شاهو القره داغي

منذ بداية الصراع بين التيار الصدري والإطار التنسيقي حول تشكيل الحكومة القادمة، خرج الإطار التنسيقي بالعديد من الشعارات (الوطنية والمؤيدة للدولة) لتوضيح رؤيته للمرحلة القادمة، حيث صرح قادة الإطار على نيتهم في تشكيل حكومة (قوية) قادرة على توفير (متطلبات العراقيين) ومواجهة التحديات السياسية والأمنية والاقتصادية وتقديم نموذج (مختلف) للإدارة والحكم بخلاف التجارب الماضية، وتجسيدا لهذه الرؤية أعلن مرشح الإطار التنسيقي لمنصب رئاسة الوزراء “محمد شياع السوداني” عن برنامج الحكومة العراقية المقبلة في حال نجاحه في تولي منصب رئاسة الوزراء، وبحسب السوداني فإن ملفات الكهرباء والصحة والخدمات البلدية ومكافحة الفساد ستكون أولوية عمل الحكومة، وسيكون مسؤولا عن محاسبة واستبدال الوزير في حال أخفق او جنح إلى الفساد، والأهم من ذلك تأكيده على إعادة ثقة المواطن بالدولة ومؤسساتها عبر العمل الجاد والشفاف بعيدا عن التهويل والتزييف.

وبغض النظر عن تاريخ وتجارب الأحزاب السياسية التي تُشكل “الإطار التنسيقي” والتي قادت عدة حكومات عراقية وحصلت على العديد من الوزارات السيادية والخدمية والدرجات الوظيفية وساهمت في إضعاف مؤسسات الدولة وفي ضياع وتهريب واختلاس ملايين الدولارات من الخزينة العامة وفي تراجع المستوى المعيشي للمواطنين وفي الفشل في حماية السيادة الوطنية وسحب العراق إلى مستقبل مجهول، إلا أن الأحداث الأخيرة التي حصلت خلال الفترة الماضية تعطي إشارات واضحة بأن أطراف الإطار التنسيقي لم يتعلموا من تجارب الماضي ومازالوا يحملون نفس العقلية التي أدت لتراجع وإضعاف الدولة دون إدراك مخاطر المرحلة الحالية أو الإنصات للأصوات المخلصة التي تؤشر على تصاعد غضب الشارع وإمكانية انفجاره مجددا في أي لحظة بوجه الاحزاب السياسية كافة.

يبدو أن ملامح المرحلة القادمة وكيفية إدارة الدولة في حال تشكيل الحكومة من قبل الإطار التنسيقي بدأت تظهر بوضوح، وخاصة مع قيام الأجهزة الأمنية بإغلاق الشوارع الرئيسية في بغداد بالصبات والكتل الكونكريتية مع اقتراب جلسات البرلمان وعزل المنطقة الخضراء بصورة كاملة وعرقلة التحرك داخل العاصمة، في إشارة واضحة إلى اختيار الطبقة السياسية الحالية المزيد من العزلة وزيادة الشرخ بين الشعب وبين السلطة السياسية والاستعداد لتفعيل آلة القمع مجددا في حال خروج احتجاجات أو تظاهرات للاعتراض على مرشح الإطار التنسيقي.

كان القمع المستخدم في الذكرى الثالثة لتظاهرات تشرين من ملامح الحكومة القادمة التي ستتشكل بقيادة الإطار التنسيقي، وكانت رسالة واضحة بأن البطش سيشمل الجميع سواء كانوا من المتظاهرين والناشطين المستقلين، أو كانوا من أنصار التيار الصدري ممن خرجوا في التظاهرات خلال الأيام الماضية في بغداد والبصرة وتعرضوا لممارسات قمعية من قبل القوات الأمنية والفصائل المسلحة التي تمهد من الآن للسيطرة على مفاصل الدولة من جديد وإعادة بناء النظام السياسي بما يتوافق مع أهدافها الداخلية والأجندة الخارجية التي تقوم بتنفيذها داخل العراق.

وبالاضافة إلى هذه الإشارة السلبية التي توضح ملامح وسياسات الحكومة القادمة في حال تشكلت على يد الإطار التنسيقي، وقعت في الأسابيع الماضية سلسلة من الاستهدافات الإيرانية للأراضي العراقية وخاصة لمدن كردستان العراق في أعنف موجة قصف تقوم بها طهران على الأراضي العراقية، حيث شمل القصف محافظة السليمانية وأربيل و مناطق من كركوك، وباعتراف الحرس الثوري الإيراني كان الهجوم عبارة “عن إطلاق 73 صاروخ باليستي أرض-أرض وعشرات الطائرات المسيرة التي ضربت مقرّات الجماعات المعارضة الكردية الإيرانية في كردستان العراق”، وبحسب قائد القوات البرية الايرانية فإن “الأهداف التي جرى استهدافها منتشرة في 42 موقعا، وفي بعض الأحيان على بعد 400 كيلومتر من بعضها البعض”.

أدى القصف الإيراني إلى وقوع عدد من القتلى والجرحى بينهم أطفال بعد سقوط الصواريخ بالقرب من مدرسة اطفال في مدينة كويسنجق في محافظة اربيل، إضافة إلى تسجيل الكثير من الأضرار التي لحقت بالأبنية والممتلكات في المناطق المقصوفة، وبالرغم من ذلك لم يصدر أي موقف من قادة الإطار التنسيقي المقرب من إيران، بل وصل الأمر إلى اطلاق تصريحات من قبل أعضاء الإطار تُبرر القصف الإيراني وتدافع عن تصرفات الحرس الثوري بدلا عن الدفاع عن سيادة العراق والدماء التي سالت نتيجة للهجوم.

هذا الموقف السلبي للإطار التنسيقي ومرشحه لرئاسة الوزراء من القصف الإيراني المستمر على مدن كردستان مؤشر آخر على طبيعة المرحلة القادمة، حيث أن الحكومة الجديدة بقيادة هذه الأطراف سوف تختار موقف المتفرج من الانتهاكات والتدخلات الخارجية، وقد يصل الأمر إلى مساعدة الجانب الإيراني لتنفيذ مخططاته وأهدافه في تحييد وإنهاء الجماعات الكردية المعارضة لها داخل العراق.

تتزامن هذه الأحداث مع إحاطة ممثلة الأمم المتحدة في العراق (جنين بلاسخارت) أمام مجلس الأمن الدولي والتي أعطت صورة سوداوية للأوضاع السياسية في العراق وقالت بكل صراحة: إن “خيبة أمل الشعب قد وصلت إلى عنان السماء. لقد فقد العديد من العراقيين الثقة في قدرة الطبقة السياسية في العراق على العمل لصالح البلد وشعبه. ولن يؤدي استمرار الإخفاق في معالجة فقدان الثقة هذا سوى إلى تفاقم مشاكل العراق”.

كما نصحت بريطانيا رعاياها بعدم السفر إلى العراق باستثناء كردستان ’للضرورة لأن “الوضع الأمني معرض لخطر التدهور، ولا يزال الوضع غير مؤكد ويمكن أن يزداد سوءا في غضون مهلة قصيرة”.

تكشف المواقف المحلية والدولية ملامح الحكومة العراقية القادمة، ويبدو أن الجهات الدولية أدركت مبكرا أن سيطرة هذه الأطراف على الحكم سيعني المزيد من التدهور والتدخلات الخارجية ما سيؤثر سلبا على الاستقرار النسبي الذي تحقق خلال الفترة الماضية.

مقال خاص براسام