الباحث: شاهو القره داغي

من النضال المسلح إلى العمل السياسي
قلنا في المرحلة السابقة بأن أحداث 1991 كانت نقطة تحوّل بالنسبة للقضية الكُردية؛ حيث بدأت الحركة الكُردية بملء الفراغ الإداري والسياسي الذي وقع في المناطق الكُردية بعد انسحاب القوات العراقية، وبدأت الجهات الكُردية تعمل على تحويل (الشرعية الثورية) إلى (شرعية قانونية) بعد معاناة من مشاكل وتحديات كثيرة وحروب داخلية؛ أدت إلى عرقلة مشاريع البناء والتطور السياسي في هذه المناطق.
كانت الرؤية الكُردية للدولة العراقية بعد 2003 عبارة عن بناء دولة فدرالية وتشكيل هوية وطنية عراقية وفقًا لذلك، وتثبيت أركان النظام الفدرالي وحماية (الديمقراطية) ومعالجة مشكلة ما أطلق عليه (المناطق المتنازع عليها) كخطوات رئيسية لضمان حقوق الكُرد ضمن الدولة الجديدة.
كانت كردستان تحت إدارة الحزب الديمقراطي الكردستاني والإتحاد الوطني الكردستاني، ونجح الطرفان في تحويل الكُرد إلى طرف فاعل في المعادلة السياسية في بغداد، وأثر مهم تشكيل الحكومات المتعاقبة، حتى أصبح يُطلق على الكُرد وصف “بيضة القبان”، كما قال بعضهم: “إن ملوك الجبال السابقين أصبحوا يصنعون الملوك في بغداد”. وقد استمر هذا الأمر منذ 2003 وحتى 2017 مع إجراء الاستفتاء على الاستقلال في كردستان، والذي تسبب في خسارة الكُرد للكثير من المكاسب السياسية والانسحاب من (المناطق المتنازع عليها) مع بغداد، ومازالت آثاره ونتائجه باقية حتى الآن.
وجد الكُرد أنفسهم بعد 2003 أمام عدة خيارات في التعامل مع الدولة العراقية الجديدة واختيار طبيعة علاقتهم مع بغداد، وكانت الخيارات تدور بين: (الفيدرالية أو الكونفدرالية أو الانفصال)؛ وفي النهاية ونتيجة للمفاوضات الداخلية تم تبني الخيار الفيدرالي والمشاركة في مجلس الحكم وكتابة قانون إدارة الدولة للمرحلة الانتقالية والدستور فيما بعد؛ للمشاركة بصورة قوية وفاعلة في صنع القرار السياسي والحصول على المناصب والامتيازات من الحكومة الاتحادية في بغداد.
وقد نصت المادة الأولى من الدستور الدائم على أن “جمهورية العراق دولة اتحادية واحدة مستقلة ذات سيادة كاملة، نظام الحكم فيها جمهوري نيابي (برلماني) ديمقراطي “. وذكر الاتحادية هنا بمعنى: الإلتزام بالنظام الفيدرالي، بينما أكدت المادة الرابعة “أن اللغة العربية والكردية هما اللغتان الرسميتان في العراق”.
أما بخصوص كيان كردستان؛ فقد نص الدستور في المادة 116: على أن “النظام الاتحادي يتكون من عاصمة وأقاليم ومحافظات لا مركزية وإدارات محلية”، بينما نصت المادة 117 على “إقرار هذا الدستور لإقليم كردستان وسلطاته القائمة…”.
نجح الكُرد بعد 2003 في تحقيق الكثير من المكاسب والإنجازات التي ساهمت في تطوير البنية التحتية وتقديم نموذج مختلف داخل العراق الجديد، في ظل انشغال الأطراف السياسية (الشيعية) في بغداد بتصفية الحسابات والانتقام السياسي بدل بناء الدولة وفتح صفحة جديدة.
وقد كانت الأجواء بعد 2003 مناسبة لفتح صفحة جديدة والتفكير في بناء دولة حديثة ونظام حقيقي يلتزم بمبادئ حقوق الإنسان والعدالة والحرية والمساواة، وتجنب الأخطاء السابقة، وتجنب المشاكل والفوضى؛ ولكن من المؤسف أن الفاعل السياسي الذي سيطر على الحكم واستحوذ على المناصب المهمة لم يفكر بطريقة استراتيجية، بل تبنى سياسات اقصائية ضد باقي المكونات وأسس لنظام المحاصصة سيئ الصيت، وبهذا أدخل العراق مجدداً في دوامة العنف والصراع الطائفي والمذهبي وسمح بالتدخلات الخارجية وفشل في إدارة الدولة، وعزز الانقسامات المجتمعية التي أدت لاحقاً إلى اضعاف المجتمع بدل التأسيس للتعايش بين كافة المكونات.
بعد دخول العراق في حالة من الفوضى والعنف قررت القيادة الكُردية التعامل بصورة مختلفة داخل مناطق سيطرتها، وقررت فتح صفحة جديدة بالكامل والعمل على نشر مبادئ التعايش والتسامح بين المذاهب والأديان المختلفة الموجودة في هذه المناطق. وقد كانت هذه الطريقة نقطة تحول مهمة، ساهمت في بناء استقرار طويل الأمد بعكس باقي مناطق العراق، التي دفعت ثمن السياسات الطائفية والاقصائية للقيادة السياسية في بغداد.
ومن الممكن الحديث هنا عن معالم هذه التجربة الكُردية في مجموعة من المجالات، وكما يأتي:
1- الاستقرار الأمني: بعد مرور عام واحد على الاحتلال تم إعادة استلام الملف الأمني من قبل القوات الأمنية في كردستان، وحصل الاستلام الرسمي في عام 2007، وشهدت مناطق كردستان استقراراً امنياً كبيراً مقارنة بباقي المناطق في العراق، وقد دفع هذا الأمر الكثير من المواطنين إلى اللجوء إلى كردستان من باقي المناطق العراقية وخاصة بعد اندلاع أعمال العنف الطائفي عام 2006، والتي أدت بعدها إلى وقوع الآلاف من الضحايا واختفاء الكثير من المواطنين.
2- النمو الاقتصادي: الأمن والاستقرار يجذبان النمو الاقتصادي والاستثمارات الخارجية، وخاصة بعد تبني إدارة كردستان لسياسات معينة ساهمت في كسب الاستثمار الخارجي، وتوفير بيئة جاذبة بعكس البيئة الطاردة التي تشكلت في باقي مناطق العراق؛ حيث شرّع البرلمان قوانين معينة ساهمت في تعزيز الاستثمار وحماية المستثمر المحلي والخارجي مما أدى إلى تعزيز العمران وتطور البنى التحتية بصورة ملحوظة خلال هذه الفترة.
واستمر هذا النمو والازدهار الاقتصادي حتى أواخر عام 2014، والذي تفاقمت فيه المشاكل السياسية بين أربيل وبغداد، وأدت إلى قطع حصة كردستان من الموازنة العراقية، الذي تزامن مع ظهور تنظيم (داعش)؛ الأمر الذي أثر سلبياً على الوضع الاقتصادي وتسبب بجمود وتراجع كبير في المجال الاقتصادي.
3- الاستقرار السياسي: شهدت كردستان استقراراً سياسياً بسبب احتكار السلطة بيد الحزبين الرئيسيين: الاتحاد الوطني الكردستاني والديمقراطي الكردستاني، واستمر هذا الأمر حتى عام 2009 عندما انشقت حركة التغيير عن الاتحاد الوطني الكردستاني وتحولت إلى حزب معارض يتحرك بقوة في الشارع؛ حيث بدأت التظاهرات الشعبية في 2011 بالتزامن مع الربيع العربي في الدول العربية.

