سبع سنوات مضت على ظهور علمهم الأصفر لأول مرة خلال الحرب التي شنت ضد تنظيم الدولة “داعش”، الجماعة المتطرفة التي استولت على مناطق شاسعة من شمال العراق وشرق سوريا. وبعد استيلاء التنظيم على مساحات كبيرة من شمال العراق، من ضمنها مدينة الموصل عام 2014، نال مقاتلو الحشد الشعبي إعجاب بعض العراقيين، بعد استجابتهم لدعوة آية الله علي السيستاني لحمل السلاح.
منذ ذلك الحين، أصبح هذا التنظيم الذي يضم ميليشيات شيعية، يحمل في طياته الشر. ففي الشهر الماضي، نظم موكب من مقاتلي الحشد الشعبي استعراض قوة في المنطقة الخضراء ببغداد، حيث مركز الحياة السياسية في العراق. الأمر الذي أجبر حكومة البلاد أن تطلق سراح قاسم مصلح، أحد قادة الحشد المقربين من إيران، بعد اعتقاله في غرب محافظة الأنبار.
“مصلح” معروف بأعماله ووحشيته. ففي أواخر عام 2019، نزل آلاف من الشباب العراقي إلى وسط بغداد للاحتجاج على الفساد المستشري، والتدخل الإيراني في شؤون بلادهم. وبعد أيام من الاحتجاجات، اقتحم قناصة من ميليشيات الحشد الشعبي أسطح المنازل القريبة من التظاهرات، وشرعوا في قتل العشرات. حيث يعتقد أن قاسم مصلح، بجانب داعميه من الإيرانيين كان لهم دور أساسي في إصدار الأوامر بقتلهم. وقد صدر الأمر باعتقاله، على خلفية تورطه بمقتل الناشط إيهاب الوزني في 9 مايو / أيار الماضي، في مدينة كربلاء.
إيميلي هورثن المحللة السياسية لشؤون الشرق الأوسط وشمال إفريقيا تحدثت لـ”آراب نيوز” قائلة “إن العديد من النشطاء العراقيين عارضوا قدرة الميليشيات المدعومة من إيران على العمل خارج القانون، لذلك من المنطقي أن تسعى هذه الجماعات لإسكات أي شخص يسعى لعرقلة سعيهم نحو مناصب السلطة”.
أما كايل أورثن، الباحث المستقل في شؤون الشرق الأوسط، فيعتقد أن الميليشيات التي تسيطر عليها إيران في العراق كانت السبب خلف أفظع الحوادث التي تعرض لها المتظاهرون المناهضون للفساد، قائلًا “إنه من الواضح إلى حد ما، أن الحشد الشعبي أقوى من الأمن العراقي، سواء فيما يتعلق بالسيطرة على المجال الاجتماعي، وعلى مستوى الشارع، وفي المجال السياسي أيضًا. وذلك عبر سيطرته على الوزارات الرئيسية وكتلته الفعالة التي تمارس حق النقض في البرلمان”.
الحشد الشعبي مجموعة تأسست في يونيو 2014، من أجل (الدفاع عن العراق) ضد تنظيم الدولة “داعش”، بعد سيطرتها على للموصل. وفي عام 2018، تم ضم حوالي 30 ميليشيا تنتمي للحشد العشبي إلى قوات الأمن الحكومية في العراق بشكل رسمي. كما يملك -الحشد الشعبي- حضورًا كبيرًا في البرلمان العراقي من خلال ائتلاف فتح، الذي يمتلك أكثر من 40 مقعدًا من أصل 329.
وفي الميدان، استهدفت ميليشيات الحشد بشكل متكرر قاعدة عين الأسد الجوية في الأنبار، ومطار أربيل الدولي في كردستان العراق. وهما موقعان يتمركز فيهما القوات والأفراد الأمريكيون. كما استهدفت السفارة الأمريكية في المنطقة الخضراء ببغداد بشكل متكرر. معظم هذه الهجمات كانت بصواريخ قصيرة المدى، إلا أن أحدثها تمت عبر طائرات بدون طيار محملة بالمتفجرات، ما يؤكد مدى تطور قدرات هذه الجماعات.
ويقول جويل وينج، صاحب مدونة “تأملات حول العراق”، لصحيفة عرب نيوز “إن الدوافع وراء هذه العمليات متمثلة في الهدف المشترك. حيث تسعى كل من كتائب الحشد الشعبي وإيران (لإخراج) الجيش الأمريكي من العراق. الأمر الذي سيعتبر انتصارًا كبيرًا لهم إن حصل”.
بالنسبة لإيران، فالهجمات بالوكالة من قبل الميليشيات العراقية الموالية لها، هي وسيلة “للضغط على الولايات المتحدة بشأن البرنامج النووي الإيراني، والعقوبات التي فرضت عليها”.
ويظل تعدد الميليشيات وتفرعها تحت مظلة الحشد الشعبي أمرًا محيرًا. حيث توجد الميليشيات الموالية للسيستاني، وأخرى تحت اسم الحشد السني. لكن الحقيقة أن هذا الأمر يقصد منه جعل المنظمة تبدو أكثر تنوعا وشرعية على الصعيدين المحلي والدولي، لكن تبقى كلها تابعة للحرس الثوري الإيران، كما يقول أورتن.
