الباحث: حسين صالح السبعاوي
دأبت حكومة محمد شياع السوداني الممثلة للإطار التنسيقي على تسقيط كل من لا ينتمي إليها أو يختلف معها في توجهها المقرب من إيران، علما أن عملية التسقيط والهجوم على المخالفين بدأت منذ سقوط حكومة عادل عبد المهدي التي أسقطتها انتفاضة تشرين ٢٠١٩ ثم مجيء حكومة مصطفى الكاظمي في ٧ أيار ٢٠٢٠ والتي اتفقت عليها جميع القوى السياسية آنذاك بما فيهم جماعة الإطار التنسيقي، لكن ما أن تبين للإطار التنسيقي بأن حكومة الكاظمي لا تتفق معهم في بعض التوجهات بدأوا بالهجوم عليها وتسقيطها، وقد اتهموا الحكومة بالخيانة لأمريكا والتطبيع مع إسرائيل وغيرها من الاتهامات.
ثم بدأت الانتخابات في ١٠ تشرين الأول ٢٠٢١ ورغم مقاطعة غالبية الشعب العراقي لها، لكن بمجرد إعلان النتائج التي أظهرت خسارة جماعة الإطار التنسيقي مقابل فوز التيار الصدري بأغلبية المقاعد، بدأت جماعة الإطار بالهجوم على جميع القوى الفائزة من جميع المكونات، وطلبوا من أتباعهم النزول إلى الشوارع وإثارة الفوضى، وبدأت الجماعات المسلحة التابعة لهم بقصف مدينة أربيل، وتهديد المنطقة الخضراء عدة مرات، وأثاروا الطائفية وجعلوا من أنفسهم ممثلا وحيدا للمذهب!
وهنا أريد الإشارة إلى ثلاث نقاط كثيرا ما يزايد بها جماعة الإطار التنسيقي وحكومة السوداني على الآخرين وهي:
أولا: العلاقة مع الولايات المتحدة ومع المجتمع الدولي: دأبت حكومة السوداني بتوجيه تهمة الخيانة والتبعية لكل من لديه علاقة مع الولايات المتحدة الأمريكية ومع المجتمع الدولي وخاصة ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة، إضافة لقضية التطبيع مع “الكيان الصهيوني”.
وفي هذا الإطار استهدفت مدينة أربيل عدة مرات بالصواريخ بحجة وجود مقرات للموساد وأن القائمين على الشأن السياسي في المناطق الكردية هم “عملاء” لإسرائيل وأمريكا وضد المصالح الوطنية! ولم تسكت قنواتهم الإعلامية الطائفية يوما عن شيطنة أبناء المكون الكردي، ولم تتوقف جماعة الإطار عند المكون الكردي بل تعدوا على جميع المكونات العراقية، كما لم يسلم منهم حتى المكون الشيعي نفسه من الذين لا يتفقون معهم سواء من الكتل السياسية مثل التيار الصدري، أو أبناء انتفاضة تشرين.
لكن عندما انسحب التيار الصدري الفائز في الانتخابات ومنحهم الفرصة التي كانوا يحلمون بها لتشكيل الحكومة سكتت حكومة السوداني وجماعة الإطار عن أمريكا وعن المجتمع الدولي وبدأت تستجدي منهم التأييد والدعم، كما تخلت جماعة الإطار عن كل شعاراتها السابقة عن ما يسمى “المقاومة وطرد المحتل الأمريكي”، بل هناك ما هو أكبر من ذلك وهو أن السفيرة الأمريكية آلينا رومانوسكي تلتقي اليوم برئيس الحكومة أكثر مما تلتقي به جماعة الإطار، وكذلك تلتقي رومانوسكي بالوزراء في الحكومة أكثر مما يلتقي بهم رئيس الوزراء نفسه، ولم تترك السفيرة رومانوسكي ولا وزارة واحدة إلا وقد التقت بالوزير مرة أو مرتين على الأقل، أما ممثلة الأمين العام للأمم المتحدة جينين بلاسخارت فقد أصبحت “صديقة” للشعب العراقي وكل يوم لها لقاء مع قادة الإطار التنسيقي الذين أشبعوها شتما وعلى كافة وسائل الإعلام التابعة لهم؟!
