شهدت السياسية الخارجية للولايات المتحدة الامريكية تقلبات كثيرة، وفوضى عارمة، وتذبذباً كبيراً يصل الى حد التناقض والتضارب في ملفات متعددة وساخنة، استمرت على مدار أربع سنوات من حكم الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، الذي أمتاز بشخصية تنمرية غير عادية، وأسلوب غير مألوف في التعامل مع الدول، حيث أعتمد على الارتجال في اتخاذ الكثير من القرارات، دون الرجوع الى مؤسسات الدولة الأمريكية المعروفة بحصافتها في اتخاذ القرارات، بعد أن قدم نفسه على أنه “رجل الصفقات” الأمر الذي أنعكس بشكل كبير على الخلافات الداخلية، وتقاطع الرؤى بين مؤسسات الدولة، في الكونغرس، والخارجية، والبنتاغون، والمخابرات، بعد أن أختلط لدى الكثير من الخبراء والمراقبين التفريق بين رغبات وأولويات الرئيس، وبين رؤية المؤسسات الامريكية الرسمية في اتخاذ القرار .
لقد برر الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” سلوكه العدواني، والمواقف الحادة لأدارته تجاه قضايا كبرى وساخنة في المنطقة بأنها جاءت بسبب التراجع الكبير لمكانة الولايات المتحدة الأمريكية بسبب مواقف الإدارة الأمريكية السابقة بإدارة “باراك أوباما” والتي تبنت سياسية الانسحاب من منطقة الشرق الأوسط، التي تعج بالصراعات، مما أدى الى أضعاف دورها بشكل كبير في ملفات ساخنة، عرضت مصالح الولايات المتحدة الأمريكية للخطر، وأضعفت قدراتها على الردع، في قضايا كثيرة منها:
• ملف كوريا الشمالية التي تم الاتفاق معها في قمتين جمعت الرئيسين واتفقا على وقف التجارب الصاروخية والنووية، ولكنها عادت للتجارب مرة أخرى بسبب فشل السياسية الخارجية بهذا الملف.
• الملف النووي الايراني.
• تعقيدات الملف السوري.
• طموحات روسيا في المنطقة.
• النفوذ الصيني المتزايد والحرب الاقتصادية.
يقول الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” إن خفض الانخراط الامريكي في شؤون الشرق الأوسط أطلق نفوذ القوى الإقليمية الصاعدة في المنطقة، والتي بدأت تتصارع فيما بينها في كل من ليبيا، وسوريا، والعراق، الذي أصبح بؤرة لهذا الصراع المتصاعد، والذي قسم المنطقة مذهبياً وطائفياً، وأدخل المنطقة بصراع المحاور، وقد تجلى هذا الانسحاب الأمريكي في تقارب روسي- تركي، بعد أن فضلت واشنطن التحالف والتعامل مع حزب العمال الكردستاني لمواجهة تنظيم الدولة على تركيا، وكذلك تقارب خليجي- روسي، وتفاهمات ليبية- تركية.
لقد واجهت “ادارة ترامب” انتقادات لاذعة و واسعة بسبب إخفاقها في التعامل مع ملفات داخلية، وخارجية، ومنها عدم توافق الرؤى بين مؤسسات الدولة الأمريكية، وبين توجهات إدارته في الكثير من الملفات، الأمر الذي خلق نوع من التضارب والتقاطع بينها، مما خلق صعوبة في التوازن بين الرؤية السياسية التي تدعو أليها المؤسسات الرصينة للدولة، وبين توجيهات و رؤية الرئيس “دونالد ترامب” وفريق أدارته، الذي تم اختياره واستقدامه بما يتلائم مع توجهاته الشخصية المتقلبة، والذي بدى غير منسجم، وغير متجانس، وتشوبه الكثير من الخلافات الداخلية.
