أ‌. د. عدنان  القطان –  باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

 

تمر هذا اليوم – السادس من كانون الثاني – الذكرى التاسعة والتسعون لتأسيس الجيش العراقي، حيث يكتسب الموضوع أهمية خاصة، لأنه يعد من ابرز جوانب التطور السياسي والدستوري فضلا عن كونه علامة بارزة في تاريخ العراق الحديث، باعتبار الجيش حامي الوطن الذي تعززت آمال الشباب عند الاعلان عن تأسيسه من أجل بناء عراق قوي مستقل. لذا سنتطرق في مقالنا المقتضب الى وقفة استذكارية عن كيفية التأسيس وموقف المحتل البريطاني، والمؤسسين لهذا الجيش مع بيان مهماته وتشكيلاته الاولى.

  • بدايات التأسيس :

قرر مجلس الحلفاء في الخامس والعشرين من شهر نيسان 1920 بفرض الانتداب البريطاني على العراق، لكن الشعب العراقي رفض الانتداب فقامت ثورة العشرين التحررية التي كان من نتائجها السياسية اضطرار المحتل البريطاني للإعلان عن تشكيل حكومة عراقية مؤقتة وتعيين (برسي كوكس) مندوبا ساميا في العراق.

نجح برسي كوكس بإقناع السيد عبد الرحمن الكيلاني (نقيب أشراف بغداد) بتولي رئاسة الوزارة العراقية في 25 تشرين الأول 1920م، فألف الكيلاني حكومة مؤقتة ضمت (الفريق جعفر العسكري – وزيرا للدفاع). وكان العسكري قد قدم الى بغداد في 16 تشرين الأول 1920م بعد احتلال الفرنسيين لسوريا.

ومنذ أن أسندت اليه وزارة الدفاع أخذ الوزير جعفر العسكري على عاتقه الاستفادة من زملائه الضباط الموجودين في العراق، واستدعاء الآخرين من خارج العراق، للعمل معه في تشكيل الجيش.

كان الضباط العراقيون عند تشكيل الحكومة المؤقتة في أواخر 1920 موزعين كما يلي :

  • المجموعة الاولى : وهم الموجودون داخل العراق من الذين قاتلت وحداتهم العثمانية في أثناء الحرب العالمية الاولى في جهة العراق، فلما انسحب الجيش العثماني غادروا وحداتهم وعادوا الى بيوتهم. وبعض منهم أسروا فهربوا من الأسر أثناء الحرب، أو اطلق سراحهم بعد انتهائها فعادوا الى أرض الوطن.

وكانت أجهزة أمن السلطات البريطانية المحتلة، تراقب هؤلاء مراقبة شديدة، وقد فرضت على الموجودين في بغداد الحضور يوميا الى مركز الشرطة في (خان دلة) لتسجيل أسمائهم، حذرا من تركهم بغداد واثارة الشعب على البريطانيين.

 

  • المجموعة الثانية : وهم المستمرون في الخدمة مع الجيش العثماني داخل تركيا، وكان قسم منهم قد قاتل في صفوف الاتراك الكماليين في عهد الاستقلال.

 

  • المجموعة الثالثة : وهم الذين غادروا الجيش العثماني والتحقوا مع الشريف حسين في الحجاز ثم عملوا مع الأمير فيصل في الجيش العربي السوري.

اجتمع مجلس الوزراء لأول مرة في 2 تشرين الثاني 1920م في دار رئيسه عبد الرحمن الكيلاني النقيب، اذ كان مقعدا لا يبرح داره. وحضر هذا الاجتماع برسي كوكس فأعرب عن سروره وارتياحه لتأليف حكومة وطنية في العراق، وطرح فكرة تأليف لجنة تدرس النظام العسكري للبلاد من أهم مهماتها :

ا – ترتيب القوانين والنظم العسكرية.

ب – احضار الخطط اللازمة واللوائح التي توضح الحالة العسكرية في العراق.

ج – معرفة ما يحتاج اليه العراق من العدد والمعدات العسكرية.

 

ومن الجدير بالذكر ان فكرة (برسي كوكس) جاءت بناء على اجتماع عقده كوكس في 21 تشرين الأول 1920م، مع مجلسه الاستشاري المؤلف من رؤساء الدوائر البريطانيين العاملين في العراق.

أقر مجلس الوزراء الأخذ بتلك الفكرة، وألفت لجنة برئاسة جعفر العسكري، وعضوية وزير الأشغال عزة الكركوكي و وزير المالية ساسون حسقيل وعضوية أفراد من الاستخبارات البريطانية وآخرين من القيادة البريطانية العاملة في العراق. وبعد أن درست اللجنة النظام العسكري في البلاد، وضعت منهجا لتشكيل الجيش، وقررت تنظيم الجيش العراقي وتدريبه وتجهيزه على النمط البريطاني.

