صالح لطفي
باحث ومحلل سياسي
مقدمة
1- بلغ تعداد المجتمع (الإسرائيلي) وفقا لإحصائيات عام (2018م) (6,999,218) يهودي ، فيما بلغ عدد السكان العرب في البلاد (باستثناء العرب القاطنين في المناطق المحتلة عام (1967) وضمتها إسرائيل رسميًا/القدس والجولان) (1,360,885)، ويشكل العرب ما نسبته (16.28%) من مجموع السكان العام… والإحصاء السكاني لليهود يشمل المستوطنين في المناطق المحتلة عام (1967م)، وهم يشكلون ما نسبته 9.22% من التعداد اليهودي؛ إذ يستوطن في الضفة الغربية 622,670 مستوطن ويستوطن 23 ألف مستوطن في الجولان( ).وبلغ عدد اليهود القادمين إلى (إسرائيل) منذ قيامها عام (1948)وحتى عام (2018) وفقًا لإحصائيات اللجنة المركزية (3,2) مليون قادم أي أنَّ (45,72%) من (الإسرائيليين) هم قادمون إلى الدولة. وشكل عدد القادمين إلى البلاد منذ عام 1992 وإلى هذه اللحظات (42%) من مجموع القادمين الكلي، أي بلغ عدد القادمين خلال 26 عامًا (1,344) مليون مستوطن جديد، مما يعني أننا أمام دولة تعتمد الهجرة أساسا لمدها بالقوى البشرية( )، بيدّ أن هناك ما تخفيه المؤسسة (الإسرائيلية) من هجرة عكسية (النزوح-يريداه) وهذا النزوح يشكل عمليًا الظاهرة المضادة للهجرة (القدوم-العلياه)، وثمة اختلاف حولها من حيث العدد ومن حيث نوعية المهاجرين، ومع ذلك فثمة اتفاق بين المختصين أن الهجرة العكسية شكلت 10% من مجموع السكان اليهود( ). وتشير معظم الدراسات إلى أن البلد المفضل للمهاجرين الطوعيين (النازحين) هي الولايات المتحدة الامريكية( ).
2-يشكل العلمانيون داخل المجتمع (الإسرائيلي) 45%( )، والمحافظون 25%، والطائفة الحاريدية بمدارسها المختلفة 14%، فيما شكل المتدينون بمختلف مدارسهم الدينية 16%. مما يعني أنّ المجتمع (الإسرائيلي) اكثر محافظة وتدينا( ).
3- المجتمع (الإسرائيلي) بدأ كمجتمع مهاجرين إحلالي مكون من مجموعات بشرية من المهاجرين اليهود وبعد مرور سبعة عقود على قيام إسرائيل فإننا أمام ثلاث مجموعات بشرية تعيش على هذه الأرض: اليهود ويقسمون إلى قسمين كبيرين: مواليد هذه البلاد، والمهاجرين منذ تسعينيات القرن الماضي في الهجرة المشهورة ليهود الاتحاد السوفياتي سابقًا، وهي مجموعة بدأت تضمر أمام مواليد البلاد، وأخيرا العمال الأجانب الذين أحضرتهم المؤسسة (الإسرائيلية) بعيد الانتفاضة الفلسطينية الأولى سنة (1987م)( ).
4- تشكلت على الأرض في فلسطين منذ أواخر القرن التاسع عشر وبشكل تدريجي، مجموعة قومية يهودية مهاجرة يدفعها نحو الهجرة إلى فلسطين ثلاثة دوافع: دافع أيديولوجي، ودافع سياسي، ودافع معيشي يتعلق بتحسين ظروف المعيشة وجودة الحياة. وتدعمت مع مرور الوقت أركان هذه المجموعة المهاجرة بثلاثة دعائم ثبتت بشكل بطيء وجودها ورسخته، وهي: الوحدة الثقافية من خلال إحياء اللغة العبرية التي اضحت اللغة الجامعة والقاسم المشترك لهذه المجموعة المتنوعة لغويًا وعرقيًا، ووجود مؤسسات (صهيونية) وغير (صهيونية) تابعة للتيار الحاريدي، تدعم هذه المجموعة الوافدة ماديًا وفكريًا وثقافيًا وتمكنها من الوجود. ورُفد هذا الوجود بعامل ثالث وهو تأسيس مليشيات عسكرية تحميه في حالة معارضة السكان المحليين له.
