شاهو القره داغي
من المعروف أن تحقيق العدل و العدالة هو الهدف الأسمى لكل الشرائع السماوية و الحضارات و الأفكار السامية، فقد جاء في القرآن الكريم “لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط ” ، و في المقولة المشهورة إن ” العدل أساس الملك “، وكما يروى في الاقوال المأثورة “إن الله ينصر الدولة العادلة وإن كانت كافرة، ولا ينصر الدولة الظالمة وإن كانت مؤمنة” .
كما أن العدل يؤدي إلى التفوق و الاستمرار و التطور و الازدهار، فإن نقيضه الظلم يؤدي إلى التراجع و التخلف و الفوضى و الإنحدار. يقول ابن خلدون “فساد القضاء يفضي إلى نهاية الدول” ويقول أيضا: “الظلم مؤذن بخراب العمران”. وهناك الكثير من الشواهد و الأدلة التاريخية و الحاضرة التي تؤكد ثبات هذا المبدأ و ضرورة تحقيق العدل و أهمية حياد و عدالة القضاء لتحقيق هذا الهدف السامي .
ومن المؤسف أن القضاء في يومنا الحالي لم تعد المؤسسة الرصينة القادرة على تحقيق العدل وإعادة الحقوق إلى أهلها و محاسبة الفاسدين و المجرمين ، بل أصبحت جزءاً رئيسيا من المنظومة السياسية الفاسدة التي تبحث عن تحقيق مصالحها و تتعاون مع باقي أقطاب العملية السياسية لتحقيق المصالح الشخصية و الحزبية على حساب مصلحة المواطنين وضياع العدالة. وأصبح القضاء أداة لتصفية الحسابات و اصدار الاحكام التعسفية بدلا من أن تكون أداة حقيقية لإحقاق الحق.
القضاء في العراق و ازدواجية المعايير
أصدرت محكمة تحقيق منطقة الرصافة في بغداد ، يوم الخميس 7 يناير الحالي، مذكرة اعتقال بحق الرئيس الأمريكي دونالد ترامب ، بتهمة اغتيال القيادي الإيراني قاسم سليماني و نائب رئيس هيئة الحشد الشعبي أبو مهدي المهندس و 11 شخصاً آخرين .
وجاء القرار العراقي بعد إعلان السلطة القضائية الإيرانية قبله بأيام عن تقديم طهران طلباً للمنظمة الجنائية للشرطة الدولية لإصدار إنذار أحمر و اعتقال الرئيس الأمريكي دونالد ترامب وبقية المتورطين باغتيال قاسم سليماني.
بينما أكد وزير الخارجية الإيراني جواد ظريف أن إصدار مذكرة القبض على “دونالد ترامب” الرئيس الأمريكي من قبل محكمة القضاء الأعلى في العراق جاء بعد متابعات كثيرة قامت بها الخارجية الإيرانية وغيرها من المؤسسات” ، ما يعني بوضوح أن القضاء العراقي تحرك لاتخاذ هذه الخطوة لإرضاء الجانب الإيراني و التأكيد على نية العراق متابعة هذا الملف قضائياً دون إدراك أن هذه القرارات تعطي إشارات سلبية على دور القضاء وتكشف تبعيته للنظام السياسي الفاسد الذي يغض الطرف عن مئات القضايا الإنسانية و يركز على القضايا التي تهم إيران و وكلاءها في العراق.
حاول مجلس القضاء الأعلى في العراق عن طريق بيان إضافي إنكار أي علاقة لإيران بخصوص صدور المذكرة ، وأكد في بيان آخر أن “إصدار مذكرة القبض بحق الرئيس الأميركي المنتهية ولايته جاء بعد استكمال الإجراءات التحقيقية في القضية وتدوين أقوال المدعين بالحق الشخصي ذوي الشهداء والممثل القانوني عن السفارة الإيرانية، التي كانت تقتصر على تمثل المدعين بالحق الشخصي عن الشهداء الإيرانيين”.
فشل القضاء العراقي خلال الأعوام الماضية من إصدار الاحكام العادلة و متابعة الملفات المتعلقة بالفساد و الاغتيالات ومحاسبة المتهمين و اصدار الاحكام العادلة على المتورطين بالجرائم ، وعلى الرغم من مرور أكثر من عام على أحداث تشرين و التظاهرات التي شاهدت أقسى و أسوأ أنواع الانتهاكات ضد حقوق الإنسان و قتل أكثر من 700 متظاهر و إصابة الآلاف على يد القوات الأمنية و الميليشيات، إلا أن المواطن العراقي لم يُشاهد القضاء يتدخل للعب دوره و فرض العقوبات على المتورطين بسقوط هذا العدد الكبير من الضحايا .
وبالتزامن مع إصدار مذكرة القبض بحق الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” ، تم الكشف عن مقبرة جماعية في العراق في محافظة صلاح الدين ، تضم العشرات من جثث المغيبين المدنيين الذين فُقد أثرهم بعد دخول القوات العراقية و الميليشيات إلى مناطقهم خلال عمليات طرد تنظيم داعش عام 2015.
وتؤكد بيان لمجموعة من العشائر بوجود أكثر من 25 ألف مغيب في المحافظات المنكوبة ،والذين تم اختطافهم من قبل الميليشيات دون مذكرات اعتقال قضائية. و اليوم يتم العثور على القبور الجماعية لضحايا الميليشيات دون أن يتدخل القضاء لمتابعة هذا الملف و ملاحقة المتورطين في ارتكاب هذه الجرائم.
أليس الأولى بالقضاء العراقي وفي ظل كفاية الأدلة و معرفة الجناة و المجرمين أن تُبادر أيضاً في متابعة هذه الملفات التي تتعلق بحياة الآلاف من العراقيين مثلما تسارع لمتابعة قضايا تتعلق بالميليشيات و النفوذ الإيراني في العراق كما فعلت مع ملف قاسم سليماني و أصبحت اضحوكة أمام العراقيين و العالم عندما أصدرت مذكرة القبض بحق ترامب في دولة عاجزة عن القبض على أصغر عنصر ميليشياوي يمارس الإرهاب والعنف بحق المواطنين؟!.
لا يمكن إنتظار إنصاف القضاء و تحقيق العدل في ظل تحول السلطة القضائية إلى أحد الأركان الرئيسية لنظام المحاصصة و الفساد بالتنسيق مع الميليشيات و الأحزاب السياسية. حيث أن هناك علاقة تخادم و تنسيق بين هذه الأطراف و كل طرف يدعم الطرف الاخر في سبيل بقاء هذه المنظومة الحالية و الحفاظ عليها و منع انهيارها في ظل السخط و الإنزعاج الشعبي .
مقال خاص براسام