وهنا لابد من وقفة لبيان وجهة نظر كل فريق من فريقي هذه اللجنة العراقية – البريطانية، حسب العوامل المؤثرة في تشكيل هذا الجيش، – كما سنرى -. فالجانب البريطاني لم يكن يرى فكرة انشاء جيش عراقي وطني قوي قادر على العمل في عموم الساحة الجغرافية للعراق، بل كان ينبغي تشكيل جيش صغير بديل لقسم أو جزء من قوات الاحتلال البريطانية (الانكلو- هندية) التي ظهر ان نفقاتها تثقل كاهل الادارة البريطانية وتؤثر في الرأي العام ودافعي الضريبة البريطانية. كما ان فكرة انشاء جيش محلي مع تأليف قوة درك محلية ترتبط بالحكومة العراقية المحلية، لإعطائها الطابع المستقل عن الادارة البريطانية المباشرة بعد التجربة المرة التي مرت بها قيادة الجيش البريطاني وقواتها المستخدمة في العراق إبان ثورة العشرين التحررية، وبعد أن وضح لديهم مقت الشعب العراقي من كل ادارة محتلة.

أما الجانب العراقي في اللجنة فكان يرى أنه لابد من أن يبدأ العراق خطواته الاولى على طريق اقامة كيان مستقل. ومن تلك الخطوات تشكيل جيش وطني يعزز الوحدة الوطنية، ويسبغ على الحكومة العراقية الجديدة هيبة مبنية على ثقة الشعب وطمأنينته، ويدفع الأخطار الخارجية التي قد يتعرض لها الوطن.

وعلى ما يبدو أن وجهة النظر البريطاني هي التي رجحت كفتها. ففي العاشر من تشرين الثاني 1920م أصدر المندوب السامي (برسي كوكس) مذكرة تحريرية مكونة من 14 مادة، وقد نصت موادها على “أن مسؤولية ادارة البلاد تقع على عاتق المندوب السامي، وهو المسؤول عنها لدى الحكومة البريطانية” و ” إن الهيئة الوزارية واسطة تمهيدية يدور عملها الفعلي  – ما عدا الذي يعود الى الامور الخارجية والتدابير العسكرية – تحت نظارة المندوب السامي” و ” تعد جميع قرارات مجلس الوزراء قطعية بشرط موافقة المندوب السامي عليها بصفته رئيس الحكومة الحالية وله رد أي قرار من قرارات مجلس الوزراء أو تعديله ان لم يكن موافقا للمصلحة”.

ومن هنا نشأت الادارة المزدوجة في البلاد ببقاء مسؤولية ادارة شؤون العراق – ومن ضمنها القيادة العامة للقوات المسلحة – على عاتق المندوب السامي البريطاني، وبوضع مستشار بريطاني الى جانب الوزير في جميع الوزارات والى جنبه معاون وكاتب سر ومكتب خاص.

وهكذا تبين لنا الهيمنة البريطانية الكاملة، وان وجهة النظر البريطانية التي عبر عنها بيرسي كوكس لا تتعدى فتح باب التطوع الاختياري وتشكيل قوة من المجندين.

وعلى الرغم من الاجراءات البريطانية الا ان وزير الدفاع الفريق جعفر العسكري اتخذ مقرا للوزارة في داخل القشلة على نهر دجلة حيث مكان برج الساعة، وفتحت دوائرها هناك في شباط 1921م. لقد إنهار المبنى فيما بعد بتأثير مياه دجلة عليه.

ويعتبر محي الدين بن عمر الخيال (1881م – 1954م) أول ضابط عراقي يعمل في الجيش العراقي الحديث. إذ التحق بالجيش في 1 كانون الثاني 1921م، بعد أن عينه وزير الدفاع جعفر العسكري في ديوان الوزارة برتبة وكيل قائد (رائد).

وفي يوم الخميس 28 شهر ربيع الثاني 1339هـ / 6 كانون الثاني 1921م، عين في وزارة الدفاع فريق من الضباط العراقيين، وعقد الاجتماع الرسمي الأول لفتح دوائر (المقر العام للجيش العراقي) في قصر عبد القادر باشا الخضيري المطل على نهر دجلة قرب الباب الشرقي.

وترأس الفريق جعفر العسكري الاجتماع والى جانبه الميجر إيدي المستشار البريطاني للوزارة، ووكيل القائد (الرائد) محي الدين بن عمر الخيال، والحاضرون من الضباط هم كلا من :

القائم مقام (العقيد) عبد الحميد بن أحمد

القائد (المقدم) عبد الرزاق بن ياسين الخوجة

القائد (المقدم) شاكر بن عبد الوهاب الشيخلي

وكيل القائد (الرائد) سعيد حقي بن محمد

وكيل القائد (الرائد) محي الدين بن سليم السهروردي

وكيل القائد (الرائد) بكر صدقي بن شوقي العسكري

وكيل القائد (الرائد) توفيق وهبي بن رؤوف

وكيل القائد (الرائد) عبد الرزاق حلمي محمد

الرئيس (النقيب) محسن بن علوش

الرئيس (النقيب) حسن تحسين بن مصطفى العسكري

الرئيس (النقيب) يوسف الباجه جي

الرئيس (النقيب)  يوسف بن حنظل

وبعد أن رحب الوزير بالحاضرين، دارت في الاجتماع مداولات تناولت قضايا كثيرة كان ينبغي البت فيها من قبيل تثبيت الزي العسكري للضباط والجنود والرتب وعلاماتهم، واشارات الصفوف والملاكات والرواتب وغير ذلك.

