ندوة مركز راسام: ثورة العشرين والهوية الوطنية العراقية
ضمن أنشطته المتواصلة، نظم مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية (راسام) ندوة في قاعته بمدينة إسطنبول، تحت عنوان (ثورة العشرين والهوية الوطنية العراقية).
وشهدت الندوة التي انعقدت اليوم السبت (29 يونيو/حزيران 2024)، بإدارة الدكتور جاسم الشمري ومشاركة نخبة من الباحثين العراقيين، وسط حضور شخصيات أكاديمية وإعلامية واجتماعية.
الثورة.. رمز تاريخي مشرق
وشارك د. محمد مظفر الأدهمي في الندوة بورقة حملت عنوان (أثر ثورة العشرين في بناء الهوية الوطنية وتأسيس الدولة العراقية)، وقال إن الثورة مثلت رمزا مشرقا في تاريخ العراق الحديث، لأنها قامت على أساس الوحدة الوطنية من خلال التفاعل بين بغداد والفرات الأوسط والأنبار، للوقوف بوجه الاحتلال البريطاني، فلم يكن للمذهبية والطائفية والعنصرية مكان فيها.
وأضاف بأن جمعية حرس الاستقلال السرية التي تأسست في بغداد، وهيأت سياسيا وفكريا للثورة، قد ضمّت نخبة من العراقيين بمختلف مذاهبهم، ليشكلوا نموذجا للهوية الوطنية العراقية التي أصبحت خيمة لهم في كفاحهم ضد الوجود البريطاني.
وأشار الأدهمي إلى أن يوسف السويدي ومحمد الصدر وعلي البازركان ومحمد مهدي البصير كانوا أقطاب قيادية في بغداد، وأصبح جعفر أبو التمن ومحمد باقر الشبيبي حلقة الوصل بينهم وبين القيادات العشائرية والدينية في الفرات الأوسط ،كما صار الشيخ ضاري محمود نبراسا للتلاحم الوطني بين غرب العراق ووسطه وجنوبه.
وأوضح أن مطالب المؤتمر العراقي كانت قد أكدت بأن النخبة السياسية العراقية التي عبرت عن فكر ثورة العشرين، قد وضعت أسس وحدة العراق الجغرافية والديمغرافية، في إطار وطني واضح المعالم، حيث استخدام مصطلح المؤتمر العراقي يعني الإيمان بوحدة العراق الوطنية.
وأردف: لو دققنا في تركيبة المندوبين الـ15 الذين تم اختيارهم في اجتماع جامع الحيدر خانة ببغداد قبل اندلاع الكفاح المسلح بأربعة أيام، لوجدناهم يمثلون الشعب العراقي بعربه ومسلميه وطوائفه وشرائحه الاجتماعية بما فيهم المسيحيين واليهود.
وأكد الأدهمي في ورقته البحثية على أن الثورة كانت أساسا وركنا مهما للوطنية الجامعة في العراق، والتي وحدت أبنائه في انتهاج طريق واحد مشترك في مواجهة الاستعمار البريطاني بالكفاح المسلح والسعي بعد الثورة لأن يكون العراق دولة مستقلة موحدة، بعيدة عن أي نفوذ أجنبي مهما كان النوع.
دور الضباط في الثورة
بدوره شارك مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين بالعراق د. مثنى حارث الضاري بورقة بحثية حملت عنوان (عناصر الهوية الوطنية الجامعة في ثورة العشرين.. قراءة في مشاركة الضباط العراقيين في الثورة).
وأكد الضاري بأن موضوع الهوية الوطنية لثورة العشرين كثيرا ما كان يدرس من أبعاد مختلفة وزوايا نظر متنوعة تستقرأ هذه الأبعاد، وتستنتج من المعلومات والدلالات المهمة والثرية للرؤية الوطنية للثورة وتزيد رصيد الثورة الثقافي والفكري.
وبيّن أن قراءة هذا الموضوع من زاوية الضباط المشاركين فيها، والتعرف على أعدادهم وخلفياتهم وتوجهاتهم، وأسباب مشاركتهم وقواطع عملهم فيها، وجهودهم المبذولة، يمكن أن يعزز هذه الرؤية، ويؤكد على أن الثورة هي ثورة العراق الكبرى، وواحدة من مقومات الهوية للعراق بتاريخه المعاصر.
وأشار مسؤول القسم السياسي في هيئة علماء المسلمين إلى أن مشاركة الضباط العراقيين الذين خدموا في الجيش العثماني في التحضير للثورة وإسهامهم المؤثر كانت تحمل دالة على انخراط العراقيين جميعا في الدوام فهم ينحدرون من مناطق ومدن مختلفة في العراق.
وأضاف الضاري بأن الضباط المشاركين في الثورة قد انتشروا على ساحات المختلفة، كل بحسب ظرفه أو المهمة الموكلة له من جمعية حراس الاستقلال ببغداد أو جمعية العهد في الموصل وسوريا.
