الأمم، الأمر الذي قوبل باستنكار واسع في كل أرجاء الوطن العربي، وخرجت مظاهرات تندد بموقف الدول الكبرى، وتطالب حكومتها للقيام بواجبها القومي والعربي والاسلامي لإنقاذ فلسطين، وأزداد الضغط الشعبي مع استمرار الشارع المنتفض، والذي تزامن مع صدور قرار بريطاني بإنهاء الانتداب لفلسطين في 15 أيار عام 1948، مما دعا الحكومة العراقية للتهيؤ الى ارسال قوات من الجيش العراقي الى الأردن ثم الى فلسطين، وقد قدرت القوات التي ينوي العراق إرسالها بخمسة ألف مقاتل، لاعتقاد الحكومات بأن الغرض من ارسال القوات هو ليس للقتال بل هي للردع وتخويف إسرائيل، وإن على الحكومات أن تركز على تقديم الدعم لجيش “الانقاذ” أو “التحرير الفلسطيني” وفي حال عجزه عن مواجهة الصهاينة واستعادة الأراضي فعند ذلك يتم تدخل الجيوش العربية.

الموقف العسكري العربي عشية حرب عام 1948:
في عام1948كانت الكثير من الدول العربية غير مستقلة وضعيفة وخاضعة للانتداب البريطاني، والفرنسي، فالعراق، وفلسطين، والأردن، تحت الانتداب البريطاني، بينما كانت مصر، ولبنان، وسوريا، تحت الانتداب الفرنسي(5)، وكانت الجيوش العربية في بداية تشكليها، وتفتقر الى القوة، والتنظيم، والتسليح، والتدريب، ويمكن وصفها بأنها ضعيفة وغير قادرة على المواجهة، وقراراها يخضع للحكومات التي نصبها الانتداب البريطاني- الفرنسي، فالجيش المصري مثلاً كان فاقداً للخبرة العسكرية ولم يخوض أية حرب خلال السنوات الأخيرة، بينما كان جيش المملكة الأردنية الهاشمية يخضع لسيطرة الضباط البريطانيين، لكون أغلبية ضباطه من الجيش البريطاني، وكان القائد العام للجيش الأردني “الفريق غلوب باشا” بريطاني الجنسية، وكان ينفذ أوامر حكومته البريطانية، رغم امتلاكه لأسلحة حديثة، وجنود أردنيين مدربين، بينما كانت السعودية على ارتباط كامل مع الشركات الأمريكية، وغير متحمسة للمشاركة في أي حرب في المنطقة، ولكن الضغط الشعبي أجبر الحكومة السعودية على المشاركة في فلسطين بقوات قليلة.
أما اليمن فقد كان بلداً فقيراً وبعيداً عن ساحة الأحداث ويصعب عليه التمويل والإمداد، لذا فقد شارك بمساهمة مالية لشراء الأسلحة للمجاهدين العرب، بينما شارك الجيش السوري باللواء الأول الذي كان الأفضل تدريباً وتسليحاً من ألويته الثلاثة مع إمكانيات مالية محدودة، أما لبنان قد شاركت بمليون ليرة لبنانية في كانون الأول عام1947من أجل الحرب في فلسطين، بعد أن أعلن الإضراب العام تأييداً للقضية الفلسطينية ورفضاَ للدولة اليهودية المزمع أقامتها، وقد صرح رئيس أركان حرب الجيش اللبناني عن معارضته للهجوم في فلسطين وإن على لبنان أن يخوض حرباً نظامية دفاعاً عن حدوده، أما العراق فقد كان من أكثر الدول العربية مشاركةً لدعم القضية الفلسطينية، وكان جيشه نظامي وبصورة جيدة من الناحية التنظيمية والتسليحية، ولكن الحكومات كانت مترددة في هذه المشاركة، كما أنها لا تريد استنزاف الجيش العراقي بمعارك خارج حدوده، وليست دفاعاً عن الملكية في العراق.

