تتمتع ميليشيا الحشد الشعبي في العراق بعلاقات قوية مع السلطات الدينية الشيعية. حيث تتألف من 67 فصيلًا شيعيًا، و43 فصيلًا يحسب على التيار السني، و9 فصائل من الأقليات في مناطق جنوب كردستان. الفصائل الشيعية الـ67 انقسمت أيضًا من ناحية الولاء لرجال دين شيعة مختلفين. حيث اتبع 44 فصيلًا (المعروف باسم حشد الولاء) المرشد الأعلى الإيراني خميني، وامتلكت علاقة مباشرة بالحرس الثوري الإيراني، فيما ارتبط 17 فصيلًا آخرا بالأضرحة العراقية موالية لرجل الدين الشيعي علي السيستاني. فيما اتبعت بقية الفصائل، رجال دين شيعة آخرين داخل العراق وخارجه.
نرصد لكم في هذا التقرير الاستخباراتي تفاصيل مكثفة لم تنشر من قبل عن كيفية قيام الميليشيات في العراق الموالية لإيران بإنشاء نظام جديد يهدف للسيطرة على المناطق الاستراتيجية الرابطة بين العراق وسوريا. حيث تستغل هذه الميليشيات الفراغ الذي نتج عن سقوط تنظيم الدولة “داعش” من أجل بناء هياكل أمنية واجتماعية وسياسية واقتصادية تابعة لها، بهدف السيطرة على هذه المنطقة الاستراتيجية.
خلافات داخل الميليشيات
هناك توترات بين تيارين دينيين مختلفين داخل ميليشيا الحشد. الأول متمثل في الفصائل الموالية لخامنئي، والتي كان يقودها سابقًا أبو مهدي المهندس. والفصيل الموالي لرجل الدين الشيعي الأعلى في النجف علي السيستاني، على رأسها فرقة العباس القتالية. وعلى الرغم من ارتباط هذه الميليشيات بشكل مركزي بالحكومة، إلا أنها تختلف من حيث التمويل، وطريقة العمل والأيديولوجية. وقد بدأت التوترات بين هذين الفصيلين على وجه الخصوص، بعد قرار رئيس الوزراء السابق حيدر العبادي في تموز/ يوليو 2017 بربط فوج كامل من فرقة العباس القتالية بوزارة الدفاع. أمر لم يرق للميليشيات الموالية للحرس الثوري، ليقرر أبو مهدي المهندس قطع العلاقة بالكامل مع فرقة العباس في يناير 2018.
إضافة لذلك، فقد شكل تقسيم السلطة والموارد بين الميليشيات الموالية للحرس الثوري وميليشيا الحشد الشعبي، مشاكل مالية ولوجستية بين كل هذه الفصائل. خصوصًا من الفصائل الموالية للأضرحة، التي تشعر بالتهميش من قبل قيادة الحشد الشعبي. ما أدى لانفصالات كبيرة لبعض الفصائل، على رأسها الميليشيات الموالية للسيستاني، التي أصبحت إداريًا وعمليًا تحت القيادة المباشرة للقائد العام للقوات المسلحة في العراق خلال نسيان 2020.
الأنشطة الاقتصادية للميليشيات
تقوم هذه الفصائل بإقامة حواجز غير قانونية بين المدن. على سبيل المثال حاجز السيافية – البوصيفي، على الطريق الدولي الذي يربط بغداد بمحافظات وسط الفرات الذي تشرف عليه بعض الكتائب بمشاركة الجيش الحكومي أيضًا. وتجمع هذه الميليشيات من هذا الحاجز فقط ما بين 5.000 – 10.000 دولار يوميًا بشكل غير قانوني، من حركة البضائع والشاحنات.
وفي محافظة نينوى، تلقى هذه الميليشيات دعمًا من السلطات والسياسيين العراقيين. حيث قام محافظ نينوى السابق نوفل العاكوب بتزويد فصائل المهندس بالملابس والمستلزمات العسكرية. ومنحهم أكثر من 250 ألف دولار من الميزانية المخصصة لمحافظة نينوى بناء على توصيات من مرجعية النجف. كل هذا تحت ذريعة قتال “داعش”. كما بدأ المسؤولون المتحالفون مع هذه الميليشيات باستخدام عبارات أمام الإعلام من قبيل: “السنة ممتنون..” أو “السنة مدينون للميليشيات الشيعية…” من أجل تبرير المبالغ التي دفعت لميليشيا الحشد الشعبي.
