د. فارس الخطاب
” إن المظالم الفلسطينية طويلة الأمد مشروعة”، ذلك ما قاله أنطونيو غوتيريش، الأمين العام للأمم المتحدة، في كلمته أمام مؤتمر القاهرة للسلام ، الذي انعقد في جمهورية مصر العربية بتاريخ 21 إكتوبر 2023م ، ورغم إشارته للهجوم الذي شنته “حماس” على معسكرات ومستوطنات غلاف غزة إلا أنه أكد بوضوح أن هذه الهجمات “لا يمكن أبدا أن تبرر العقاب الجماعي للشعب الفلسطيني ” ، والأهم من ذلك تشديده على ضرورة امتثال الكيان الصهيوني “للقانون الدولي الإنساني واتفاقيات جنيف وحماية المدنيين والامتناع عن شن الهجمات على المستشفيات والمدارس ومنشآت الأمم المتحدة التي تؤوي حالياً نصف مليون شخص” ، وشدد غوتيريش على ” أن الوقت قد حان للعمل على إنهاء هذا الكابوس المروع وبناء مستقبل يليق بأحلام أطفال فلسطين وإسرائيل والمنطقة والعالم”.

ورغم أن حديث الأمين العام للأمم المتحدة يمثل تطوراً في كشف ومواجهة الصلف والغطرسة الإسرائيليين، إلا أن واقع الحال يقول ، وهو يعلم ، أن قادة هذا الكيان لا يكترثون لما تقوله المنظمة الأممية ، طالما أنها تمتلك سلطة القرار للدول العالمية الكبرى ، والكثير من قادة الدول الأخرى ، بسبب تغلغل حكومتها السرية وتحكمها في مفاصل الاقتصاد والإعلام الدوليين ، وقد شهد العالم أجمع كيف هرع جو بايدن ، رئيس أقوى دول العالم ، الولايات المتحدة ، للتباكي على قتلى الكيان الغاصب المحتل لإراضي فلسطين ، وقراراته المتلاحقة بفتح مخازن الأسلحة والأعتدة لتستخدمها “إسرائيل” بالانتقام من أطفال ونساء وشيوخ شعب غزة المدنيين ، وتبعه في ذلك السباق الشرير العديد من دول أوروبا لتوفير جسور جوية وبحرية من إمدادات الأسلحة لإبادة شعب لا حول له ولا قوة وليس لديه ما يدفع به الأذى عن نفسه ، شعب شهد العالم أجمعه كيف أنه انتظر الموت في بيوته التي دمرتها صواريخ وقذائف الكيان الصهيوني والتي سوت أبنية شمال غزة بالأرض وعلى رؤوس ساكنيها.

كل العالم اليوم يعلم أن “إسرائيل” لم تلتزم أو تلتفت لإي بندٍ من بنود القانون الدولي الصارم الذي يحكم أوضاع التعامل مع المدنيين في حالات الحروب، وأشارت جهات عديدة إلى أن تصرفات “إسرائيل” سيتم فحصها من قبل دول عديدة والأمم المتحدة والمحكمة الجنائية الدولية والمجتمع المدني بما يخلق رأي عام رافض لجرائمها البشعة بحق المدنيين في غزة ، فالمادة الثالثة في اتفاقيات جنيف لعام 1949م، اشترطت المعاملة الإنسانية للمدنيين والمادة 51 من البروتوكول الأول للاتفاقيات تحمي السكان المدنيين من الهجمات المسلحة ، والمادتين 7 و8 من نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية المتعلقة بجرائم الحرب والجرائم ضد الإنسانية ، كلها ، إضافة إلى العديد من الفقرات الصريحة والمتطابقة مع سلوك “إسرائيل” الإجرامي والإرهابي التي تدينها قانونياً ، إذا ما امتلك القانون “قوته” التي لم يمارسها حتى الآن بحق الكيان الصهيوني المُحتَل ولا بحق الدول الكبرى التي مارست جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية بحق شعوب كثيرة كالجرائم التي ارتكبت بحق الشعب العراقي من قِبَل الولايات المتحدة التي احتلت هذا البلد دون غطاء قانوني ومارست شتى أبشع أنواع الجرائم بحق شعبه.