إن الكثير من القرارات التي تم اتخاذها من قبل الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” كانت ارتجالية، وطغت عليها النزعة الشخصية، مما جعل لها تداعيات كبيرة وخلافات ظهرت لوسائل الأعلام في الكثير من الملفات، مثل استقالة وزير الدفاع “جميس ماتيس”، بسبب الانسحاب من سوريا دون استشارة البنتاغون، أو إقالة مستشار الأمن القومي الأمريكي “جون فولتن”، من خلال تغريده، الأمر الذي يفسر لنا كثرة المقالين والمستقيلين من فريق أدارته، مما يعني عدم امتلاك الدولة استراتيجية متماسكة حيال الكثير من القضايا، وإن القرار كان يمر بدائرة ضيقة جداً، وهذا الأمر أنعكس بشكل كبير وواضح على السياسية الخارجية التي تميل الى التأرجح والتذبذب وعدم الاستقرار.
لقد عانت ادارة دونالد ترامب من اشكالات داخلية كبيرة، انعكست بشكل كبير على ملفات السياسية الخارجية خاصة بعد الحرب الإعلامية التي شنها الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” على بعض وسائل الاعلام، الأمر الذي خلق له أعداء كثيرون على مستوى الفكر، والرأي، داخلياً، وسياسياً، وإعلامياً، هذا بالإضافة الى الخلافات بين الحزبين، والكونغرس، ومؤسسات الدولة الاخرى، وجميع هذه الخلافات كان لها الأثر الكبير في التأثير على نتائج الانتخابات الرئاسية التي جرت في نوفمبر/تشرين الثاني الجاري، كما إن قيامه بربط قضايا السياسية الخارجية بما فيها انخراط الولايات المتحدة الامريكية في قضايا المنطقة حسب المنافع الاقتصادية التي يمكن تحصيلها، من “منطق الصفقة” أثار استيلاء طبقة واسعة من الشخصيات السياسية والعسكرية، وعرض الإدارة لانتقادات واسعة حتى من حلفاء الولايات المتحدة في المنطقة.
إن السياسية الخارجية للإدارة الأمريكية دفع الكثير من الخبراء للتساؤل: هل باتت السياسية الخارجية لواشنطن تباع بالمال؟، كونها تسير وفق عقلية تجارية، وهي سابقة جديدة وخطيرة في السياسية الخارجية الامريكية، وقد صرح بذلك الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب” في الكثير من وسائل الأعلام قائلاً : “إن هناك دول لن تبقى أسبوع واحد دون حمايتنا” وأضاف “من يريدنا أن ندافع عنه عليه أن يدفع” وهو بذلك يقوم بعمليات ابتزاز للدول، وكل هذا كان يتم على حساب مكانة الولايات المتحدة الامريكية وعلى حساب ملفات أخرى، وقد ظهر ذلك جلياً في قضية مقتل “جمال خاشقجي”، و”الازمة الخليجية” مع قطر، والموقف من الحرب في اليمن، وجميع هذه الملفات تتعارض مع الدستور الأمريكي، والرؤية الرسمية للدوائر الامريكية، الأمر الذي أدى الى تراجع كبير في مكانة الولايات المتحدة الامريكية، وقوض تحالفاتها، وأضعفها قدراتها على الحشد لمواجهة التحديات، التي ازادت بشكل كبير، ووصلت الى تهديد مصالح الأمن القومي الأمريكي، حتى أصبحت تعاني من عزلة كبيرة وحقيقية مع أصدقائها، فضلاً عن خصومها التقليدين.
لقد عانت “أدارة دونالد ترامب” من الكثير من الاشكالات والخلافات حتى مع حلفائها التقليدين، ومنها حلف الشمال الأطلسي، وكندا، والمكسيك، ودول الاتحاد الأوروبي، وتركيا، ودول الخليج العربي، بسبب تغيير قواعد اللعبة الامريكية في المنطقة، وهذا يعود الى الأوضاع المعقدة، وعدم الاستقرار، التي فرضت بناء تحالفات جديدة، وتعاملات جديدة غيرت المسار الذي كانت تسير عليه المنطقة، كما إن قيامه بشن الحرب التجارية، وزيادة الرسوم الجمركية، ورفع قيمة الضرائب، عقد الأوضاع، ودفع الكثير من الدول الى ردود فعل قوية والى سياسية “التعامل بالمثل”، كما أنه تعامل مع الكثير من الدول على أساس عدم التورط في السياسية الداخلية، وخاصة ملفات حقوق الانسان والحريات، مالم يوجد هناك تهديد حقيقي للمصالح الحيوية للولايات المتحدة الأمريكية، وهذا كله كان يتم على حساب المبادئ، والقيم الديمقراطية، وحقوق الانسان، التي روجت لها الادارات الأمريكية السابقة.