التردد العربي من الحرب في فلسطين:
لقد ظل الموقف العربي متردداً و مائعاً رغم الخسائر التي مني بها جيش التحرير الفلسطيني، الأمر الذي تطلب موقفاً عربياً حازماً لوقف الخطر الصهيوني باتخاذ إجراءات فعالة، خصوصاً مع اقتراب الانسحاب البريطاني من فلسطين في 15 أيار 1948، ورغم هذه الضغوطات لم تتوصل جامعة العربية التي كانت مكونة من سبع دول هي مصر، وسورية، ولبنان، والعراق، والأردن، والسعودية، واليمن، الى قرار مشترك يتضمن قيام الجيوش العربية بصد العدوان الصهيوني عن فلسطين وشعبها، وكانت فحوى الاشاعات تدور حول قيام الحكومات العربية المحيطة بفلسطين بتحشيد جيوشها على الحدود، تعزيزاً للقوات الفلسطينية والمتطوعين من البلدان العربية التي وصفت بأنها يعتمد عليها وأنها قادرة على مقارعة الصهاينة، وأسند لهم واجب المنازلة في الداخل الفلسطيني، وتبنت الجامعة العربية مهمة تجهيز وإدامة هذه القوات التي أطلق عليها “جيش الانقاذ”، وإن هذه الجيوش العربية لن تتدخل إلا اذا عجزت القوات الفلسطينية والمتطوعين العرب عن مقارعة الصهاينة، وبقي الموقف على ما هو عليه حتى منتصف شهر نيسان عام 1948.

انسحاب بريطاني من فلسطين قبل الموعد المقرر:
لقد أعلنت بريطانيا بأنها ستنسحب من فلسطين في 15 أيار عام 1948 حيث ينتهي الانتداب البريطاني على فلسطين، وبهذا تكون بريطانيا مسؤولة عن حفظ النظام والأمن والاستقرار حتى ذلك التاريخ، ولكن الذي جرى هو أنهم انسحبوا فجأة من المدن الفلسطينية وقبل الموعد المحدد، الأمر الذي مكن الصهاينة من الاستيلاء على الكثير من المناطق وتهجير أهلها بالقوة، وقد جرى هذا بالتنسيق مع القوات البريطانية التي سلمت المدن للمنظمات الإرهابية اليهودية، بحيث كانوا يتحركون بخطة مدروسة ومدبرة للسيطرة على المناطق والمدن، وكان شعارهم إلقاء الرعب في نفوس العرب، ليوهنوا عزيمتهم ويكسروا مقاومتهم و يجبروهم على ترك مدنهم، كما في حدث في مدينة القسطل، ودير ياسين، وطبرية، وحيفا، وصفد، ويافا، وبيسان، حيث يقول المارشال “منتغمري رئيس أركان الجيش البريطاني” في مذكراته قائلاً:” بأنه زار فلسطين وكانت الحالة أسوأ ما يمكن من الاضطراب والارهاب بسبب المنظمات الارهابية اليهودية وهي منظمة أرغون ومنظمة شتيرن” مما يؤكد التواطؤ البريطاني مع الصهاينة للسيطرة على المدن.

اجتماع القيادات العسكرية لتقدير الموقف:
في30نيسان 1948تم عقد اجتماع في “قصر رغدان” في الأردن، وطلب من القيادات العسكرية المجتمعة التي تضم كلاً من العراق، والأردن، وسوريا، ولبنان، ومصر، للمذاكرة وتقدير الموقف لغرض معرفة حجم القوات المطلوبة، وتثبيت القوات المتيسرة من الجيوش العربية، واستمرت الاجتماعات الى اليوم التالي لتخرج بنتائج غير مطمئنة، وظهر بأن القوات الجاهزة للعمل من الجيوش العربية يوم15أيار هي أقل من فرقتين عسكرية، مع افتراض اشتراك جميع قوات الجيش الأردني بالقتال، كما ذكرها ممثلو الجيوش، وهذه القوات لا تكفي للقيام بالواجب المطلوب، علماً بأن القادة السياسيين استكثروا هذه القوات، ولم ترق لهم النتائج التي تم توصل اليها من قبل القادة العسكريين، وقال بعضهم بأن العسكريين يضخمون من الأوضاع ويعطون أهمية كبيرة ومبالغ فيها حول القوات الصهيونية ويبالغون في تقدير القوات المطلوبة، وقد بين القادة الموقف من وجهة نظر عسكرية تتطلب وجود قوات كبيرة لتحقيق نتائج إيجابية ومرضية، لأن العدو يزداد قوة والوقت، ليس بصالح العرب الذين توصلوا الى أنهم بحاجة الى قوات عسكرية مؤلفة من:
• خمسة الى ستة فرق عسكرية متكاملة.
• قوية جوية لا يقل عدد أسرابها المقاتلة والقاصفة عن هذا العدد.