الانسحاب الأمريكي عام 2011 وبداية ظهور المشاكل
نجح الكُرد في حصد الكثير من المكاسب في فترة 2003 وحتى بداية الانسحاب الأمريكي في عام 2011، وعلى الرغم من المشاركة الفاعلة في تشكيل الحكومات العراقية والتحالف مع (الأحزاب الشيعية)؛ إلا أن هذه الاتفاقيات والتحالفات لم تكن وفق رؤى استراتيجية لخدمة مناطق كردستان، ولم تكن علاقات مؤسساتية بل كانت العلاقات غالباً مع بغداد ذات طابع شخصي وليس مؤسسي، وبالتالي يسهل انهيارها لأنها لا تؤسس لشراكة حقيقية على المدى البعيد.
وعلى الرغم من الدور الكُردي في تشكيل الحكومة الثانية لنوري المالكي عن طريق اتفاقية أربيل، إلا أن تغليب المصالح الحزبية عرقل الوصول الى تفاهمات نهائية للقضايا العالقة، وكانت أبرز المشاكل التي ظلت بدون حلول حينها وحتى الآن هي:
أولا: موضوع حدود كردستان: سيطر الكُرد إضافة إلى محافظات: السليمانية وأربيل ودهوك على مناطق أخرى في محافظات: كركوك وديالى ونينوى منذ آذار 2003، وكانت هذه المناطق تُسمى بالمناطق المتنازع عليها، ولم تكن بغداد تعترف بشرعية السيطرة الكُردية على هذه المناطق، وكانت هذه النقطة محور نزاع وصراع دائم بين الطرفين كما كانت في السنوات الماضية، وأدت لعرقلة وافشال أي تفاهم او اتفاق بين الكُرد والأنظمة العراقية سابقاً.
ثانيا: وضع كركوك وعدم تطبيق المادة 140: نجح الكُرد في وضع مطالبهم داخل الدستور الدائم للعام 2005، وكانت الآلية عبارة عن إجراء إحصاء للسكان يليه استفتاء لتحديد وضع كركوك. وبحسب المادة 140 من الدستور كان من الواجب إجراء هذه الخطوات في عام 2007 ولكن بسبب الخلافات السياسية وغياب الإدارة الحقيقية تم تعطيل هذه المادة حتى اليوم.
ثالثا: إدارة الملف الأمني والثروات: وهذا الأمر متعلق بصورة كبيرة بالمناطق المتنازع عليها؛ لأن من يسيطر على هذه المناطق يتحكم بالثروات الطبيعية فيها ويكون له موقع أفضل في المفاوضات السياسية، وبالتالي فكل طرف ينتظر ضعف الآخر للسيطرة والتوسع والاستحواذ على الثروات دون وجود أي اتفاقية دائمة او ثابتة لإنهاء هذا النزاع على الثروات وإدارة الملف الأمني بصورة تعود بالفائدة للطرفين، وخاصة إن الفراغات الأمنية التي تشكلت بعد 2017 فتحت مجالاً لتنظيم داعش و الفصائل الولائية بالتحرك في هذه المناطق واستخدامها كمركز لانطلاق الهجمات على المناطق الأخرى وتشكيل تهديد أمني مستمر في هذه المناطق وتحويلها الى بؤر للصراع.
ومن السهل معالجة هذه المشاكل في ظل نظام (ديمقراطي) يحتكم إلى الدستور والقانون، ولكن من الواضح إن الفشل في تحقيق (الديمقراطية) الحقيقية بكامل عناصرها وشروطها أدى إلى تكريس النزاعات الاجتماعية والقومية والطائفية داخل العراق، فالديمقراطية ليست مجرد انتخابات شكلية وشعارات سياسية، بل هي عبارة عن مجموعة من العناصر والشروط التي من الواجب تحقيقها على أرض الواقع لرؤية نظام سياسي سليم، ومنها: احترام حقوق الانسان والحريات، وسيادة القانون، وإجراء انتخابات نزيهة تجسد إرادة الجماهير ، وتحقيق العدالة، ومجموعة أخرى من المبادئ.