إن “إسرائيل” لم تصادق على البروتوكولين الأول والثاني لاتفاقيات جنيف 1949م والمتضمنين “حماية المدنيين والممتلكات والبيئة أثناء الحرب”، لذلك فإنها تدعي دائماً أن ما تقوم به من جرائم في غزة هي “للدفاع عن النفس، وضمان أمن إسرائيل”، ومن غرائب الأمور أن تعلن وزارة نتنياهو بصراحة أن أهم واجهاتها للدفاع عن النفس هو “القضاء على حماس بشكل كامل ، وأن طريق هذا القرار سيمر فوق جثث سكان غزة المدنيين ، وكلما تمكنت من زيادة عديد القتلى من هؤلاء المدنيين ، فإن ذلك يعني قوة الحزام الأمني للكيان ولأجيال مقبلة”.

خبراء القانون الدولي ، في الولايات المتحدة والمملكة المتحدة وأوروبا ينصحون “إسرائيل” بطرائق الانتقام من غزة وشعبها وصولاً إلى “حماس” ، للمناورة تجاه القوانين الدولية لحقوق الإنسان أثناء الحروب ، وأهمها إبعاد التصريحات المتعلقة بإبادة شعب غزة كطريق لإبادة “حماس” عن خارطة العمليات العسكرية التي تجري هناك ، كما ينصح هؤلاء الخبراء “إسرائيل” بإبراز نجاح حملات القصف الجوي والمدفعي في قتل مقاتلي “القسام” و “الجهاد” ، وتهيئة الإعلام بكل وسائله ، المحلية والدولية بعدم إظهار حجم الضرر الواقع على البنى التحتية المدنية ؛ كالمستشفيات ، وملاجئ الأمم المتحدة للمدنيين، والمدارس، ودور العبادة ، وغيرها .

لقد قتلت “إسرائيل” حتى كتابة هذه المقالة ، بحدود 7000 فلسطينيا من غزة بينهم أكثر من 1800 طفلا و1000 امرأة، بالإضافة إلى أكثر من 13 ألف جريح، مقابل أكثر من 1400 قتيل إسرائيلي، ورغم تحويل الجزء الشمالي من غزة إلى ركام، إلا أن عمليات القصف الجوي والأرضي لكل أطراف هذه المدينة لم تتوقف، وهو ما وضع المسؤولين الأمميين في حرج وظيفي وأخلاقي مباشر، مارتن غريفيث، وكيل الأمين العام للأمم المتحدة للشؤون الإنسانية، قال: “رسالتي إلى جميع الأطراف واضحة لا لبس فيها: يجب احترام قوانين الحرب”، وبحسب ” The economist ” فإن القوانين الدولية تشمل حقوق الدول في الدفاع عن نفسها، ودرجة القوة التي يجوز لها استخدامها، وحماية غير المقاتلين. تستند قواعد الحرب إلى الممارسات الدولية المشتركة من خلال صكوك مثل اتفاقيات جنيف لعام 1949م، ويجب التفريق هنا بين جرائم الحرب التي ترتكبها قوات الاحتلال خلال عملياتها العسكرية، وبين سعي الشعوب المحتلة من خلال نضالها التحريري، كما أعلنته المنظمات الفلسطينية المختلفة منذ أكثر من ستة عقود، مع مراعاة الحفاظ على المدنيين وإبعادهم عن دائرة العنف. لكن هل هذا ما تم إسقاطه على حق الشعب الفلسطيني في تحرير أرضه ومقدساته من احتلال “صهيوني” يشهد عليه العالم أجمع؟ بالطبع هذا لم يحدث ذاك أن جميع منظمات التحرير الفلسطينية؛ فتح؛ جبهة التحرير العربية، الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين ، الجبهة الديمقراطية ، جبهة النضال ، منظمة طلائع حرب التحرير الشعبية (الصاعقة) ، الجبهة العربية الفلسطينية ، وغيرها ، وسمت جميعها بالإرهاب ، وبالتالي تختلف معايير التعامل مع هذه المنظمات قانونياً وسياسياً وعسكرياً ، وهو ما ناسب تكريس الاحتلال وتوسعه ، بل واستهتاره بالقانون الدولي من خلال إطلاق يدها ليس في فلسطين المحتلة فقط ، بل بكل دول الإقليم ، خاصةً دول الطوق المحيطة بها دون أي متابعة قانونية .