لقد تميزت السياسية التقليدية للولايات المتحدة الأمريكية من القضية الفلسطينية بالتحيز لإسرائيل، ولكن إدارة “ترامب” كانت أسوء من بين الادارات على الاطلاق، رغم تناقضها مع الشعارات التي رفعها في حملته الانتخابية، والتي صرح فيها قائلاً: أنه سيكون “محايد”، ولكنه سياسته في هذه القضية اختلفت بشكل كبير، فقد صرح قائلاً إن حل الدوليتين لم يعد السبيل الوحيد لأنهاء الصراع الفلسطيني- الاسرائيلي، وقد تمثل ذلك في خطوات كثيرة منها: اعتراف ادارة ترامب بمدينة القدس عاصمة لإسرائيل وذلك في6ديسمبر/كانون الأول عام2017، ثم تلتها خطوة أخرى وهي نقل السفارة الأمريكية الى “مدينة القدس”، في4مايو/أيار عام2018، وهذا يعني تخليها عن وعودها السابقة بقيام دوليتين في فلسطين على حدود عام1967، على معادلة “الأرض مقابل السلام”، وكذلك موقفها من قضايا اللاجئين، وقطع المساعدات الامريكية، والمستوطنات، وأغلاق مكتب منظمة التحرير الفلسطينية في واشنطن، وتغيب وتهميش أصحاب القضية الفلسطينية عن اتفاقات التطبيع التي جرت مع الكيان الصهيوني، ضمن صفقة القرن، والتي اضفى عليها طابع اقتصادي، مقابل القبول بالسلام المنشود.
لقد اتخذت ادارة ترامب الكثير من القرارات المتشددة ضد ايران، ومنها الانسحاب من الاتفاق النووي الايراني الذي وقع عام2015، والذي وصفه “دونالد ترامب”، بأنه الأسوأ في تاريخ الدبلوماسية الأمريكية وأنه “خطأ تاريخي”، أقدمت عليه إدارة باراك أوباما، ودائما ما كان يكرر انتقاده للاتفاق النووي الايراني الذي يعتبره جائزة قدمتها لإيران على سلوكها الإقليمي التخريبي في المنطقة، ولكن بنفس الوقت صرحت أدارة ترامب بأنها لا تريد تغير النظام، ولكنها تريد تغير سلوك النظام في المنطقة، بل وزاد على ذلك إن الانسحاب من الاتفاق النووي سيحد من النفوذ الايراني الخبيث بالمنطقة، كما إن فرض سياسية الضغط الأقصى بتشديد العقوبات الاقتصادية على ايران، ستجبرها على التراجع والجلوس لطاولة المفاوضات لكتابة أتفاق جديد، بما فيها تمددها الاقليمي في المنطقة.
لقد شهد الملف الإيراني تصعيد عسكري متبادل خاصة بعد مقتل “قاسم سليماني”، وتبادل الضربات والهجمات الصاروخية المباشرة وغير المباشرة بينهما، أي الحرب بالوكالة، وتداعيات ذلك على مصالح الأمن القومي الأمريكي في المنطقة، وجميع هذه التطورات في الملف الايراني لا زالت بدون تحقيق ثمار حقيقية في ردع ايران، أو وقف مشروعها الاقليمي، أو وقف مساعيها في الحصول على السلاح النووي، أو حتى وقف مواصلة تطوير برنامجها الصاروخي، أو دفعها للجلوس الى طاولة مفاوضات، بل على العكس من ذلك جعلها وميليشياتها المسلحة التابعة لها في المنطقة أكثر جرأة في مهاجمة ومواجهة التواجد الامريكي في المنطقة، بل زادت من استفزازاتها في مضيق هرمز، فيما عرف بحرب الناقلات، كما عرضت مصالح الحلفاء الى الخطر بتدمير شركة ارامكو السعودية، واسقاط الطائرة المسيرة، كما أنها عملت على زيادة خروقها بما فيها زيادة تخصيب اليورانيوم في خرق واضح للاتفاق النووي.