وقد اتجهت حكومة بغداد بعد الانسحاب الأمريكي نحو المزيد من المركزية وحاولت إضعاف سلطة حكومة كردستان وغيرها، وكانت العلاقات متوترة ووصلت إلى مرحلة الصدام وخاصة في المحافظات الغربية التي خرجت للتظاهر ضد الحكومة مطالبة بحقوقها؛ ولكن المالكي بدل الاستجابة لمطالبهم قرر المواجهة واستخدام العنف في التخلص من هذا الحراك؛ ما أدى إلى ظهور الجماعات الإرهابية المتطرفة مثل تنظيم داعش وسيطرتها على عدة مدن عراقية وتحولها إلى خطر حقيقي على كيان الدولة، وفي ظل هذه الانهيارات كانت حكومة المالكي تعمل على التضييق على كردستان وقطع حصتها من الموازنة، وتسبب هذا بتدهور العلاقات أكثر بينهما.
ظهور تنظيم داعش عام 2014 وتحوله إلى خطر مشترك لكردستان وبغداد دفع الطرفان إلى تنحية الخلافات الجانبية والتركيز على ملف مكافحة الإرهاب تحت مظلة التحالف الدولي بقيادة الولايات المتحدة الأمريكية، ولكن مع اضعاف وانتهاء التنظيم بدأت الخلافات تظهر مجدداً، وصولًا إلى اتخاذ القيادة الكردية في أربيل قرار التوجه إلى إجراء استفتاء على الاستقلال والانفصال عن العراق في عام 2017.
خيار الاستفتاء وخسارة المكاسب التاريخية
كان رئيس حكومة كردستان “مسعود البارزاني” يشعر حينها أن الوقت أصبح مناسباً لإجراء الاستفتاء مع تراجع وانهيار تنظيم داعش وغياب التفاهم مع المركز في بغداد، ولكن دون أن يحسب حساب للخلافات والمشاكل الداخلية في كردستان والتي قد تؤثر على الاستفتاء ونتائجه، حيث كانت قوات البيشمركة لا تزال منقسمة بين الحزبين الحاكمين، إضافة إلى اعتماد كردستان على الاستيراد من الخارج لتلبية حاجاته وغياب الإنتاج المحلي، والأهم من ذلك غياب الرؤية المشتركة لجميع الأطراف السياسية؛ حيث إن قرار الاستفتاء ظهر وكأنه تجسيد لإرادة السيد مسعود البارزاني وحده وليس تجسيداً للرغبة الكُردية بكافة الأطياف والأطراف والمكونات الموجودة في كردستان العراق.
وقد ساهمت هذه العوامل في فشل الاستفتاء، ومن ثم اتخاذ قرار تجميده بعد التعرض لضغوطات داخلية وخارجية، وخسارة الكثير من المكاسب والامتيازات التي تم الحصول عليها خلال السنوات الماضية؛ حيث فرضت حكومة العبادي حصاراً مؤلماً على مناطق كردستان، وأغلقت المطارات ولولا الغطاء الدولي والدعم المستمر لوضع كردستان؛ لكانت حكومة بغداد قد سيطرت على كردستان العراق بصورة كاملة.
كان على الكُرد ان يحوّلوا عام 2017 إلى عام الفرص وقطف الثمار بعد مشاركتهم الفاعلة في محاربة تنظيم (داعش)، إلا أنه تحوّل إلى عام كارثي بالنسبة إلى الُكرد وكردستان العراق، وبدل الحصول على الدعم الدولي والمزيد من المكاسب والامتيازات، خسر الكُرد الكثير من المكاسب وتراجعوا خطوات إلى الوراء في مشروعهم؛ حيث لم يقتصر الأمر على فقدان السيطرة على مساحات واسعة من (المناطق المتنازع عليها) وإثارة غضب الكثير من القوى الإقليمية والدولية؛ وإنما عمّق الخلافات السياسية الداخلية في كردستان وسط اتهامات متبادلة بالخيانة بين الأحزاب الرئيسية.