وزير الدفاع الأمريكي لويد أوستن خلال زيارته لإسرائيل في 13 إكتوبر 2023م قال، إن “الديمقراطيات مثل ديمقراطيتنا تصبح أقوى وأكثر أمنا عندما نتمسك بقوانين الحرب”. وأضاف: “الإرهابيون مثل حماس يستهدفون المدنيين عمدا، لكن الديمقراطيات لا تفعل ذلك”. ومن خلال أسلوب القتل البربري الذي مارسته “إسرائيل” تجاه مدنيي غزة والذي برهنت فيه على “تمسكها” بقوانين الحرب، فقد رأى أوستن بإم عينيه روعة الديمقراطية الإسرائيلية ومن قبلها الأمريكية، وهو ما أثبتته حجم الخسائر البشرية نتيجة استخدام أسلحة بلاده لتدمير مدن كاملة فوق رؤوس قاطنيها مع قطع شرايين الحياة من ماء وغذاء ودواء ووقود وكهرباء ومخابز ومستشفيات ، بما يضع أوستن وبلاده و”إسرائيل” تحت طائلة القوانين الدولية لحقوق لكونهما مسؤولين عن قتل المدنيين عمداً خلال حرب تحرير وليس حرب احتلال كما فعلت بلاده في أفغانستان والعراق .

وصف جان إيجلاند، الأمين العام للمجلس النرويجي للاجئين، أن ما تقوم به “إسرائيل” في غزة هو إنتقاماً وليس عملية عسكرية تختص بمواجهة مقاتلي “حماس” ، وطالب “إسرائيل” الالتزام بقوانين الحرب وأن يكون الرد على الهجوم هدفه إلحاق الهزيمة العسكرية بمقاتلي هذا التنظيم، بدلاً من العقاب الجماعي لمجموعة أوسع من الناس بسبب الخسائر التي لحقت بهم ، وأكد إيجلاند ” أن العقاب الجماعي لعدد لا يحصى من المدنيين غير قانوني بموجب القانون الدولي” ؛ هذا القانون الدولي يُحظر على الطرف المتحارب إيذاء غير المقاتلين عمداً أو شن هجمات لا تميز بين الأهداف العسكرية والمدنية ، من هنا تعتبر مواقع مثل المحلات التجارية والمستشفيات والمدارس وأماكن العبادة منشآت مدنية يُحظر عادةً شن الهجمات عليها وإذا ما حدثت فإنها تشكل جريمة حرب دون أي لبس.

إن قوانين الحرب صدرت منذ قرون عديدة، ولكن نسختها الحديثة جاءت بعد الحربين العالميتين الأولى والثانية، وفي ميثاق الأمم المتحدة لعام 1945م، ومن خلال اتفاقيات جنيف لعامي 1949 و1977م، تم تطوير القانون الجنائي الدولي الذي أدى إلى إنشاء المحكمة الجنائية الدولية عام 2002م. إن قانون الحرب الذي توافقت عليه أغلب دول العالم ، هو قانون صارم للغاية بحسب أونا هاثاواي، الأستاذة في كلية الحقوق بجامعة ييل والمؤلفة المشاركة لكتاب “الأمميون: كيف تعمل خطة جذرية لحظر الحرب من جديد”، وهو يمنع الدول بشكل أساسي من استخدام القوة ضد بعضها البعض إلا في حالة الدفاع عن النفس”. لكن يبقى السؤال الأهم في هذا الموضوع وهو الخلط بين بين قوة القانون نفسه والطريقة التي يتم بها إدارته، وهو ما يعني التفريق بين قوة القانون وقانون القوة الذي تمارس به “إسرائيل” حربها البشعة بحجة الدفاع عن نفسها.

