د. فارس الخطاب

لو راجعنا سلسلة المفردات التي رافقت الظواهر التي أحوال العراق الذي أحتلته الولايات المتحدة عام ٢٠٠٣م تحت عنوان تبناه بخزي تاريخي لن يمحى عن الكونجرس الأميركي وهو “تحرير العراق”، سنجد أن مفردة “الفساد” كان الغالبة وأظنها باقية وتتمدد لفترات زمنية طويلة حتى لو أطيح بالنظام السياسي الذي أسسته قوات الاحتلال، وقد تأتي مفردات أخرى بعد مفردة الفساد كـ “المحاصصة الطائفية” و”المليشيات المسلحة” وغيرها من النعوت التي تصف هذا النظام وعمليته السياسية والذي تتفاخر أميركا به كنموذج للديمقراطية في الوطن العربي.

ومن المفارقات المضحكة المبكية أن نسمع من شخصيات تولت رئاسة الوزراء في العراق شعارات وكلمات توحي للسامع أنهم سيقودون وزاراتهم بحملات تقلص مساحة وعمق الفساد في مؤسسات الدولة، حيدر العبادي مثلاً قال بعد تحرير الموصل ٢٠١٧م: “المعركة ضد الفساد في العراق أخطر من معركة الإرهاب”، و عادل عبد المهدي قال: “لقد أحرزت الحكومة تقدماً في ملف مكافحة الفساد”، مصطفى الكاظمي من جهته قال: إن “محاربة الفساد تعد تحديا كبيرا في العراق وسنحاربه، حتى لو جرى التهديد بإسقاط الحكومة”، وطبعاً بدأ رئيس مجلس الوزراء الحالي عهده بعدم التطرق لهذا الملف والاكتفاء بالتوجيه بإكمال المشاريع المتعطلة وهو يعلم أن سبب تعطلها هو الفساد وأن من رشحه لرئاسة الوزراء، توافقت كل القوى والهيئات داخل العراق وخارجه على أنه هو أساس الفساد بكل أشكاله ومهندس تجذيره وتعميمه في البلاد.

جدير بالذكر أن التصريحات وبعض الإجراءات الشكلية لرؤساء الوزراء السابقين لم تكن موجهة ضد أحد بعينه لإن جميع من يشترك فيما يسمى بالعملية السياسية هم من إركان الفساد والمنتفعين منه، لكن هذه العبارات التي تأتي في هذا الموقف أو ذاك إنما هي محاولات لإمتصاص غضب الشارع العراقي أو للتلويح بها لقوى سياسية معينة في مناكفات أو تحالفات قبل وبعد الانتخابات.

لقد بدأ الفساد في العراق عام ٢٠٠٣م بحسب منظمة الشفافية العالمية، وبعد الاحتلال الأميركي التي حل حاكمها المدني بول بريمر مؤسسات الدولة وهيئاتها الرقابية ووضع أشخاصا معدومي أو ضعيفي الكفاءة محل أصحاب التخصصات والخبرات في إدارة هذه المؤسسات، فقد ظهر اسم العراق لإول مرة في مؤشر إدراك الفساد العالمي (CPI) المعتمد على مديات فساد قطاعها العام. وفي السنوات اللاحقة تزايد إهتمام المنظمات الدولية بمراقبة ملفات الفساد في العر اق كمنظمة الشفافية العالمية ومنظمة هيومان رايتس ووتش التي تتهم السلطات العراقية بممارسة الضغوط على وسائل الإعلام التي تكشف ملفات فساد أو تتحدث عنها.

العراق الذي يحتل المرتبة ١٥٧ من أصل ١٨٠ دولة في مؤشر الفساد العالمي يفترض ألّا يحصر اهتماماته وتركيزه على فضيحة الملياران ونصف المليار دولار المختلسة من أمانات الهيئة العامة للضرائب في مصرف الرافدين والتي تزامنت مع رحيل الكاظمي عن سدة الحكم؛ ذاك أن هذه العملية ما هي إلا حلقة في سلسلة الفساد المستشري في كافة مؤسسات الدولة والقائمين على العملية السياسية منذ عام ٢٠٠٣م وبشكل تصاعدي.