إن إدارة السياسية الخارجية الأمريكية للملف السوري شكلت صدمة كبيرة لكثير من الخبراء الاستراتيجيين والمراقبين، فالقرارات التي تم اتخاذها في هذا الملف الشائك من قبل الرئيس الأمريكي “دونالد ترامب”، كثيرة ومتناقضة، أجبرته على التراجع عن الكثير منها، خاصة بعد أن أعلن الانسحاب منها من خلال تغريده له على تويتر، دون استشارة المؤسسات الأمريكية الرسمية ومنها الخارجية، والبنتاغون، أو حتى تبليغ أو مشاورة حزب العمال الكردستاني الحليف الاستراتيجي لواشنطن، وبهذا القرار يكون قد أطلاق يد تركيا في التصدي لتنظيم الدولة في الشمال السوري، بما فيها حزب العمال الكردستاني المنصف ارهابياً في تركيا، والذي يعتبر تهديد مباشر للأمن القومي التركي، ثم عاد ليتراجع عن هذه القرارات بسبب ضغط المؤسسات الأمريكية، وليطلب من تركيا وقف هجومها ضد الأكراد، وارسل نائبه “بنس” ووزير الخارجية “بومبيو” لإتمام هذا الأمر مع تركيا، ثم عمل بعد ذلك على عودة القوات الأمريكية الى سوريا لحماية آبار النفط هناك، ودعم حلفائه الأكراد، كما أنه بدأ بتطبيق قانون “قيصر” لحماية المدنيين السورين في17يونيو/ حزيران الماضي، لتجاوز التعطيل الروسي المستمر لقرارات مجلس الأمن المتعلقة بالأزمة السورية، ولزيادة عزلة النظام، ولكنه فشل تحقيق نتائج في ذلك بسبب عدم جدية الادارة الأمريكية في تطبيق هذا القانون، ومنها إجبار النظام على القبول بتسليم وانتقال السلطة.
أما السياسية الخارجية الامريكية مع كلاً من الصين وروسيا التي تعتبر المنافس التقليدي لها فقد كانت في أسوء أحوالها، كونها من أكثر العلاقات تشابكاً وتعقيداً، وقد شهدت العلاقات بينهما تنافساً شديداً شمل جميع المستويات الاقتصادية، والسياسية، والعسكرية، والتكنلوجية، حيث تدهورت العلاقات بشكل كبير ووصلت الى أدنى مستوياتها، حتى أصبحنا على أعتاب حرب باردة جديدة مع الصين، بسبب التوترات والملفات العالقة بينهما، فقد أشعل ترامب حرباً اقتصادية طاحنة مع الصين، وتبادل معها الاتهامات فيما يخص فيروس “كوفيد19″، وكذلك قضية تايوان، وقضية هونغ كونغ، وقضية شركة هواوي واتهامها بسرقة تكنلوجيا أمريكية، وقضية حقوق الانسان لأقلية الإيغور المسلمين، والتميز العنصري الذي تمارسه السلطات الصينية ضدهم، وكذلك قيامه بفرض رسوم جمركية بمليارات الدولارات على بكين، وإصدار أمر بمغادرة الشركات الأمريكية للصين بسبب التعامل بالمثل، بالإضافة لقضية الحشد العسكري الامريكي واستعراض القوة الذي يجري في بحر الصين الجنوبي، هذا بالإضافة الى الخلافات مع كوريا الشمالية، أما بالنسبة لروسيا فهناك مشاكل عالقة معها وهي كثيرة ومتعددة منها قضية جورجيا، وشبه جزيرة القرم، وتدخلها في دول البلطيق، وسوريا، وليبيا، ودورها بالملف النووي الايراني، وموقفها من تجديد حظر الاسلحة على ايران، وكذلك الحد من التسلح النووي.