ما بعد الاستفتاء
خيار الاستفتاء كان دليلاً على فشل الشراكة القائمة التي تم التسويق لها منذ 2003؛ حيث إن العلاقة لم تكن مبنية على أسس ومبادئ واضحة وعلاقة مؤسساتية بل كانت مرتبطة بعلاقات ومصالح شخصية لا تتحمل الهزات والتحديات.
وعلى الرغم من خسارة الكثير من المكاسب نتيجة للسياسات الخاطئة إلا أن أحدًا لم يتحمل المسؤولية عما جرى، بل تم تبادل الاتهامات بين الأطراف السياسية، التي أعادت السيطرة على المشهد السياسي بعد انتخابات عام 2018 وأظهرت أنفسهم كمنقذين للكُرد بعدما تسببوا هم أنفسهم بتعريضهم إلى الخطر والتسبب بخسارة الكثير من المناطق وتهجير الأهالي منها، وعادوا مجدداً إلى بغداد للاتفاق مع الأطراف السياسية والقبول بالمكاسب والمناصب كطرف ضعيف خلافاً لما كانوا عليه في السابق.
بعد انتهاء حقبة العبادي ومجيء عادل عبد المهدي تغيرت الأمور بعض الشيء؛ حيث حاول عادل عبد المهدي أن يتجاوز التوتر الموجود في العلاقة بين أربيل وبغداد ويكسب ود الطرف الكُردي ويجعله بجانبه؛ حيث تم عقد اتفاق جديد بين الطرفين في 2019 حول النفط وحصة كردستان من الميزانية، وبسبب العلاقات القديمة لعبد المهدي مع الأطراف الكُردية فإن عبد المهدي قرر الاستمرار في إرسال حصة كردستان، وقابلت الأطراف الكُردية ذلك بدعم عبد المهدي لمواجهة التحديات التي واجهت حكومته أثناء التظاهرات والاحتجاجات الشعبية.
ومن هنا يظهر مجدداً أن علاقات المجاملات بين الطبقة السياسية في بغداد وأربيل هي التي تحكم حتى الآن رغم تراجع قوة التحالف (الشيعي-الكُردي) بعد تداعيات الاستفتاء عام 2017 ، إلا أن الشخصنة والتخادم السياسي بين الطبقة السياسية التي سيطرت على بغداد والأحزاب السياسية التي احتكرت المشهد السياسي في كردستان كانت هي العامل الرئيسي في رسم ملامح العلاقة بين الكُرد وبغداد، ومن الممكن اعتبار حضور عامل الشخصنة في العلاقات على حساب المؤسساتية عاملاً رئيسياً في غياب الاستقرار في العلاقات وتدهورها كل فترة مع تغيير الحكومات في بغداد .
ويتضح من هذا السرد أن العلاقات بين أربيل وبغداد حتى بعد 2003 لم تتحول الى علاقة متينة ومستقرة بعد تأسيس النظام الجديد، بل كانت يغلب عليها الطابع الشخصي، وكانت الأولوية للمصالح الحزبية على حساب المصالح القومية الوطنية، وكان المواطن الكُردي هو من يدفع ثمن اندلاع المشاكل والصراعات بين أربيل وبغداد وخاصة فيما يتعلق بالرواتب وحرمان المواطنين من حقهم المشروع.