فكرة القيادات العربية للعمليات العسكرية والتعويل على هيئة الأمم:
إن فكرة العمليات تعطي ملامح واضحة عن المعركة المحتملة في أي حرب قادمة، ودائماً ما يأخذ القادة العسكريين في تقدير الموقف أسوء الاحتمالات التي يمكن أن تتعرض له القوات أثناء المعركة، ويقول اللواء الركن “محمود شيت خطاب”(6) قائلاً: “بأن القادة العرب قبل المعركة يستهينون بعدوهم حتى أذا خسروها برروا ذلك بقوة عدوهم” علماً بأن القادة العرب كانت رؤيتهم للمعركة بأن تباشر قوات الجيوش العربية بالقتال حسب القوات المتيسرة، وتستمر في ذلك على أن يتم زيادتها تدرجياً بإحضار قوات أخرى إذا وجب الأمر، علماً إن الرأي السائد والمدعوم من قبل الحكومات العربية هو تزويد أهالي فلسطين بالسلاح والعتاد وبكل ما يحتاجونه لمقاتلة الصهاينة، يساندهم جيش الانقاذ الذي يتألف من الفلسطينيين والمتطوعين العرب، والذي يشكل قوة ضاربة فيها شيء من التنظيم، على أن تتحشد الجيوش المتاخمة لفلسطين في داخل أراضيها بالقرب من الحدود وتكون متهيئة للعمل والاشتراك الفعلي بالقتال، أذا فشل جيش التحرير في استعادة الأراضي التي سيطر عليها الصهاينة وعندما تتطلب الحاجة، وقد صرح أحد القادة السياسيين بأن الواجب بعد15أيار 1948هو الاشتراك بالقتال لبضعة أيام، ثم تتدخل الأمم المتحدة لحل الموضوع سياسياً، وهكذا تم تعليق مصير الحركات العسكرية ونتائجها على الاحتمالات السياسية التي هي أصلا خارج نطاق وإمكانيات الساسة العرب، وبهذا يمكن لنا أن نتصور ما هي النتائج التي سنصل اليها في حال دخولنا الحرب غير متأهبين ومعتمدين على هيئة الأمم، والسؤال الخطير هو ماذا أذا لم يتحقق تدخل هيئة الامم المنتظر؟، وهل سيكون مثل هذا التدخل في صالح العرب آنذاك؟، علماً إن فكرة العمليات لم تكن ملزمة لجميع الجيوش، التي كانت تدار من قبل من قبل قيادة موحدة ولكن على الورق فقط.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المراجع:
(1)كتاب : تاريخ العراق المعاصر، تأليف الدكتور إبراهيم خليل أحمد، والدكتور جعفر عباس حميدي، جامعة الموصل،عام2010.
(2)نفس المصدر السابق.
(3)كتاب: فرسان العروبة، مذكرات العقيد الركن صلاح الدين الصباغ.
(4)كتاب: محنة فلسطين وأسرارها السياسية والعسكرية، الفريق الأول الركن صائب الجبوري، رئيس اركان الجيش العراقي، الطبعة الأولى عام1970.
(5)نفس المصدر السابق.
(6)كتاب: الايام الحاسمة قبل معركة المصير، اللواء الركن محمود شيت خطاب، وزارة الثقافة والارشاد، عام1967.