يحاول الرئيس الأمريكي جو بايدن التخلص من لقب بات ملازماً له في معظم الولايات الأمريكية، وهو “الإبادة الجماعية لجو”، بل بات فريقه يزداد يقيناً أن هذا اللقب والقضية التي تقف وراءه قد تكون الموضوع الذي “سيغرقه” في سباق الانتخابات المقبلة.
وفي محاولة لتغيير آراء وعواطف الشعب الأمريكي وتحت ضغط ماكينة الدعاية الصهيونية في الولايات المتحدة، نشرت صحيفة “وول ستريت جورنال” مطلع شهر فبراير/شباط الجاري مقال رأي ينتقد “المشاعر المعادية لإسرائيل القادمة من بعض الأئمة والمقيمين في ديربورن، ميشيغان، التي تسكنها أغلبية عربية أمريكية”؛ حيث ذكر مقال رأي حمل عنواناً تحريضياً هو، “ديربورن عاصمة الجهاد” أعتبر الكاتب فيها المدينة بأنها “عاصمة الجهاد” في أمريكا. لكن رد الفعل على هذا المقال سرعان ما جاء بصيغة “الإدانة” من قِبل القادة السياسيون في ديربورن، وحاكمة ميشيغان، غريتشن ويتمر، وديمقراطيون آخرون، واعتبروا نشر الصحيفة لمقال بهذا التوجه هو بقصد نشر “كراهية الإسلام”.
ورغم تعليق الرئيس الأمريكي جو بايدن السريع على هذا المقال عِبر منصة X: “يعلم الأمريكيون أن إلقاء اللوم على مجموعة من الناس بناءً على كلمات قلة قليلة هو أمر خاطئ. وهذا بالضبط ما يمكن أن يؤدي إلى كراهية الإسلام والكراهية ضد العرب، ولا ينبغي أن يحدث ذلك لسكان ديربورن – أو أي مدينة أمريكية يجب أن نستمر في إدانة الكراهية بجميع أشكالها. “، إلا أن مجريات الأمور في الساحة السياسية داخل الولايات المتحدة تشّخص الأمور بشكل مختلف؛ فقد أثبت هذا الحراك ورد الفعل عليه وجود مشكلة حقيقية للديمقراطيين قبل انتخابات عام 2024.
صحيفة THE ECONOMIES / YOUGOV وجدت من خلال إستبيان أجرته في شهر يناير/كانون الثاني الماضي أن 51% من ناخبي بايدن لعام 2020 يقولون إن حرب إسرائيل ضد غزة “قاسية للغاية”. والأسوأ أن نصف هؤلاء الناخبين يقولون إن إسرائيل ترتكب “إبادة جماعية للفلسطينيين”. كما تشير الصحيفة إلى أن موظفي البيت الأبيض وبعض الموظفين الفيدراليين في إدارة بايدن ينقلبون ضده بسبب دعمه المطلق لإسرائيل.
ومع مواجهة إسرائيل لإدانتها بارتكاب جرائم إبادة جماعية وجرائم حرب في غزة من قبل محكمة العدل الدولية في لاهاي، فإن محامو الرئيس جو بايدن كانوا يدافعون عنه أمام قاضي فيدرالي في قاعة محكمة اتحادية في أوكلاند، كاليفورنيا؛ حيث رفعت مجموعة من الفلسطينيين وجماعات الحقوق المدنية في الولاية دعوى قضائية ضد الرئيس بسبب فشله المزعوم في منع الإبادة الجماعية في غزة وكذلك ضد وزير الدفاع لويد أوستن ووزير الخارجية أنتوني بلينكن، مشيرين إلى انتهاك القانون الدولي والفدرالي، ولعل هذه الدعوى تمثل سابقة أمريكية حيث أنها المرة الأولى التي يواجه فيها رئيس أمريكي مزاعم الإبادة الجماعية في محكمة أمريكية ، والمطالبة بتطبيق الالتزامات الأمريكية تجاه اتفاقية الإبادة الجماعية وقانون تنفيذ اتفاقية الإبادة الجماعية، الذي وقع عليه الرئيس السابق رونالد ريغان في عام 1988 ليصبح قانونًا. وتم تمريره من خلال الكونجرس على يد سيناتور أمريكي من ولاية ديلاوير يُدعى “جو بايدن”.
يستغرب الأمريكيون، والجماعات الحقوقية على وجه الخصوص أن تمنح الولايات المتحدة المزيد من أسلحتها وأعتدتها لإسرائيل التي تقوم باستخدامها بنية الإبادة وقتل عشرات الآلاف من الأطفال والنساء بدمٍ بارد، وقد وصفت صدف دوست، زميلة بيرث جاستيس في مركز الحقوق الدستورية، لصحيفة “الإندبندنت”: بـ”إنها جريمة الجرائم”.