وأكد في ورقته البحثية بأن ثورة العشرين هي ثورة شعبية اشتركت فيها القوى المجتمعية العراقية جميعا، وليست ثورة مقصورة على فئة ما من المجتمع، كما تحاول إظهارها بعض الدراسات، وتحديدا الدراسات السوفيتية، التي كانت تقول بأنها ثورة فلاحين أو ثورة طبقية.
ولفت الضاري إلى أن مشاركة الضباط في الثورة بمناطقها المختلفة، كان عاملا من عوامل تكوين الهوية الوطنية الجامعة لأبناء الثورة والعراق فيما بعد، لتنوع خلفياتهم ومكوناتهم.
وأردف: تابع قسم من الضباط العمل على التمكين للمفاهيم الوطنية والقومية العامة، ولاسيما من تسنى منهم مناصب عسكرية أو سياسية أو إدارية في الدولة العراقية، أو من خلال إعطاء بعضهم الفكري ومؤلفاتهم المعنية بتاريخ العراق والسياسة وغيرهما من الاهتمامات.
وأشار الضاري إلى رصد ورقته البحثية أسماء قرابة 30 ضابطا ممن شاركوا في أعمال الثورة، فضلا عن عدد من الضباط العرب من غير العراقيين، ولعل مواصلة البحث في هذا الموضوع قد تظهر أسماء جديدة من الضباط المشاركين.
أهمية توثيق الثورة
كما شارك الباحث د. رافع الفلاحي بورقته البحثية وحملت العنوان (ثورة العشرين.. رؤية عراقية)، وسلط الضوء فيها على أهمية تجنب ما حدث من أخطاء في توثيق الأحداث المهمة في ثورة العشرين، لافتا إلى أنه ليس كل من كتب عن الثورة كان أمينا ووطنيا، إذ كتب بعضهم لغايات أخرى.
وأضاف بأن توثيق ثورة العشرين العراقية يتطلب بحثا وقراءة متأنية للوقائع التي حصلت، فضلا عن تصحيح بعض الأخطاء التي كتبت، لأن السكوت وطمس الحقائق سيحول التاريخ إلى أداة فرقة وتشتيت.
وأكد الفلاحي على أن ثورة العشرين جاءت نتيجة طبيعية لأحداث وقعت في العراق ومنها احتلال بريطانيا لمناطق عراقية واسعة، مما دفع القوى الوطنية للتحرك من أجل التحرر.
ولفت أيضا في ورقته البحثية إلى أن عدم التزام بريطانيا بوعودها المتضمنة دعم البلدان الناشئة وتخليها عن وعودها دفعت الثوار العراقيين للقيام بثورتهم الوطنية الكبرى لمواجهة الاحتلال البريطاني.
ويرى الفلاحي أن ثورة العشرين هي ثورة عراقية شعبية وطنية، فموقف رجال الدين منها وإسنادها ودعمها يعتبر جزءا من واجباتهم الدينية والدنيوية، كونهم مسلمين والإسلام يحث على الجهاد.
وأردف قائلا: كثير من المقارنات تحاول تزوير الحقائق التاريخية لثورة العشرين، فالثورة لها مقدمات وقيادات وطنية عملت بعيدا عن البعد الطائفي والقومي.
وأوضح الفلاحي أن ما كتب عن الثورة من بحوث ودراسات أكاديمية وغيرها، كانت أكثر مما كتب عن الثورات الأخرى، حيث كتب عن الثورة العراقية الكثير من الباحثين العراقيين والعرب والانجليز وغيرهم.
وأكد الفلاحي بأن البحث في الثورة يحتاج إلى أشخاص يمتلكون ضمائر ومعرفة وقدرة ورؤية حقيقة لتحليل الأحداق وقراءته بشكل دقيق ثم تقديمه إلى المواطن، فالتاريخ ليس كالقصص التي تروى.
واختتم مدير الندوة د. جاسم الشمري جلسة الندوة، متحدثا عن ضرورة الدقة في البحث وقراءة في وقائع ثورة العشرين والتي تتطلب الحكومة والموضوعية، بعيدا عن الانتماء الفكري أو الطائفي للباحث.
كما أكد الشمري على أن ثورة العشرين هي ثورة عراقية وطنية ثارت ضد سياسة تهنيد العراق وضمه إلى بريطانيا، وهذا جانب مهم يجب تسليط الضوء عليه.
وشهدت ختام جلسة الندوة مداخلات وإضافات للحاضرين من الباحثين والإعلاميين والمتهمين بموضوع الندوة، متحدثين على أهمية توثيق وقائع الثورة وما حصل في بعض محطات الثورة والتي تغيب عن الكثير من العامة.
كما أكدوا على أهمية الورقات التي قدمها الباحثون في الندوة، ومواضيعها الدقيقة التي سلطت الضوء على جوانب مهمة من تاريخ الثورة، مثمنين دور مركز راسام في تغطية ثورة العشرين وجهودهم في تنظيم الندوة.