وعمليًا فقد جاءت هذه الهجرات بعد المجازر التي تعرض لها اليهود في روسيا ورومانيا بين سنوات (1881 و1903م)، وهو ما منح هذه الهجرات إلى فلسطين -على الأقل- تبريرًا أخلاقيًا، علمًا أن دهاقنة الحركة الصهيونية ممن أمنوا بضرورة وجود حل لليهود بإقامة كيان لهم بغض النظر عن المكان؛ لم يتركوا ركنًا إلا وبحثوا فيه عن إمكانيات إقامة كيانهم، وكانت من أهم خطواتهم في هذا الصدد توجههم في بدايات عام (1933م) نحو أستراليا للاستيطان فيها، بدعم من التاج البريطاني ومختلف المجموعات السياسية الأنجلوسكسونية، وكان ذلك بعد صعود النازية لحكم ألمانيا؛ فاستوطنوا في مقاطعة (كمبرلي) الواقعة في الشمال الغربي للقارة. وبقيت مساعي البحث هذه قائمة إلى لحظة نشوب الحرب العالمية الثانية( ).
لماذا قامت إسرائيل؟
5-لماذ قامت إسرائيل؟. سؤال شغل بال الاكاديميين (الإسرائيليين) وغيرهم واختلفت بشأنه الإجابات كل من منطلقه الفكري والأخلاقي فمنهم -أي من الباحثين والمفكرين (الإسرائيليين)- من ذهب إلى ان قيام الدولة كان تجليًا طبيعيًا لأشواق ورغبات الحركة الصهيونية، التي تعود إلى أمور موغلة في التاريخ من مثل: قدوم إبراهيم -عليه السلام- إلى أرض كنعان والنور، و(التوراة) التي تلقاها موسى -عليه السلام- في طور سيناء، والخروج من مصر، وأن هذا الموروث الموغل في القدم وفي الصيرورة التاريخية للشعب اليهودي؛ هو الذي دفع وحركَّ نحو مبادرات أفضت إلى إقامة الدولة العبرية عندما توفرت وتهيئت اللحظة التاريخية المناسبة( )…..وهناك من الباحثين من ذهب إلى أن إسرائيل قامت كحاجة ماسة ليتخلص يهود أوروبا من العنصرية واللا-سامية التي انتشرت فيها في أعقاب مرحلة تكون الدول القومية الأوروبية، وما كان ظهور الحركة الصهيونية إلا سببًا مباشرًا لهذه العنصرية، وكحل لمشكلة اليهود في أوروبا الذين يتعرضون لآثارها.
وهناك فريق ثالث من الباحثين (الإسرائيليين) وغير (الإسرائيليين) ممن يرون أن قرار إقامة إسرائيل لم يكن مرتبطًا بالتاريخ ولا بنظريات العودة إلى صهيون؛ بل كان السبب المباشر لإقامة دولة يهودية في فلسطين مرتبط بقرار اتخذه (لاعب سياسي) في ظل ظروف محددة، وتمثل هذا اللاعب في الحركة الصهيونية، التي تلاقت مصالحها الاحتلالية مع الأطماع الاستعمارية الأوروبية في المنطقة، وكان القاسم المشترك بين الطرفين هو نزعات دينية ثاوية في العقلية الاستعمارية منحتها مبررًا أخلاقيًا للأعمال الاستعمارية والاحتلالية التي قامت بها، فضلًا عن المصالح الاقتصادية( ).
