الباحث : حسين صالح السبعاوي

انصدم أهالي المناطق المنكوبة عندما خلت الموازنة المالية التي قدمتها الحكومة لسنة ٢٠٢١ من التعويضات لمدنهم المدمرة بسبب المعارك التي دارت بين سنتي ٢٠١٤ و ٢٠١٥ في الوقت الذي كان أهالي هذه المدن يعولون على التعويضات التي سوف تنقذهم في إعادة بناء منازلهم المدمرة والتعويض على ما فقدوه بسبب المعارك. كما غابت في الموازنة إعادة بناء البنى التحتية التي دمرت في هذه المدن. ومن الجدير بالذكر أن سكان المدن المدمرة مثل الموصل والرمادي وصلاح الدين وديالى هم من العرب السنة الذي يبلغ تعدادهم قرابة ١٢ مليون نسمة عدا سكان حزام بغداد الذين دمرت مناطقهم أيضا مثل جرف الصخر وبقية المناطق الأخرى فيها كما تقدر مساحة المدن المدمرة بأكثر من ثلث مساحة العراق الكلية .
كان لمدينة الموصل النصيب الأكبر من الدمار خاصة الجانب الأيمن منها. فقد دمرت أحياء سكنية بكاملها إضافة إلى تدمير البنية التحتية فيها مثل الجسور والمستشفيات والمدارس ومحطات الكهرباء والماء واالطرق العامة وبقية دوائر الدولة .
وقد أشار تقرير الأمم المتحدة الذي أعدته ليز غراندي منسقة الأمم المتحدة للشؤون الإنسانية إلى حجم الدمار الذي لحق بالجانب الغربي للمدينة وكما يلي :
1- يتكون الجانب الغربي من مدينة الموصل من 54 حياً سكني وقد دمر اكثر من نصفها بالكامل .
15 حياً تدميرا كاملا ولا تصلح للسكن مطلقا .
23 حياً متوسط الضرر أي تدمير نصف مباني هذه الأحياء .
16 حياً سكني أضرار بسيطة .
وقد قدرت صور الأقمار الصناعية بأن أكثر من 10 آلاف مسكن مدمر بالكامل، بينما يعتقد أن 32 ألف مسكن هو العدد الحقيقي لعدد المساكن المدمرة لأن صور الأقمار الصناعية لا يمكنها التقاط الصور كاملة بسبب تداخل المنازل بعضها ببعض .
2- أما الجسور التي تربط الجانب الأيمن بالجانب الأيسر قد دمرت بالكامل والبالغة 5 جسور .
3- نسبة الدمار في المراكز الطبية قد بلغت 80٪ تدميرا كاملا .
4- حجم الدمار في المدارس بلغ 25٪
5- عدد القتلى في صفوف المدنيين بلغت 40 ألف مواطن بسبب القصف الجوي الذي نفذه التحالف بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية .
وقد قدرت الكلفة التخمينية لإعادة بناء المدينة 100 مليار دولار ولمدة 10 سنوات .
هذا التقرير هو نموذج لمنطقة واحدة من المدن المدمرة وهو الجانب الأيمن وليس كل المدينة فما بالك ببقية المدن الأخرى التي لم نذكرها مثل مدينة بيجي في محافظة صلاح الدين هذه المدينة قد نالها من الدمار كما نال الجانب الأيمن من الموصل ويكفي أن نذكر ما جرى لمصفى النفط في بيجي حيث فكك كاملا وبيع خردة! وكذا مدينة الصقلاوية التي خطف منها 700 مواطن في ليلة واحدة , أما جرف الصخر فقد هجر أهلها ولم يعد منهم أحدا لحد الآن أمام هذه المأساة التي أصابت هذه المدن وأهلها تخلو الميزانية المالية لعام 2021 من أي تعويض لهؤلاء المواطنين الذين فقدوا كل ما يملكون بسبب المعارك ومن الجدير بالذكر أن ممثلي هذه المدن في البرلمان والحكومة يتحملون الوزر الأكبر على هذا الظلم الذي نزل بمن يمثلونهم وحرمانهم من التعويضات، إن حجم الدمار الذي أصاب هذه المدن هو أكبر مما أصاب مدينة ستالينغراد الروسية في الحرب العالمية الثانية، لكن ستالينغراد قد أعيد بنائها خلال فترة 7 سنوات بعد إنتهاء الحرب بالتعاون مع حلف وارشوا في تلك الفترة بينما مدننا ومنذ 4 سنوات من إنتهاء العمليات العسكرية لم يبنى في ولا مؤسسة واحدة من المؤسسات المدمرة بل لم يرفع حتى الأنقاض لمنازلهم المدمرة ولم تدفن جثث ذويهم التي ما زالت تحت الأنقاض وأعتقد جازما إذا ما استمر الحال على ما هو عليه لن يعاد بنائها حتى لو يمضي عليها 70 سنة أخرى وما زاد الطين بلة أنه بعد هذا الدمار الذي حلٌ فيها قامت الأحزاب الطائفية بالاستيلاء على ما تبقى فيها من خلال المكاتب الإقتصادية التابعة للحشد الشعبي التي فتحت في المدن المدمرة حيث أصبحت مهمتها نهب الأموال العامة وتهريب النفط وأخذ الأتاوات من السكان !
لماذا غابت التعويضات في الموازنة :
1- السياسة الطائفية التي اعتمدتها الحكومات بعد 2003 والى الآن سيما أن سكان هذه المدن هم من العرب السنة .
2- الفساد المستشري في أعلى مؤسسات الدولة وفروعها بحيث وصل الفساد من القمة إلى القاعدة .
3- قتل الروح المعنوية لأهالي المناطق المدمرة حتى يصلوا إلى مرحلة اليأس والإحباط .
4- عدم عودة السكان إلى مناطقهم ويتم تهجيرهم إلى الخارج ومن ثم تبدأ عملية التغيير الديمغرافي في المدن المدمرة من خلال سرقة الأراضي والعقارات المدمرة أو شرائها بثمن بخس .
إن ما جرى ويجري في المدن المنكوبة يحتاج إلى موقف دولي لإدانة هذه الأفعال وإلزام الحكومة العراقية بإعادة بناء المدن وتعويض السكان حتى لو اقتضى الأمر إصدار قرار دولي يلزم الحكومة به ويقتطع من أموال النفط المصدر كما حصل في تسعينيات القرن الماضي عندما صدر قرار النفط مقابل الغذاء والدواء من الأمم المتحدة عندما كان يقطع من أموال النفط أما التعويل على الحكومات الطائفية ومجموعة الفاسدين لتعويض السكان وبناء المدن المنكوبة فهو بعيد المنال ولا يمكن تحقيقه أبداً وما هو مؤسف أن هذا الظلم الذي نتحدث عنه هو لم يكن من عدو خارجي بل هو من أبناء البلد وذوي القربي .
وظلم ذوي القربى أشد مضاضة **** على النفس من وقع الحسام المهند

( وسيعلم الذين ظلموا أي منقلب ينقلبون )
( وقد خاب من حمل ظلما )

مقال خاص براسام