أكثر من هذا، تقوم الميليشيات بأخذ 400 دولار من أصحاب المطاعم، و200 دولار من أصحاب المقاهي بشكل شهري ومن أكثر 900 مقهى ومطعم محصلين بذلك أكثر من 120 ألف دولار شهريا تحت ذريعة الحماية. ترتيب غير قانوني، لكنه على علم من مجلس محافظة نينوى.
كما استولت الميليشيات على أكثر من 72 حقلًا نفطيًا في منطقة القيارة جنوب الموصل. ورغم انتهاء المعارك في المنطقة، إلا أن الميليشيات استمرت بعمليات تهريب النفط الخام وبيعه، عبر سرقة نحو 100 شاحنة وقود يوميًا. كل هذا على مرأى ومسمع السلطات.
سيطرة الميليشيات على قطاع التعليم
تحصل ميليشيا الحشد الشعبي على نسبة 20% من أرباح كلية النور الموجودة بسهل نينوى. كما استخدمت خطاب التهديد من أجل تعيين عميد موال لهم في كلية الإدارة والاقتصاد، إضافة لتعيين ثلاثة عمداء آخرين في جامعات الحمدانية وتلعفر ونينوى.
إضافة لذلك، فقد بنت هذه الميليشيات مدرسة الخميني الابتدائية في سهل نينوى، من دون ترخيص رسمي من وزارة التربية والتعليم. رغم ذلك، طالبت ميليشيا الحشد الشعبي الوزارة بصرف مستحقات المعلمين. ورغم مطالبات سكان المنطقة (بمن فيهم المسيحيون والأزيديون) بعدم إنشاء مدارس تحت أسماء أجنبية أو أيديولوجيات طائفية، لأن ذلك يؤدي لخلافات طائفية إلا الميليشيات أنشأت مدرسة الصادق الإعدادية للدراسات الإسلامية، التي يمكن لأي شخص أن يدخلها من دون أي معايير علمية أو شرط عمر معين. وتهدف المدرسة لتكريس المعتقدات الشيعية، ثم تجنيد الطلاب وتعيينهم في مؤسسات الدولة بشكل غير قانوني، أو بمؤهلات مزورة.
معضلة عميقة الجذور
من المحتمل أن يكون قرار الدولة في العراق بجانب الأطراف الأجنبية المتواجدة داخل العراق، بتعبئة الميليشيات الموالية لإيران ونشرها على نطاق واسع، قد جعل من هذه الأزمة أكثر تعقيدا. فتجييش هذا الكم من الرجال في سن التجنيد، والمعروفين بموالاتهم لإيران سيؤدي بطريقة حتمية لخلق مجموعات مصالح دائمة وقوية، وعلاقات تقوض الدولة العراقية وتنغص معيشة المواطن العراقي. وبغض النظر عن نوايا حكومة بغداد لمواجهة هذه المعضلة، فمن المرجح أن تستمر هذه الميليشيات في ممارسة أنشطتها باستقلال عن قوانين البلاد. حيث بات من الممكن أن نشهد نموذجًا جديدًا من نفوذ ميليشيا حزب الله في لبنان، بسبب التغلغل الإيراني العميق داخل أجهزة الدولة العراقية، سيما صناع القرار، والاستخبارات، وقوات الأمن.
مشكلة ميليشيا الحشد الشعبي في العراق باتت امتدادًا لمشكلة التوغل الإيراني في العراق. ولعل الأمر الأكثر صعوبة، ارتباط هذه المعضلة بالقطاع السياسي والاقتصادي والتعليمي وبقية المجالات الأخرى التي تمس العراقيين بشكل مباشر، وتخلق مجموعة مصالح مفترسة جديدة وقوية. بجانب هذه، فالحكومة المركزية تفتقر للقدرة على معالجة هذه المشكلة عبر استخدام القوة، كما أن إدراك هذه الميليشيات لقوتها يجعلها ترفض تقديم أي تنازلات. ليبقى التساؤل عن الاستراتيجية المناسبة لمعالجة تغلغل ميليشيا الحشد الشعبي داخل الأمة العراقية.
معهد “نيولاينز إنستيتيوت”
ترجمة وتحرير: راسام

