شاهو القره داغي
أعادت السلطات العراقية يوم الجمعة 30 نوفمبر ، فتح ساحة التحرير و جسر الجمهورية الرابط بينها وبين المنطقة الخضراء أمام حركة السير ، بعد إغلاق دام أكثر من عام عقب اندلاع “انتفاضة تشرين” التي شهدت مظاهرات واسعة شارك فيها آلاف العراقيين في بغداد وباقي المحافظات للمطالبة بالتغيير الشامل و إنهاء حقبة الفساد و المحاصصة و الإرهاب .
وغرد رئيس مجلس الوزراء مصطفى الكاظمي ، يوم السبت الماضي بشأن فتح ساحة التحرير و إعادة الحياة إلى طبيعتها قائلاً: “شبابنا في ساحة التحرير ضربوا أروع الأمثلة الوطنية طوال عام كامل، اليوم يؤكدون شموخهم الوطني بإبداء أقصى درجات التعاون، لفتح الساحة أمام حركة السير و إعادة الحياة الطبيعية. الانتخابات الحرة النزيهة هي موعد التغيير القادم الذي بدأه الشباب بصدورهم العارية قبل عام، العراق لن ينسى شبابه”.
مراحل السيطرة على الساحات و إنهاء التظاهرات
مع اقتراب ذكرى تظاهرات تشرين / أكتوبر ، حاولت أحزاب السلطة أن تسيطر على الساحات و تقضي على الثورة الشعبية و لا تسمح باندلاعها مجدداً خوفاً من تضرر مصالحها. فبادرت إلى اتخاذ عدة خطوات تمهيداً لإخلاء الساحات من الناشطين و الشباب والمعارضين الذين كانوا على استعداد للخروج إلى الشارع و التظاهر و الاعتصام لأجل التغيير و الإصلاح و إنهاء الفساد و فوضى السلاح والميليشيات و المحاصصة التي دمرت حياة العراقيين.
استمرار الالة القمعية و عمليات الترهيب ساهمت في هروب العديد من الناشطين إلى إقليم كردستان أو إلى خارج العراق بسبب التهديدات المستمرة من قبل الميليشيات ، بالإضافة إلى عمليات القتل و الخطف و شراء الذمم التي نجحت إلى حد ما في تحييد اغلب الناشطين و ابعادهم عن الساحات و إخلاءها من الأصوات الوطنية المستقلة .
وفي مقابل ذلك تم العمل بشكل ممنهج على السيطرة على ساحات التظاهر و أماكن انطلاق التظاهرات و التجمعات الشعبية عن طريق إبراز وجوه جديدة و تقديم عناصر مدعومة من الميليشيات و الأحزاب السياسية للبروز و الظهور إلى الواجهة و تقديم انفسهم كقادة للتظاهرات لاستغلال الساحات كمنصات لتصفية الحسابات السياسية و حرفها عن مسارها السليم .
وبعد هذا التخطيط الممنهج لإقصاء و إبعاد الأصوات الوطنية الصادقة و الحملة الممنهجة لحرف التظاهرات عن مسارها، لم يعد هناك أي تفاعل يُذكر في الساحات الرئيسية وخاصة في موعد اندلاع المظاهرات بسبب انتشار روح اليأس و الإحباط لدى الشباب بعدما شاهدوا بأعينهم ما جرى في الساحات و ما أنفقته الأحزاب من الأموال الطائلة و الجهود الضخمة لإنجاح مشروع السيطرة على ساحات التظاهر والقضاء على روح الثورة داخل الشباب.
وعلى الرغم من كل محاولات السلطة إلا أن التظاهرات اندلعت مجدداً و خاصة في محافظة البصرة التي شهدت تظاهرات احتجاجية للمطالبة بالخدمات و الوظائف والكشف عن قتلة المتظاهرين ، إضافة إلى تشييع احد المتظاهرين الذي قضى متأثراً بجراحه جراء أحداث القمع التي شهدتها المدينة في اليوم الأول لشهر نوفمبر الحالي.
هل ينتهي التظاهرات بإخلاء الساحات؟
إخلاء الساحات و السيطرة عليها من قبل انصار الميليشيات و الأحزاب السياسية لن تنجح في إنهاء الحراك الشعبي بل تؤجل الانفجارالجماهيري في وجه السلطة و الدولة البوليسية ، بسبب تراكم الأخطاء و بقاء الأسباب التي دفعت الشباب للخروج و التظاهر منذ الأول من أكتوبر عام 2019 وحتى يومنا هذا .
احتفل وسائل الاعلام التابعة للميليشيات والقريبة من الأحزاب بالسيطرة على ساحات التظاهر و اعلنوا عن انتصارهم على حراك تشرين ،ولكن الحراك التشريني لا يمكن ان يقتصر على الوقوف في الساحات و الاعتصامات ولا يمكن ان ينتهي بفقدان الساحات .
وهم الانتخابات النزيهة في ظل القمع المستمر
يبشر رئيس الوزراء العراقي مصطفى الكاظمي الشعب العراقي بإجراء انتخابات حرة و نزيهة و يتعهد بحماية الشباب العراقي ، ولكن الواقع الحالي يبدد هذه الوعود التي هي اقرب للاحلام والاوهام ويصعب تصديقها في ظل الواقع الحالي. حيث نرى عجزا واضحا من الحكومة في اطلاق سراح عشرات الشباب المخطوفين في السجون السرية للميليشيات مثل سجاد العراقي وعلي جاسب و عبدالمسيح روميوو وعشرات من الشباب الاخرين الذين تم خطفهم و تغييبهم قسريا خلال الفترة الماضية.
كيف يمكن للحكومة ان تتعهد بإجراء انتخابات نزيهة في ظل انتشار صور خامنئي وقاسم سليماني في شوارع العاصمة العراقية وانتشارمقرات ومكاتب الميليشيات في كل زاوية وانتشار الخوف والارهاب في كل مكان؟
الحكومة العاجزة عن حماية الشباب و ملاحقة المجرمين من الصعب ان تنجح في تهيئة الاجواء المناسبة للانتخابات النزيهة التي يحلم بها كل المواطنين ومن يحلمون بالتغيير.
لم يتحقق مطالب تشرين حتى تتحول الى ذكرى سنوية يتم احياؤها كل عام، ولا يمكن القضاء على الحراك الشعبي بالقوة والعنف والقنص او الوعود التخديرية من قبل احزاب السلطة، و هدوء الساحات وتراجع المخلصين بسبب شعورهم بما يجري من تآمر عليهم من قبل الفاسدين والاستعداد للخروج مستقبلا بتنظيم افضل وقدرة انجح على مواجهة مخططات الميليشيات والاحزاب الفاسدة.
عقلية الاحزاب الحالية تتعامل مع المواطنين كأعداء وليس كمصدر السلطات كما يجب ان يكون حسب الدستور العراقي الذي اتفق عليه الجميع ثم خالفوا اغلب مواده ولم يحترموا نصوصه. وفي ظل هذه العقلية من الصعب ان يتحقق مطالب المتظاهرين او يحدث اي تفاهم بين السلطة والمواطنين ، وسيبقى الطريق الوحيد للتغيير هو طريق التظاهرات والثورة الشعبية لضمان التغيير الجذري و انهاء هذه الحقبة المظلمة في تاريخ العراق.