قيادة الجيل الجديد بعد حقبة (قادة الجبال)
ما يميز المرحلة الحالية أن جميع القادة البارزين الذين قادوا الحركة الكُردية خلال المرحلة الماضية لم يعودوا متواجدين على الساحة السياسية الكُردية بصورة فعالة، فبعد وفاة زعيم الاتحاد الوطني الكردستاني (مام جلال) و زعيم حركة التغيير (نوشيروان مصطفى ) في عام 2017، واستقالة (مسعود البارزاني) من رئاسة كردستان نتيجة لتداعيات الاستفتاء، أصبح الشباب هم من يقودون الحركة الكُردية، حيث يرأس القياديان (بافل طالباني) و (لاهور شيخ جنكي) الاتحاد الوطني الكردستاني، بينما يرأس حكومة كردستان (مسرور بارزاني) نجل (مسعود البارزاني)، وهناك تباين واضح في وجهات النظر لدى القادة الشباب الجدد في السياسات الداخلية في كردستان والخارجية مع بغداد.
وكان هناك تعويل على هذا الجيل الجديد في تبني طرق عصرية للحكم بحكم عيشهم في دول أوروبية ورؤيتهم للتجارب الناجحة للعالم، ولكن حتى الآن تسير الأحزاب السياسية الرئيسية الحاكمة في كردستان على نفس نهجها القديم دون مراجعة أدائها أو الاعتراف بأخطائها السابقة، والمشكلة الأكبر هي غياب الثقة بين (الديمقراطي الكردستاني) و(الاتحاد الوطني الكردستاني)، والدليل على ذلك احتفاظ كل حزب بقواته المسلحة وعدم الاكتراث بمشاريع توحيد البيشمركة التي تعهدوا بتوحيدها ضمن وزارة واحدة منذ 2003، ومن الواضح أن غياب الثقة هو السبب الرئيسي وراء احتفاظ كل طرف بقواته الحزبية وعدم الاستعداد لتشكيل قوة وطنية واحدة تتحمل مسؤولية حماية حدود كردستان، وتحمل على عاتقها حماية المواطنين ومصالحهم بدل توفير الحماية للأحزاب السياسية.
في تقرير لمركز كارنيغي للشرق الأوسط يقول: إن شخصنة السلطة إلى نظام زبائني كثيف بناه الحزب الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني الكردستاني من خلال التوظيف الحكومي، وفي هذا النظام الزبائني تُستخدم قوات البيشمركة كوسيلة لتوزيع الخدمات الاقتصادية والموارد مقابل الدعم السياسي، وهذه الممارسات تعود إلى عام 1992 عندما كان الحزبان الرئيسان يصنعان العديد من الوظائف دون أي دراسة جدوى أو رؤية مستقبلية. وبالنسبة للعديد من الشباب كان التحوّل إلى مقاتلي البيشمركة هي الوظيفة السهلة المتوفرة. ومن الصعب معالجة هذا الموضوع وإنهاء الفصائل والهياكل المسلحة التابعة للشخصيات الحزبية في ظل غياب مركزية في القرار وبقاء الانقسام السياسي، الذي يعرقل مشاريع الإصلاح الحقيقية.
بعد 18 عاما على سقوط النظام العراقي السابق وبناء النظام الجديد بمشاركة كُردية، لم ينجح الكُرد بعد في بناء نظام قائم على المؤسسات بعيداً عن الشخصنة والمصالح الحزبية الضيقة، وبسبب الأخطاء الداخلية الموجودة في كردستان وغياب المشروع الوطني الشامل، لم تستقر العلاقات مع المركز في بغداد بصورة كاملة، بغض النظر عن الطرف المسؤول عن تدهور هذه العلاقات، وفي مؤتمر: الوحدة وقضية الدستور في (جامعة كُردستان)؛ صرحت ممثلة الأمم المتحدة في العراق “بلاسخارت” بأنه “لا توجد ضمانة كاملة لبقاء هذا النموذج من الحكم الذاتي في كردستان “. وقد كان هذا تحذيرًا واضحًا للسياسيين في كردستان؛ لمراجعة سياساتهم والاستفادة من أخطائهم والبدء ببناء مشروع مؤسسي برامجي يهدف لبناء الحاضر وضمان المستقبل للأجيال القادمة.
كردستان العراق بحاجة إلى عمل طويل وقرارات شجاعة وإرادة حقيقية لضمان بقائها كنموذج آخر مقارنة بباقي المناطق في العراق، ومن الواضح أن توحيد القوات المسلحة وتحقيق الشفافية هما من الخطوات الأساسية لبناء كيان قوي قادر على مواجهة التحديات والمشاكل التي قد تتعرض لها كردستان مستقبلاً، ويبدو واضحاً أن الفترة الحالية هي فترة ذهبية بالنسبة إلى الأحزاب الكُردية التي تسيطر على الحكم، ولديها مشاركة فاعلة في الحكومة المركزية والمناصب الإدارية والسياسية في بغداد. وفي حال استخدام هذا النفوذ والمكانة لخدمة كردستان وتحسين معيشة المواطنين؛ فإن كردستان ستتقدم خطوات كثيرة إلى الامام، بينما استمرار الفساد وغياب المحاسبة سيؤديان إلى إضعافها بصورة أكبر ويعرضانها إلى خطر الانهيار والانقسام مستقبلاً.

