إذا كان هناك شيء واحد يمكن للعراق أن يعتمد عليه، فبدون شك سيكون هو إمدادات الطاقة. حيث تعد البلاد هي ثاني أكبر منتجة للنفط الخام بين الدول الأعضاء في منظمة أوبك، باحتياطات تقدر بنحو 145 مليار برميل، أي ما يعادل ثمانية في المئة من إجمالي المخزون العالمي.
لكن رغم ذلك، وعلى مدى العقدين الماضيين، توجب على العراقيين التعايش مع طاقة كهربائية تعد الأقل استقرارًا في الشرق الأوسط، والتي أصبحت تشكل عائقًا رئيسيًا، ليس أمام التنمية الاقتصادية والتقدم الاجتماعي على المدى الطويل فحسب، بل أيضًا كأحد الأسباب الأساسية وراء عدم استقرار البلاد على المدى القصير. إذ غالبًا ما يرفع المتظاهرون والنشطاء في حركات الاحتجاج الجماهيرية التي سادت البلاد عام 2009، إلى انقطاع التيار الكهربائي كعلامة من علامات تفشي الفساد في السياسة العراقية. وقد قدم وزير الكهرباء، ماجد مهدي حنتوش، استقالته قبل فترة بعد جولة جديدة من نقص في الطاقة الكهربائية في جميع أرجاء البلاد، والتي شهدت انقطاعًا للتيار الكهربائي في الجنوب ونقص مستمر في الإمدادات في باقي أنحاء العراق.
ومن أجل تدارك هذه الأزمة، يرى محللون أن الحل يكمن في تحديد 17 جيجاوات كحد أقصى للإنتاج، خلال الفترة التي تشهد تنظيمًا مثاليًا في عملية الإنتاج. إلا أن هذا الرقم يعد قليلًا جدًا أمام ذروة الطلب خلال فصل الصيف، حيث تصبح الحاجة لأكثر من 29 جيجاوات. وبحلول نهاية العقد الحالي، سيصبح العراق بحاجة إلى تلبية توقعات بزيادة الطلب بنسبة 50 بالمئة.
لطالما كان موقف وزير الكهرباء ماجد حنتوش معقدًا، فالبنية التحتية للطاقة في العراق عانت من عدد من المشاكل سواء الحروب المتعاقبة على البلاد، أو سوء الإدارة والفساد المستشري، مما جعل الوضع يصعب إصلاحه خصوصًا بوجود حكومة مشلولة بسبب السياسات الحكومية. علاوة على ذلك، تم دمج ابتزاز شركات المولدات الخاصة في عالم الجريمة المنظمة، حيث غالبًا ما تشن الجماعات المسلحة هجمات بقصد تخريب وتعطيل إمدادات الطاقة.
لكن رغم هذه البيئة الصعبة، كانت هناك أيضًا سلسلة من القرارات السياسية السيئة. فمن الملفات المثيرة للجدل بشكل خاص في الآونة الأخيرة، السعي وراء برنامج الطاقة النووي، حيث تم تحديد كلفة خطته في 40 مليار دولار، تشمل بناء ثمانية مفاعلات نووية. ميزانية مكلفة بقدر عدم ضرورتها. كذلك، فيمكن تضييق الفجوة المتزايدة بين العرض والطلب من خلال الاستثمار في البنية التحتية للطاقة القائمة والمتداعية. وحتى إذا تم الانتهاء من هذه الخطة النووية وإكمالها بشكل صحيح، فلن تنجح في توليد ما يكفي لتلبية الاحتياجات المستقبلية للشعب العراقي.
مع كل هذه الظروف، تجرى محاولات متعددة لتنويع قطاع الطاقة الذي لا يزال يعتمد بشكل أساسي وكبير على النفط. حتى وإن لم تكن الإجابة بتلك السهولة، إلا أن العراق يمتلك احتياطات هائلة من الغاز الطبيعي، والتي لا تزال غير مستغلة إلى حد كبير في وقتنا الراهن. وقد أعلنت مؤسسة التمويل الدولية التابعة للبنك الدولي مؤخرًا أنها ستقدم أكثر من 300 مليون دولار لشركة غاز البصرة، مما سيؤدي لتوفير زخم في قطاع يتمتع بإمكانات هائلة من أجل تلبية احتياجات الطاقة في البلاد. كذلك، يمكن للعراق أن يحذو حذو دول الخليج، التي تستثمر بشكل مكثف في مصادر الطاقة المتجددة، بما فيها الطاقة الشمسية. وقد وقع العراق اتفاقية مع مصدر لإنشاء مشروع للطاقة الشمسية في المناطق الوسطى والجنوبية من البلاد، يمكن من خلالها أن تلعب دورًا أساسيًا في المساعدة على تلبية احتياجات العراق من الطاقة، وجعله نموذجًا للاستدامة في المنطقة.
لكن الجزء الكبير من الإحباط داخل الشعب العراقي متمثل بضبابية المشهد في المستقبل، الأمر الذي لا يخفى على أحد. حيث يبدو أن التعديلات السياسية المستمرة والجدالات بين الفصائل القوية أمر لا يغتفر في الوقت الذي لا يتمكن فيه العديد من العراقيين من تشغيل أجهزة التكييف وسط الارتفاع الكبير لدرجات الحرارة بمختلف مناطق العراق. إذ وصلت درجة الحرارة خلال هذا الأسبوع إلى 50 درجة مئوية. في وقت تتواصل التأكيدات على أن الاستقالة الوزارية إلى الإحساس بالمسؤولية، إلا أنها ليست كافية للتصدي للتحدي الهائل الذي يواجهه قطاع الطاقة في البلاد في الوقت الراهن.
ذا ناشيونال نيوز
ترجمة وتحرير: راسام