وتعتبر تجليات القوة سببًا مباشرًا في هذا السياق من حيث امتلاك اليهود المال والنفوذ؛ ولأن الغرب يقدس القوة ويعتقدها ويؤمن أن شرط وجوده هو نهب ثروات العالم الثالث؛ ولأن الحركة الصهيونية تخلقت في أوروبا وحملت بذور الفكر النتشوي والدارويني المقدس للقوة؛ فقد ارتأت هذه الحركة عبر تقاطع مصالحها مع الاستعمار الغربي أن تكون فلسطين هدفها الاستعماري.
6-مع نهايات القرن التاسع عشر بدأت عملية الإعداد لإنشاء دولة الشعب اليهودي على أرض فلسطين واعتبرت القضية في حكم المنتهية والمفهومة ضمنا سواء على مستوى الحركة الصهيونية أو على مستوى الدول الأوروبية قاطبة مع إعلان بلفور الصادر في الثاني من نوفمبر/تشرين ثاني من عام (1917م). أو قبل ذلك مع اتفاقية (سايكس بيكو) في (مايو/أيار-1916) التي فرقت المنطقة وشتت أدنى أمل بقيام دولة عربية-إسلامية جامعة على انقاض الدولة التركية -الرجل المريض-؛ إذ شكل الاتفاق، الجسر السياسي-الأخلاقي الذي حقق قيام وطن قومي لليهود على بعض من أرض فلسطين، وفقا لقرار التقسيم وأسس عمليًا لتكوين مجتمع يهودي يجتمع على أرض فلسطين، وحسم نهائيًا وجود مجتمعين يهوديين عالميين، مجتمع/شعب تكوَّن ويتأسس في الولايات المتحدة وكله من المهاجرين، وآخر يتكوَّن ويتأسس على أرض فلسطين وكله من المهاجرين، مع وجود أقلية (صابرية) عاشت على أرض فلسطينية منذ أزمان بعيدة، أو هاجرت بعد المذابح في أسبانيا إلى أرض فلسطين في إطار سماح الدولة العثمانية لليهود دخول أراضيها والاستيطان فيها كرعايا يعيشون فيها.
7- عززت الهجرات المتتالية من أوروبا إلى فلسطين باستمرار ضرورة إقامة وطن قومي لليهود على أرض فلسطين خاصة بين المهاجرين أنفسهم ومشاركتهم في تنفيذ المشروع الصهيوني -أي إقامة كيان سياسي على أرض فلسطين-. وقد حصلت حالة من الإجماع اليهودي بين المهاجرين على هذا الأمر مستثنين من ذلك الطوائف الحاريدية الرافضة أصلًا للحركة الصهيونية والفكرة الصهيوينة والمشروع الصهيوني برمته؛ لأسباب تتعلق بعقائدهم الدينية، وحركة بريت شالوم( )، التي تأسست في أعقاب الكونغرس الصهيوني الرابع عشر عام (1925م) في مدينة القدس، وهي الحركة الوحيدة من بين الحركات المنضوية تحت اللافتة الصهيوينة التي اعترفت علنا ببعض الملكية العربية للأرض الفلسطينية، وتطلع أعضاء الحركة إلى إحياء الثقافتين -اليهودية والفلسطينية- من أجل خلق إطار للتعايش القائم على الاعتراف المتبادل كأساس لقيام دولة ثنائية القومية، مبنية على الاعتراف الثقافي والحضاري بين المجموعتين، اللتان تستوطنان هذه الأرض وفقًا لتصوراتهم.
