د. فارس الخطاب

لم تكن تصريحات وآراء الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون التي أدلى بها لصحيفة (لي إيكوس وبوليتيكو) الفرنسية خلال زيارته للصين بشأن الورطة الأوروبية في مستنقع أوكرانيا وكذلك الأزمة المتوقعة مع الصين بشأن تايوان وإيقاعه اللوم بشكل رئيس على استراتيجية التبعية شبه المطلقة لقرارات واشنطن، محظ صدفة أو تعبير عن موقف عابر للرئيس الفرنسي الذي سبق وأن طرح موضوع ضرورة اتباع أوروبا لاستراتيجية مستقلة عن واشنطن.

صحيح أن تصريحات ماكرون الخطيرة جاءت بعد زيارته إلى الصين لكنها جاءت أيضاً وسط تصعيد خطير في الحالة الصينية-التايوانية تمثل بالمناورات العسكرية للصين شملت جميع أنحاء تايوان رداً على اجتماع الرئيسة التايوانية (تساي إنغ ون) مع رئيس مجلس النواب الأمريكي كيفن مكارثي في نفس اليوم الذي وصل فيه ماكرون إلى الصين، وقد سنحت تلك الإجراءات الصينية للرئيس الصيني (شي جين بينغ) أن ينقل لضيفيه الرئيس الفرنسي (إيمانويل ماكرون) ورئيسة المفوضية الأوروبية (أورسولا فون دير لاين)، خلال اجتماع ثلاثي جمعهما لمناقشة دور الصين في حل مشكلة الحرب الأوكرانية ، نقل بوضوح رؤية الصين لملف تايوان ، وبيّن لضيفيه حقائق التاريخ والجغرافية ، فيما عرى دور الولايات المتحدة لجعل هذه الجزيرة إلى قاعدة أمريكية معادية للبلد الأم (الصين) وتحويلها إلى خنجر لمنع الاستقرار والازدهار في منطقة بحر الصين الجنوبي وهو ما لم ولن تسمح به بلاده.

في موضوع أوكرانيا، ما زالت المبادرة الصينية للسلام ذات الـ (12) نقطة والتي أعلنتها بيجين في فبراير الماضي تمثل بحسب ماكرون النافذة الوحيدة للبناء عليها في تحقيق قاعدة للدبلوماسية يمكن أن تفضي إلى مفاوضات دولية تجمع روسيا وأوكرانيا على مائدة واحدة، وهو نفس موقف أورسولا فون دير لايين التي سبق لها وأكدت أن “الطريق التي ستواصل فيها الصين التصرف حيال حرب بوتين ستشكل عاملا حاسما في مستقبل العلاقات بين الاتحاد الأوروبي والصين”.

إن الحقائق التي واجه بها الرئيس الصيني ضيفيه أرجعت الرئيس الفرنسي إلى مربع العلاقات الأوروبية – الأمريكية وأعادت إلى الواجهة تصريحاته التي أطلقها خلال فترة حكم الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب، ولكن هذه المرة من واجهة العلاقات مع الصين حيث أكد أن على أوروبا” ألا تسرع الصراع، بل أن تأخذ الوقت الكافي لبناء موقعها كقطب ثالث بين الصين والولايات المتحدة”، وأضاف ” إن أسوأ شيء هو الاعتقاد بأننا نحن الأوروبيين يجب أن نصبح أتباعًا في هذا الموضوع وأن نتكيف مع الإيقاع الأمريكي”.

لم تكن تصريحات الرئيس الفرنسي، وهي عبارة عن مواقف أكثر منها تصريحات صحفية ، وأظن أن حجم تأثيرها على قيادات أوروبية عديدة سيظهر خلال الأشهر القليلة المقبلة وهو ما سيجعل قراءة الموقف الأوروبي من قضايا الحرب الأوكرانية ومشاكل الصين وحتى قضايا الشرق الأوسط ، صعبة جداً ؛ فتناول ماكرون ملفات حساسة ومهمة كقوله “إنه يتعين على أوروبا تمويل صناعتها الدفاعية بشكل أفضل وتطوير الطاقة النووية والمتجددة وتقليل الاعتماد على الدولار للحد من اعتمادها على الولايات المتحدة” ، يمثل خارطة طريق أوروبية جديدة لن يطول الزمان كثيراً حتى تتحول إلى واقع دولي ملموس.

