إن بيان رئيس الوزراء العراقي عادل عبد المهدي الذي أعلن فيه استقالته يمكن أخذه كدراسة حالة تشرح فشل الطبقة الحاكمة في العراق.

أولا: لم يحمل البيان أي كلمات ندم على مقتل أكثر من 400 محتج سلمي وجرح الآلاف الآخرين. وإن عدم وجود تعاطف مع المحتجين يعد بمثابة تذكير صارخ بالمسافة الموجودة بين معظم الطبقة الحاكمة والمواطنين العراقيين.

وثانيا: أوضح عبد المهدي أن استقالته جاءت بعد مطالبة السيستاني بأن يتوصل البرلمان إلى حلول للأزمة الحالية، بدلاً من أن يعلن أن الاستقالة جاءت لتلبية مطالب المحتجين العراقيين أو بسبب فشله كقائد عام في حماية المدنيين الأبرياء من القتلة المدربين. علاوة على ذلك، قال عبد المهدي في بيانه إنه “طرح سابقا خيار استقالته علنا”، دون الاستقالة فعليا، وهو مؤشر على التردد الذي يمكن أضافته إلى مشاكل العراق.

وأخيرا هناك نقص في الوضوح الذي أعقب البيان المنشور. حيث انتظر رئيس الوزراء ليوم آخر قبل تقديم استقالته فعليا. وقد خلق هذا درجة إضافية من الارتباك لا لزوم لها حول من الذي كان مسؤولا في الواقع عن إدارة البلد. ومع ذلك، وعلى الرغم من تقديم استقالته، لم يختف عبد المهدي، بل قال إنه سيقود حكومة انتقالية.

الواقع هو أن وجود عبد المهدي -أو عدم وجوده – ليس هو الشاغل الرئيس للمتظاهرين أو لمعظم العراقيين. فاستبداله بشخصية أخرى لن يحسن بأي حال من الأحوال وضع العراق ولن يرضي المتظاهرين. ولقد مر شهران بالضبط منذ بدء الاحتجاجات في بغداد وعدد من المحافظات.

لا تزال الأسباب الرئيسة لرفض الفساد والدعوة إلى الخدمات الأساسية ورفض التأثير الإيراني على النظام السياسي قائمة ومع ذلك، فقد زاد عدد القتلى وتفاقمت المشكلة بسبب استخدام القوة المفرطة ضد المتظاهرين. وقد طالب أسر المحتجين والنشطاء المدنيين وزعماء العشائر جميعهم بضرورة محاسبة المسؤولين. وحتى الآن، تمسكت الحكومة بموقفها بأنها غير مسؤولة عن الوفيات، وألقت اللوم على “الرماة الملثمين” الذين ما زالوا مجهولي الهوية. إن عدم القدرة على وقف قتل المتظاهرين العزل يشير إلى التواطؤ، إما عن طريق إعطاء الأوامر بالقتل أو عدم القدرة على السيطرة على الشوارع.

عادة ما يتم تقسيم المسؤولين في بغداد إلى ثلاثة معسكرات. أحد المجموعات تضم أولئك الذين يصرون على حملة عنيفة على المتظاهرين ويصفونهم بأنهم “خونة” ويذهبون إلى حد اتهامهم بأنهم جزء من “مؤامرة صهيونية أمريكية”، متبعين أسلوب إيران في الرد على الاحتجاجات الشعبية. وهؤلاء هم قادة الميليشيات الذين شاركوا في قتل العراقيين سابقًا في أوقات الحرب الأهلية. المعسكر الثاني هو معسكر يتكون من مسؤولين مهووسين بـ “العملية السياسية “. وهم إما غير راغبين أو غير قادرين على فهم مدى إحباط العراقيين من النظام السياسي برمته ويأملون في أن تساعد بعض الإصلاحات التي طال أمدها مثل قانون الانتخابات أو الدستور على حل هذا الوضع.

أما بالنسبة للمعسكر الثالث، فهم أقلية صغيرة تعمل وراء الكواليس للتوصل إلى حوار وطني يمكن أن تدعمه الأمم المتحدة، الا أنه مع استمرار ارتفاع عدد القتلى واستمرار صمت جميع الجهات السياسية الفاعلة، فان فرص نجاح أي اقتراح يأتي به هذا المخيم تصبح اقل حجما.

تنخرط الطبقة السياسية الآن في محادثات لتحديد رئيس الوزراء المقبل والحكومة التي سيعينها. وهو حتماً سيكون رجلا، لأن النساء بالكاد كان لهن دور في الحكومات العراقية، على الرغم من وجود حصة إلزامية للنساء تبلغ 25 في المائة من المقاعد البرلمانية. وسيكون التركيز على خليفة عبد المهدي بمثابة إخفاق هائل في هذه المرحلة. فالمطلوب هو تحديد قيادة واضحة في البلاد، قادرة على وقف العنف ضد المتظاهرين، والاتفاق على خريطة طريق سياسية.

ومن التطورات المهمة التي يجب مراقبتها، هي تعيين محافظ جديد لنينوى، وهو الجنرال السابق نجم الجبوري الذي يتمتع باحترام كبير في الموصل، وكان له دور فعال في محاربة تنظيم الدولة داعش، وله علاقات قوية مع الولايات المتحدة. ويمكن أن يكون أحد الشخصيات العسكرية العديدة التي يمكن أن تلعب دورا مستقرا في البلاد. وفي حين أن الاستياء من الجماعات والميليشيات المسلحة مرتفع في العراق، بينما هناك احترام للجيش المؤسس منذ 98 عاما. سيكون إشراك شخصيات عسكرية محترمة دون برامج سياسية أو طائفية في المرحلة المقبلة أمرا بالغ الأهمية.

وبينما تقع المسؤولية على عاتق الطبقة السياسية للتوصل إلى حلول يمكنها حل الأزمة وتحسين آفاق العراق المستقبلية، فإن التحدي الحقيقي يواجهه المتظاهرين الشجعان. يجب عليهم الحفاظ على وحدتهم والتوصل إلى مطالب ملموسة واختيار القادة لبدء عملية سياسية. والأكثر من ذلك، يجب أن يظلوا مسالمين وألا يأخذوا طابع الرجال المسلحين الذين يحاولون تحويل احتجاجهم إلى مظاهرة عنيفة. حيث تكمن قوة المظاهرات في طبيعتها السلمية، رغم الهجمات التي يواجهونها.

ظهر شريط فيديو يوم الجمعة الماضي لأب وهو يبكي على نعش ابنه المتظاهر الذي قتل في الناصرية. حيث قال الرجل العجوز الجليل للمتظاهرين: “لا أبكي على ابني، أبكي من أجل وطني. حافظوا على سلمية الاحتجاجات، وحافظو على شرعيتها ولا تستخدموا العنف”.

 

مينا العريبي/ ذا ناشيونال

ترجمة وتحرير: راسام