“من أمِن العقاب أساء الأدب”، وهذا هو ما يجري هناك في العراق، فلا رقابة على أموال الدولة وآليات صرفها ولا على الأموال المهربة والعقارات المسلوبة والمشاريع الوهمية، فلا ديوان الرقابة المالية تعمل وفق هذا المنظور ولا هيئة النزاهة تضبط كل حالات شبهات الفساد ولإسباب كثيرة منها فساد الرؤوس المتنفذة ومكاتبها الاقتصادية وميلشياتها الحامية لها بإسلحة وممارسات غير شرعية.

رئيس الوزراء المكلف محمد السوداني غرد على تويتر حول موضوع الفساد وقال: “وضعنا هذا الملف في أول أولويات برنامجنا، ولن نسمح بأن تُستباح أموال العراقيين، كما حصل مع أموال أمانات الهيئة العامة للضرائب في مصرف الرافدين”، مضيفا: “لن نتوانى أبدا في اتخاذ إجراءات حقيقية لكبح جماح الفساد الذي استشرى بكل وقاحة في مفاصل الدولة ومؤسساتها”. لكن هل لدى السوداني أدوات كبح جماح الفساد حقا؟ وهل سيبدأ من أثقل ملفات الفساد المرتبطة بفترتي حكم مسؤوله، نوري المالكي؟

مؤسسة فريدريش إيبرت، مكتب الأردن والعراق، نشرت ورقة سياسات بعنوان ” الفساد والمساءلة في العراق ” أعدها أيمن أحمد محمد، ذكر فيها ظواهر الفساد في العراق ،وكانت كالآتي:
١- تعطيـل القـوانين والتعليمـات وانتشـار الفوضـى والعشـوائية فـي اشـغال الوظـائف العامـة واسـنادها إلـى محدودي الكفاءة.
٢- (تشكيل لجان) المناقصات، المشتريات، الاستيراد، ووضع جداول الكميات والتسعير (مـن غيـر ذوي الاختصاص).
٣- شيوع ظاهرة الغنى الفاحش والمفاجئ في المجتمع.
٤- شيوع ظاهرة الرشوة حتى أنها أضحت تبدو من جملة “المستمسكات” المطلوبة في أية معامل.
٥ – المحســوبية والمنســوبية والــولاء فــي شــغل الوظــائف والمناصــب بــدلاً عــن الجــدارة، والكفــاءة، والمهــارة المهنية، والنزاهة.
٦- غياب مبدأ تكافؤ الفرص في شغل الوظائف.
٧- ضعف الرقابة أجهزةً وأداءً، فهي لا تعدو أن تكون شكلية، أما نتائجها فتهمل.

قد يبدأ رئيس الوزراء محمد السوداني بمحاولات الضغط باتجاه كشف بعض صغار الفاسدين، من الذين لا يمكن ربط قضايا فسادهم برؤوس كبيرة، لكن خارطة طريق السوداني ستفضي في نهاية الأمر إلى استهداف رئيس الوزراء السابق مصطفى الكاظمي بشكل مباشر لما يحمله له بعض قيادات الإطار التنسيقي من بغضاء ، كما أن الآف ملفات الفساد سوف تبقى خارج حسابات السوداني كونها ترتبط بأجندات دول متحكمة في الموضوع العراقي وبزعماء لا يمكن أن يطالهم أي تحقيق لقدرتهم على قلب طاولة الأوضاع الأمنية والسياسية في العراق ، أي أن مساعي رئيس الوزراء تم تصميمها لغرض إيهام العراقيين والمراقبين بجديتها وصدقها في حين أنها تهدف – إضافة إلى ما تم ذكره – إلى كسب ثقة وتعاطف الشعب العراقي لحصد أصواته في الانتخابات المقبلة والتي قال أنها ستكون بعد سنة من الآن ، وحينها ستخرج تحركات وتدخلات المالكي وبعض قيادات الإطار من المستور إلى العلن وبشكل يقطع دابر التيار الصدري عن التأثير في نتائج الانتخابات وتشكيل الحكومة اللاحقة.

مقال خاص براسام