كما تقرر تشكيل المقر العام من أربع دوائر هي الحركات والادارة واللوازم والطبابة. أما الحسابات فتضاف الى ديوان الوزارة الذي يضم (أمانة السر). وطلب من مدير السجل العام للوزارة البدء بتسجيل جميع الامراء والضباط والعسكريين وطالبي الاستخدام في الجيش. لذا أصبح اليوم السادس من كانون الثاني يوما خالدا في تاريخ العراق.

وفي 12 شباط 1921 تم تعيين أول رئيس لأركان الجيش وهو العقيد نوري السعيد. تقول المس بل في احدى رسائلها عن لقائها بنوري السعيد: ” في اللحظة التي رأيته فيها أدركت اننا نواجه طاقة قوية ومرنة وانه ينبغي أن نتعاون معه أو أن نخوض غمار صراع شاق حقا للتغلب عليه “.

كما اعلن عن تأسيس الكلية العسكرية العراقية في 9 أيار 1921، وفتحت فيها الاجنحة التالية :

(1) جناح التلاميذ المستجدين

(2) جناح الرمي

(3) جناح المخابرة

(4) جناح القادة  الاحداث.

وقد بلغ عدد الناجحين في الكلية للعام 1922 – 1923، (95) ضابطا، و (253) ضابط صف. كما تم تشكيل الفوج الأول والذي سمي بـ (فوج موسى الكاظم) في 8 تموز 1921.

انتهى عهد الحكومة العراقية المؤقتة بتتويج الامير فيصل بن الحسين ملكا على العراق وذلك في يوم الثلاثاء الثالث والعشرين من آب 1921م. وكان الجيش العراقي قد قطع مرحلة مهمة من مراحل تأسيسه.

أخذت تشكيلات الجيش بالتوسع، إذ نلاحظ في عام 1924 أصبح الجيش مكونا من ديوان الوزارة وهيئة الأركان الحربية (المقر العام ودوائره) والتجنيد العام ولجانه، ودائرة الانضباط العسكري. وكذلك مكونا من الحرس الملكي وستة أفواج من المشاة وثلاث بطاريات لمدفعية الجبلية وبطارية مدفعية ميدان وثلاث سرايا آلية وسرية حرس الحدود ومستودعات عينة الجيش وسرية نقلية الجبلية (سرية نقلية الحيوانات الاولى).

وبذلك بلغت قوة الجيش حوالي أربعة آلاف متطوع. كما خصصت للوزارة في السنة الاولى من تأسيسه ميزانية قدرت بـ (55) ألف روبية، أي ما يعادل 73.333 ثلاثة وسبعون ألف دينار وثلاثمائة وثلاثون دينار عراقي تقريبا.

وبدأ في عام 1927 الاستعداد لتشكيل القوة الجوية، وأرسل خمسة من الطلاب العراقيين للدراسة في كلية القوة الجوية البريطانية. وفي عام 1931 قدمت الى العراق خمس طائرات، وقامت في تشرين الثاني بأول مناورة عسكرية في منطقة خانقين. وفي  20 آب 1935 وافق مجلس الوزراء على تشكيل نواة لأسطول نهري وأصبح هذ الاسطول في سنة 1937 مكونا من أربع سفن نهرية مزودة بمدافع ورشاشات.

قوبل تشكيل الجيش العراقي وتطور تشكيلاته بالمساندة والتأييد من قبل الشعب الذي ازداد ثقته بالمستقبل وتعززت آماله في بناء عراق قوي مستقل. في حين ارادت بريطانيا تحجيم دور الجيش وتأمين ولائه لها وعدم تهديده مصالح بريطانيا في العراق.

وعلى الرغم من الاجراءات البريطانية، يمكن القول بأن الروح الوطنية هي السمة العامة للجيش العراقي منذ نشأته، ويؤكد انه جيش الشعب وطليعته الواعية.

وهكذا أصبح السادس من كانون الثاني يوما خالدا في تاريخ العراق الحديث، باعتباره يوم تأسيس الجيش العراقي، حيث تجدد في بلاد الرافدين مجد عراقي عريق أصيل طوته السنين حينا من الدهر.

 

المصادر المعتمدة :

1 – د. رجاء حسين حسني الخطاب- تأسيس الجيش العراقي وتطوره ودوره السياسي- 1920 – 1921، (بغداد1976).

2 – وزارة الدفاع، تاريخ القوات العراقية المسلحة، الجزء الأول (بغداد 1987).

3 – ستيفن همسلي لونكرين، العراق الحديث 1900 – 1950، الجزء الأول، ترجمة سليم طه التكريتي، مطبعة حسام ، بغداد.