منذ عملية “طوفان الأقصى” في قطاع غزة بتاريخ 7 أكتوبر/تشرين الأول الماضي. قتلت إسرائيل أكثر من 28 ألف فلسطيني، من بينهم أكثر من 18 آلاف طفل وإمرأة، وفقًا لوزارة الصحة في غزة.
جون كيربي، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي بالبيت الأبيض، فند لصحيفة “الإندبندنت” نهاية الشهر الماضي إن الإدارة لن تعلق على الدعوى القضائية المرفوعة ضدها، ولم يتغير شيء بشأن وجهة نظر الرئيس القوية بأن علينا الاستمرار في التأكد من أن إسرائيل لديها ما تحتاج إليه”. الدفاع عن نفسها”. في حين حدد قانون تنفيذ اتفاقية الإبادة الجماعية ( رعاه السيناتور بايدن آنذاك) ،جريمة الإبادة الجماعية – المحددة في القانون الفيدرالي بأنها الأفعال المرتكبة بنية محددة لتدمير أفعال مجموعة قومية، أو إثنية أو عنصرية أو دينية – كجريمة يعاقب عليها بالسجن لمدة تصل إلى 20 عامًا إلى السجن مدى الحياة.
الرئيس الأمريكي جو بايدن، وبعد رحلة سياسية تجاوزت الخمسين عاماً في سجله السياسي في الولايات المتحدة قد تنتهي بـ “عار دعم الإبادة الجماعية حيث قدم عن عمد المساعدة العسكرية والسياسية والقانونية والإعلامية التي كان لها تأثير كبير على ارتكاب انتهاكات إسرائيل للقانون الدولي، وعلى وجه التحديد على أعمال الإبادة الجماعية والقتل والتدمير بحق السكان الفلسطينيين في قِطاع غزة، ومن هنا فإن شعار “الإبادة الجماعية جو” ليس شعاراً لإسقاط الرئيس الأمريكي جو بايدن إنتخابياً فقط ، بل هو وصمة عار في سجله الشخصي والوطني سوف ستلاحقه تاريخياً و كل من يرتبط به، وحالياً لا يمكن للرئيس الأمريكي أن يظهر علناً دون أن يتعرض للاحتجاج على دوره في “الإبادة الجماعية” التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين في قطاع غزة.
إدارة بايدن التي منحت إسرائيل تفويضاً مطلقاً لتنفيذ “الإبادة الجماعية” في غزة مع الإفلات التام من العقاب، وتسليم الأسلحة بشكل شبه مستمر، وحتى تجاوز الكونغرس لإعطاء الضوء الأخضر لمبيعات الأسلحة إلى إسرائيل، تتمتع أيضاً بسلطة وقف تقديم المساعدات العسكرية لإسرائيل في أي لحظة.
وزير الخارجية أنتوني بلينكن، ليس بعيداً عن مشهد الحراك الجماهيري المعترض لسياسة إدارة بايدن، فأمام مقر إقامته في شمال فيرجينيا يعتصم النشطاء منذ ما يقرب من أسبوعين، احتجاجًا على دوره في “الإبادة الجماعية” التي ترتكبها إسرائيل ضد الفلسطينيين في غزة. ونظم المعتصمون فيما يسمونه “مكب الدماء”؛ حيث يسكبون الطلاء الأحمر على الشارع الضيق خارج منزل بلينكن عندما يغادر هو أو أفراد الأسرة الآخرون وعند عودتهم؛ في دلالة رمزية للقتلى أطفال غزة، كما يقول منظم الإعتصام، حزامي برمدا.
مكبات الدماء المزيفة باتت تقليداً للكثير من النشطاء والمتظاهرين
ففي الشهر الماضي، كان هناك “مكباً للدم” عند مدخل الموظفين بالبيت الأبيض، مما أجبر موظفي إدارة بايدن إما على الوقوف أو التجول حول الدم المزيف في طريقهم داخل وخارج العمل، ومن قبلها قام نشطاء بإلقاء دماء مزيفة خارج مقر شركة رايثيون، وهي شركة أسلحة أمريكية عملاقة تزود الجيش الإسرائيلي بالأسلحة. وشمل المشهد شركات تصنيع الأسلحة الأخرى وخارج منزل سفير إسرائيل لدى الولايات المتحدة، مايكل هرتزوغ، وشقيقه الرئيس الإسرائيلي يتسحاق هرتزوغ.
“إلى أن يتم التوصل إلى وقف لإطلاق النار في غزة، ستكون هناك احتجاجات واضطرابات في كل حدث خاص ببايدن. هذه مجرد حقيقة”، غردت مجموعة (IFNOTNOW)، وهي مجموعة يهودية أمريكية تقدمية، في وقت سابق من هذا الشهر. فيما قال أحد قادة النقابات الأمريكية “الرئيس الذي يدعم الإبادة الجماعية ويرسل الأموال والأسلحة إلى إسرائيل لقتل الأطفال والأسر، هذا ليس شيئًا أشعر أنه يستحق تأييدي”.