الرئيس الفرنسي أيقن وبشكل ملموس عبر ما قدمه له الرئيس الصيني خلال اجتماعه معه أن الحرب الروسية على أوكرانيا (وهو اسم فيه أغراض أمريكية خبيثة لإنها رفضت تسمية العالم لحربها على العراق عام 2003م بذات المعنى) ليست هي من ستتسبب بحرب عالمية ، لكن التدخل الأمريكي في جزء من الأراضي الصينية (تايوان) وتشجيعها ودعمها لدول أخرى في المنطقة وعلى رأسها اليابان، على استفزاز بيجين ، هو من سيجعل أبواب هذه الحرب مشرعة وبقوة بأي لحظة، من أجل هذا أكد ماكرون أن على ” أوروبا أن تنأى بنفسها عن التوترات بين الولايات المتحدة والصين بشأن جزيرة تايوان وأن تصوغ استقلالها الاستراتيجي في كل شيء من الطاقة إلى الدفاع ، وأن تظل مركزة على أهدافها الخاصة “.

لقد حاولت واشنطن التقليل من شأن تصريحات الرئيس الفرنسي، حيث صرح المتحدث بإسم البيت الأبيض قائلاً إن “الولايات المتحدة لديها علاقة ثنائية رائعة مع فرنسا”. كما حاولت واشنطن تهميش كلام ماكرون من خلال تصريح (جون كيربي)، المتحدث باسم مجلس الأمن القومي الأمريكي: “الفرنسيون يتقدمون في منطقة المحيطين الهندي والهادئ”. إنهم يقومون بعمليات بحرية، الآن في منطقة المحيطين الهندي والهادئ، كل ذلك تمشيا مع الجهود المتضافرة من قبلنا جميعًا، لمواصلة التأكد من أننا ندافع عن الاستقرار والأمن والازدهار ومنطقة المحيطين الهندي والهادئ المفتوحة “.

ردود الأفعال لدول أوروبا الكبرى اختلفت ؛ فالبعض أعتبر خطوة الرئيس الفرنسي وتصريحاته تمثل جزءاً من سعيه كزعيم للاتحاد الأوروبي للعب دور “الدبلوماسية المعقدة” بين الولايات المتحدة وروسيا والصين ، فيما اعتبر بعض الأوروبيين أن هذه التصريحات أبعدت بعض الحلفاء ، خاصة في أوروبا الشرقية ؛ فالنائب الليتواني (دوفيلي تشاكالييني) اتهم ، ماكرون بـ “العمى الجيوسياسي” والتصرف “بما يتعارض مع لموقفهم، لأنهم يرون أن هناك توازيًا بين تصرفات بكين ضد الجزيرة والتهديد الذي تشكله روسيا على دول الاتحاد السوفيتي السابق.

خلاصة القول، إن الرئيس الفرنسي جدد مواقفه السابقة التي تعود ربما إلى جذر فرنسي في السياسة الخارجية منذ فترة الرئيس الفرنسي الأسبق (شارل ديجول) بشأن أحداث خطيرة في العالم كالحرب الروسية على أوكرانيا وتصريحه الذي أغضب واشنطن ولندن حينها بقوله إنه “لا ينبغي إذلال موسكو في أي اتفاق سلام بشأن أوكرانيا والإصرار على ضمانات أمنية لموسكو كجزء من المفاوضات لإنهاء الحرب” والأهم “حاجة أوروبا لتعزيز استقلالها الاستراتيجي والتحول لتكون القطب الثالث في عالم متعدد الأقطاب.

مقال خاص براسام