ثانيا: الاقتصاد وسعر الصرف للعملة الوطنية: في عهد حكومة الكاظمي ارتفع سعر صرف الدولار الأمريكي من ١٢٠ دينار إلى ١٤٥ دينار للدولار الواحد فوجد قادة الإطار التنسيقي ورئيس الوزراء الحالي محمد شياع ضالتهم في هذه الخطوة واتهموا الكاظمي وحلفاءه بالتسبب في هذه المشكلة، وقد حذروا من ثورة جياع تطال الحكومة وجميع السياسيين! كما وعدوا بأنهم إذا وصلوا إلى السلطة سوف يعيدون سعر الصرف إلى ما كان عليه سابقا في خطوة لكسب الرأي العام العراقي، وعندما جاءت لهم الفرصة وقاموا بتشكيل الحكومة برئاسة السوداني الذي هو من هدد سلفه الكاظمي بثورة جياع، تناسى هذا الوعد بل تراجع عنه، واليوم أصبح سعر الصرف أكثر من ١٥٥ دينار للدولار الواحد، وهنا أريد أن أُذكر بالنص ما كتبه السوداني في تغريدة له في ٢٢ آذار ٢٠٢١، حيث كتب: “كفى عناداً ولا تأخذكم العزة بالإثم، إعادة سعر صرف الدولار إلى ما كان عليه قرار لا بد منه لأن البديل ثورة جياع وستكون باهضة الكلفة بأضعاف فرق السعر المتحقق”.
سكت السوداني وسكت قادة الإطار التنسيقي على تدهور العملة الوطنية وأصبح الحال اليوم أسوء مما كان عليه في عهد الكاظمي، وارتفعت الأسعار في جميع القطاعات وخاصة المواد الغذائية منها ولم نسمع منهم ولا ممن يسمون أنفسهم “بالناشطين” التابعين للإطار التنسيقي ولا كلمة وكأنهم خشبُ مسنّدة لا تسمع لهم همساً.
ثالثا: العلاقة مع القوى السياسية: من تناقضات حكومة السوداني والإطار التنسيقي أنهم تحالفوا مع جميع من كانوا يتهمونهم بالعمالة لأمريكا وإسرائيل، وعلى سبيل المثال اتهموا مسعود البارزاني رئيس الحزب الديمقراطي بالعمالة لأمريكا عندما كان ضمن التحالف الثلاثي الذي شكله التيار الصدري، واتهموا الحلبوسي بنفس التهم عندما كان ضمن ذلك التحالف، لكن عندما انسحب الصدر جاءوا إلى البارزاني والحلبوسي وهم صاغرين لغرض التحالف معهما من أجل تشكيل الحكومة وقبلوا بجميع شروطهم!
إن هذه النقاط الثلاث ما هي إلا غيض من فيض بالنسبة لتناقضات حكومة السوداني في مجالات عدة كمحاربة الفساد، والالتزام بالقوانين والدستور، والشراكة السياسية، ودعم الحريات، والإعلام الحر، والعلاقة مع الدول العربية، وما إلى ذلك من شعارات رنانة التي أثبت لنا الواقع عكسها تماماً.
إن هذه المفارقة لا تجدها إلا في القوى السياسية العراقية التي إذا قطعت وعداً لم تف به، وإذا بدّلت احداً جاءت بمن هو أسوء منه، ولا يوجد شبيه لهذا الأداء السياسي إلا السياسة الأمريكية المتناقضة ما بين القول والفعل، وكذلك ممثلة الأمم المتحدة في العراق من خلال حالة التدافع الأمريكي والغربي على دعم حكومة السوداني الذي أظهر تناقضا كبيرا في سياساتهم وخاصة أن الإحاطة الأخيرة للمبعوثة الأممية في العراق جينين بلاسخارت في ٤ تشرين الأول ٢٠٢٢ حيث شيطنت بلاسخارت النظام السياسي العراقي وأكدت أنه نظام يعمل ضد مصالح شعبه، إذن إليس هذا الدعم الأمريكي والغربي يناقض ما جاء في الإحاطة؟!
إن ما تقوم به حكومة السوداني من تناقضات ليست نتيجة خطأ في تقدير موقف أو خطأ في نظرة استشرافية للمستقبل وإنما هو نهج ثابت ومتعمد في تعاملهم مع الشعب العراقي.
مقال خاص براسام