وراء واجهة متقنة من الأسماء والاختصارات، تدعم إيران مجموعة من الجماعات شبه العسكرية. حيث وصف وينج منظمة بدر وعصائب أهل الحق وكتائب حزب الله بأنها أقوى الألوية داخل الحشد، وكلها موالية لإيران.
إلا أن السياسة الإيرانية عانت من انتكاسات أيضًا. ففي يناير 2020، قتلت الولايات المتحدة الأمريكية قاسم سليماني، قائد فيلق القدس، الذراع الخارجية للحرس الثوري الإيراني، خلال غارة بطائرة دون طيار. وكان سليماني مهندس السياسة الإيرانية في العراق، وأماكن أخرى في الشرق الأوسط، من لبنان إلى سوريا واليمن. إضافة لذلك، قتل أبو مهدي المهندس، زعيم كتائب حزب الله أثناء تنقله من مطار بغداد الدولي.
وفي مايو، قالت وكالة رويترز إن إيران غيرت استراتيجيتها تجاه الميليشيات الوكيلة. وبدلًا من الاعتماد على المجموعات الأكبر حجمًا، بدأت طهران في تشكيل مجموعات نخبوية أصغر، أكثر ولاء وأفضل تدريبًا للقيام بمهامها في المنطقة.
تقول هاورثون، محللة ستراتفور، لصحيفة عرب نيوز “إن هذا التحول الاستراتيجي يمنح كلًا من إيران والجماعات القائمة مثل كتائب حزب الله، إمكانية إنكار معقولة، عندما تقوم مجموعة أصغر بشن هجوم ما. مما يدل على الرغبة في حماية المكانة التي تتمتع بها جماعة معروفة مثل حزب الله في العراق”.
وينج وهاوثورن أجمعا على أن تحول إيران للاعتماد على وحدات أصغر، يؤشر برغبة إيران في استمرار هيمنتها من سياسة الإنكار المعقول. وينغ يقول: “إنه من غير الواضح اليوم، ما إذا كانت إيران تحاول استعادة السيطرة على هذه الميليشيات أم أنها ببساطة تدعم كل جبهة جديدة أنشأتها كتائب الحشد الشعبي من أجل إنكار مسؤولية أي هجمات على أهداف أمريكية في العراق”.
ولعل مقتل سليماني، قد دفع مراكز القوى المختلفة في إيران إلى تجربة مصالح وأهداف متباينة. حيت تتراوح مراكز القوة بين فيلق القدس، الذي ينظم ويدرب الميليشيات الموالية لطهران في جميع أنحاء الشرق الأوسط، ووزارة الخارجية الإيرانية.
وينج يقول لصحيفة عرب نيوز: “إن مراكز القوى الإيرانية لا تتفق فيما بينها بشأن طريقة استخدام حلفائها العراقيين. فكتائب الحشد الشعبي تتنافس مع بعضها البعض لمحاولة إبراز القائد الحقيقي للمقاومة المزعومة داخل العراق”.
أما أورتن فيرى “أن إيران تتبنى في العراق نفس نموذج لبنان في الثمانينات، بعد انفصال حزب الله عن حركة أمل، الميليشيا الشيعية التي هيمنت سابقًا في البلاد. أما استخدام مجموعات أو جبهات جديدة (والتي اكتشف أن بعضها خيالية، وتواجدها مقتصر على الانترنت فقط) فهو مجرد محاولة لجعل الثورة الإسلامية المزعومة تمتد إلى الأراضي العراقية.
ويبدو أن هذه السياسة الجديدة بعد مقتل قاسم سليماني، قد أعادت محاولات إيران للمسار (الصحيح). حيث يبدو أن قوات الحشد الشعبي قد نجحت في بسط سيطرتها على مناطق واسعة في الشرق الأوسط. بقيادة قاسم مصلح، الرجل الذي كان زعيم الاشتباكات الأخيرة بين الميليشيات والحكومة المركزية في بغداد.
وتسيطر مجموعات مثل ميليشيا كتائب حزب الله على نقاط حدودية مهمة مع سوريا في كل من الأنبار ونينوى في شمال العراق، بالإضافة إلى إنشاء طرق تهريب خاصة بها. وفي إشارة إلى القوات شبه العسكرية يقول وينج: “إنهم قادرون على تحريك الرجال والمواد ذهابًا وإيابًا حسب رغبتهم”.
بالنظر إلى كل ما استثمرته في هذه الجماعات، يشك المحللون في أن تتخلى إيران عن سيطرتها عليها، حتى مع وجود اتفاق نووي شامل مع الولايات المتحدة والقوى الغربية للاستفادة من تخفيف للعقوبات على اقتصادها.
إيران لن تقطع علاقاتها مع أي من الميليشيات العراقية، حزب الله أو الحوثيين، لأنها لا تستطيع ذلك. ويقول أورتن “إن أي محاولات لمفاوضة إيران بشأن جماعاتها الموالية لها، سيكون أمرًا غير ذا قيمة”.

بول إيدون / عرب نيوز
ترجمة وتحرير: راسام