لذلك هناك من يعتبرها حركة السلام الأم أو لنقل -كما يذكرون- حركة السلام (الإسرائيلية) الأولى، ويعتبرون المفكر والأديب (آحاد هعام)، الذي اعتنق الصهيونية الروحية -التي تقيس أهدافها قبل كل شيء بالمعايير الأخلاقية- الأب الروحي لحركتهم. إلى جانب ذلك فإنَّ الحركات الدينية الحاريدية رفضت الحركة الصهيونية وأعمالها جملة وتفصيلا، بل واعتبرت الصهيونية دينا جاء ليحلَّ محل الديانة اليهودية ذاتها( ).
8- يتكون المجتمع (الإسرائيلي) من مجموعات عرقية مختلفة قادمة من أصقاع الأرض منها ما هو قادم من المشرق العربي والإسلامي ويطلقون عليهم اليهود الشرقيين، مع إشارات إلى أن هذه التسمية فضفاضة نوعًا ما، ولاقت احتقارًا واستهزاء من اليهود الأشكناز أمثال (بن غوريون)؛ حيث اعتبروهم متخلفين وليسوا بحداثيين، ومستوياتهم الثقافية والتربوية متدنية، ويتخلقون بأخلاق وقيم ومفاهيم العصور الوسطى( )، واليهود الأشكناز؛ حيث تأسست في أحضانهم الأوروبية الحركة الصهيونية، وتأثروا بالمفاهيم الشوفينية والعنصرية، التي رسمت أوروبا القومية وأورثت حربين عالميتيين. ويعتقدون هؤلاء أن قيام إسرائيل تم بفضلهم وبسبب استيطانهم وهجراتهم المتعددة ونشوء الحركة الصهيونية بين ظهرانيهم واعتمادها الهجرة والاستيطان واستغلال النفوذ اليهودي العالمي لقيام هذه الدولة( ).
وفيما بعد شكل يهود الفلاشا البعد الثالث في المكون اليهودي لهذه الدولة وقد اضفى هذا المكون الثالث نوعا من التجديد والتنوع العرقي-الاثني- والثقافي على المجتمع (الإسرائيلي)؛ لكنه كشف عن أعماق جديدة مخبئة من العنصرية داخل المجتمع (الإسرائيلي) اتجاه هؤلاء اليهود المختلفين: بشرة ولغة وثقافة. وعلى الرغم من أن الحاخام السفاردي (عوفاديا يوسف) والحاخام الأشكنازي (شلومو غورين) قد أقرا بيهوديتهم وصدرت بذلك الفتاوى الواضحة؛ إلا أن العرق الابيض (الأشكنازي) تحفظ على هذه الفتاوى (الحاخامية الأمريكية)؛ ولذلك لم يكن الاعتراف بيهوديتهم تلقائيًا. وقد دفع هذا الأمر (الفلاشا) إلى خوض نضالات متواصلة مع المؤسستين الدينية والرسمية لنيل حقوقهم المدنية والدينية من جهة، ولقبولهم في الشارع (الإسرائيلي) الناضح بالعنصرية من جهة أخرى( ).
9-سياسيًا، منذ اعلان دولة (إسرائيل) في الرابع عشر من مايو (أيار) من عام (1948)؛ سيطر اليهود القادمون من أوروبا الشرقية (الأشكناز) على مقاليدها، والتي مُثلت لاحقًا بحزب العمل، ذي التوجه الاشتراكي. وبدأت التحولات على الساحة السياسية (الإسرائيلية) منذ حرب 1967، وتسارعت وتيرة هذه التحولات مع حرب أكتوبر (تشرين الأول) عام (1973)، حتى وصلنا إلى نقطة التحول الكبرى التي أدت إلى تغيير كبير في تركيبة وشكل المجتمع (الإسرائيلي) وهو ما عُرف لاحقًا بالانقلاب السياسي الذي حدث عام (1977). ويُقصد بهذا الانقلاب السياسي فوز (حزب الليكود اليميني) بالانتخابات البرلمانية، وفرض سيطرته على الحكم، وذلك بعد تأسيسه بأربع سنوات فقط.
لكامل الدراسة يرجى الضغط هنا
دراسة خاصة براسام