مونيكا حكيمي، الأستاذة في كلية الحقوق بجامعة كولومبيا، علقت عن هذا الموضوع بإن “القانون الدولي يفصل تقليدياً بين الاثنين في محاولة لحماية الأشخاص في الحرب، بغض النظر عن مبرر الاستخدام الأولي للقوة”. “لقد أرادوا التأكد من أن كلا الجانبين يتمتعان بحماية متساوية في الحرب، وذلك لجعل الحرب إنسانية قدر الإمكان”، وهو ما يؤكد عليه توم دانينباوم، الأستاذ في كلية فليتشر بجامعة تافتس والخبير في القانون الإنساني ، ويضيف “الطريقة الأكثر مباشرة للتفكير في ذلك هي أن الحماية هي حماية للبشر إذ أن العديد من هؤلاء البشر لا علاقة لهم بالانتهاكات التي ترتكبها الدولة أو الجماعات المسلحة غير الحكومية التي يرتبطون بها بطريقة أو بأخرى”. وقال إنه لن يكون من المنطقي تقليل أو إلغاء حقوق المدنيين كرد فعل على سلوك الجماعات المسلحة التي لا يسيطرون عليها”.

إن قانون القوة يعني أن الطرف القوي هو الذي يضع آليات تفاصيل ومجريات هذا القانون ، وهو ما ينطبق بقوة على الكيان الصهيوني ؛ فهو من تأسيسه بمساعدة الدول الاستعمارية الكبرى ، بُني على فرضية واحدة ؛ أن يكون الأقوى أمام كل القوى المحيطة به مجتمعةً ، لذلك هو يمتلك أقوى وأكبر وأحدث ترسانة أسلحة دائماً ، كما يمتلك واحدة من أكبر خزائن الأسلحة النووية وأسلحة الدمار الشامل تكفي لتدمير كل المدن الرئيسة في الوطن العربي والإقليم ، مع سيطرة مطلقة على هوامير الإعلام الدولي وأدواته ، والمؤسسات الحاكمة في الدول الضامنة لبقائه وتمدده وتغطية جرائمه بما يجعله بعيداً عن أي مساءلة أو إدانة وعقوبات دولية.

أما قوة القانون، فهي القوة التي تطبق على الدول والمنظمات التي تسعى للاستقلال بقراراتها وبناء قدراتها الاقتصادية والعسكرية والتعليمية، وبما يضمن بقائها تحت مظلة الملاحقة والمتابعة وربما العقوبات، كما هو الحال في دول كثيرة حول العالم ومنها دول عربية وإقليمية.

الفيلسوف الفرنسي “جاك دريدا”، فرّق بين “قوة القانون” و”قانون القوة”، فيقول،” إن الفارق كبير وشاسع بين قوة القانون، وقانون القوة؛ فقوة القانون تعني أن سيادة القانون سوف تحقق العدالة المطلوبة والناجزة وهي معصوبة العينين، ومن ثم يزداد الانتماء ويقوي ويدفع باتجاه بناء الدولة العصرية الحديثة ويحافظ على الطاقة الإيجابية لظهير الدولة من البسطاء، بينما قانون القوة يسحق الضعفاء ويطمس العدالة ويخلق حالة من فقدان الثقة في الدولة ويهدد أمنها وسلامها الاجتماعي”.

إن جريمة قتل شعب كامل بدمٍ بارد ووحشية لم ير مثلها الإنسان في العصر الحديث أمام مرأى ومسمع مليارات البشر في أرجاء الكرة الأرضية وبتغطية مخزية من قبل رؤوساء أكبر دول العالم “الديمقراطي” كالرئيس الأمريكي، جو بايدن ، ورئيس الوزراء البريطاني ، ريشي سوناك ، والمستشار الألماني أولاف شولتس ، وكذا الرئيس الكندي والفرنسي والإسترالي ، وغيرهم، لن تمر مرور بقية الحوادث التاريخية ، فالعالم تغير بوسائل تواصله وبدرجات وعيه، والجرائم التي يستهتر بها الكيان الصهيوني سيكون لها صداها في الجيل الحالي والأجيال المقبلة حيث تنذر الأوضاع الحالية والاستخدام المفرط لقانون القوة ولادة قوى وربما دول سيكون شعارها ومنهجها استخدام القوة على حساب إي تبعات قانونية ، وهو وجه من أوجه الفوضى الخلاقة التي سعت وتسعى لها المنظمة الصهيونية الدولية.

مقال خاص براسام