المصادر والمراجع:
عبدالكريم خسرو جوزل، تطورات القضية الكُردية في العراق مابعد 2003، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، 2013.

Joost Hiltermann، مستقبل الأكراد في العراق، مجموعة الازمات الدولية ،يونيو 2008 https://www.crisisgroup.org/ar/middle-east-north-africa/gulf-and-arabian-peninsula/iraq/le-monde-diplomatique-09-06-2007
صحيفة سبر الكويتية، سر استقرار إقليم كردستان العراق https://www.sabr.cc/2016/05/24/204211/

عبدالحكيم خسرو جوزل، تطورات القضية الكردية في العراق ما بعد 2003، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، 2013 .

لاري هاناور، جيفري مارتيني عمر الشاهري، إدارة التوتر العربي الكردي في شمال العراق بعد انسحاب القوات الامريكية، معهد راند للدراسات، 2011.
ما بعد محاولة كردستان العراق التي تم إحباطها لتحقيق الاستقلال، مجموعة الازمات الدولية، مارس 2019.

إياد العنبر، الشخصنة لا المؤسساتية، من يحكم علاقة بغداد بكردستان؟ يونيو 2019 https://cutt.us/zPEDI

ماريو فومرتون، فلاديمير فيلغنبورغ، تحدي توحيد قوات البيشمركة، 16 ديسمبر 2015
https://carnegie-mec.org/2015/12/16/ar-pub-61931

دراسة خاصة براسام