الباحث: حسين صالح السبعاوي

مصطلح “إرهاب الدولة” بشكل عام هو تلك الأعمال الإرهابية التي تقوم بها الدولة ضد شعبها أو تقوم بنشر أعمال العنف ضد الشعب.
وقد ورد تعريف الإرهاب في الموسوعة البريطانية على أنه ” الاستخدام المنظم للعنف لخلق مناخ عام من الخوف في عدد من السكان، ومن ثم تحقيق هدف سياسي معين”، وتضيف الموسوعة أن ” إرهاب المؤسسات وكثيرا ما يسمى إرهاب الدولة أو الإرهاب الذي ترعاه الدولة، يشير إلى العمل من قبل الحكومات – أو غالباً ما يكون من قبل الفصائل داخل الحكومات – ضد مواطني تلك الحكومة ممن هم ضد هذه الفصائل، أو ضد مجموعات أو حكومات أجنبية”.
إن هذا التعريف أعلاه ينطبق تماما على الحكومة العراقية وهي تمارس الإرهاب ضد الشعب العراقي عموما وضد مكون بعينه تحديدا .
عندما احتل العراق من قبل الولايات المتحدة الأمريكية وحلفائها سنة ٢٠٠٣ فإن أول عمل أقدمت عليه هو حل كافة المؤسسات الأمنية والعسكرية للدولة العراقية، ثم شرعت في تشكيل مؤسسات على أسس طائفية وفتحت المجال أمام الساسة الشيعة بتشكيل العشرات من المليشيات المسلحة، ولا يخفى الهدف من تشكيل هذه المليشيات، فهي للإستهداف الطائفي وإثارة النعرات المذهبية بين أبناء الشعب العراقي، كما أقدمت الحكومة العراقية في سنة ٢٠٠٥ بتشريع قانون اشتهر بـ (٤ إرهاب) وصار يطبق حصريا على فئة دون أخرى، وهذه سابقة قانونية لم يحدث مثلها في العالم بأن يشرّع قانون مكافحة الإرهاب ضد مكون واحد من مكونات الشعب العراقي المتعددة.

أهم الميليشيات التي انتشرت بعد سنة ٢٠٠٣ :
١- ميليشيا بدر بزعامة هادي العامري .
٢- ميليشيا جيش المهدي بزعامة مقتدى الصدر .
٣- ميليشيا عصائب أهل الحق بزعامة قيس الخزعلي .
٤- ميليشيا حزب الله بزعامة أبو حسين الحميداوي .
٥- ميليشيا كتائب سيد الشهداء بزعامة أبو آلاء الولائي .
وهناك ميليشيات أخرى تتبع رجال الدين الشيعة ومرجعياتهم، علما أن جميع هذه الميليشيات مدعومة من قبل الدولة تسليحا وتجهيزا، وتدفع لعناصرها رواتب ومخصصات مالية، وقد قامت قوات الاحتلال الأمريكي والإيراني بتدريبها على كافة أصناف الأسلحة .
مارست هذه الميليشيات الإرهاب ضد الشعب العراقي من قتل واعتقال وتهجير وخطف وابتزاز مالي ضد التجار وضد ميسوري الحال ونشرت الخوف والرعب لدى أغلب أبناء الشعب العراقي.

لماذا تمارس الدولة الإرهاب؟

عندما احتل العراق من قبل الولايات المتحدة كان أغلب الشعب العراقي رافضا للاحتلال ورافضا للعملية السياسية التي جاء بها المحتل، فكان دور الميليشيات هو إرهاب هذه الأغلبية وإسكاتها من خلال القتل والخطف والتهجير والاعتقال لكي تروّضها لهذا الواقع المختل والغير مقبول من جهة، ومن جهة أخرى حلت هذه المليشيات محل الجيش العراقي الوطني الذي تصدى للمشروع الإيراني في حرب دامت ٨ سنوات، ودعم القضية الفلسطينية، فجاءت الميليشيات داعمة للمشروع الإيراني بل أصبحت أداة بيدها، ونكلت بالفلسطينيين المقيمين في العراق وخاصة في بغداد وسامتهم سوء العذاب رغم رفعها شعار (تحرير فلسطين)، أما الهدف الآخر فهو لعزل العراق عن محيطه العربي من خلال التدخل بشؤون الدول وتهديدها لها مثلما حصل في اليمن والبحرين وبقية دول الخليج .
إن ما يحدث في العراق هو إرهاب دولة متكامل الأوصاف والأركان وفق كافة المعايير القانونية من خلال الممارسات القمعية ضد الشعب سواء من قبل الدولة مباشرة أو من خلال المليشيات المدعومة من قبلها والتي تمارس الإرهاب بالوكالة عن الدولة.
لقد أضحى الإرهاب اليوم اسلوبا جديدا تتخذه بعض الدول لتوظيفه استراتيجيا في إدارة علاقاتها الدولية مع دول عديدة في العالم وأصبح من المسلمات الحديثة التي تتبناها بعض الدول تجاه مواطنيها أو الدول الأخرى على حد سواء، ولا نبالغ إذا قلنا إن ممارسة هذا النوع من الإرهاب من قبل بعض الدول أخذ يؤتي ثماره في كيفية توجيه علاقاتها الدولية من جهة وترسيخ دعائم حكمها من جهة أخرى، وهذا الذي رأيناه في العراق بعد ٢٠٠٣ سواء في علاقته مع دول الجوار وهي تخشى أن يصدّر لها الإرهاب فتستجيب لمطالبه أو في ترسيخ دعائم حكمه المبني على الخوف والرعب ضد من يعترض عليه .
رغم أن الإرهاب مرفوض بكل أشكاله وأنواعه إلا أنه أصبح جزء من العلاقات الدولية وجزء من السياسة الدولية التي تديرها الدول الكبرى، ورغم أن هذا السلوك يتناقض مع القانون الدولي – لكن وللأسف اليوم – لا يوجد التزام بالقانون الدولي خاصة من قبل الدول الكبرى، فهي أول من خرق القانون وساهم في بناء دول وأنظمة مبنية على الإرهاب ولا تملك أي شرعية قانونية أو سياسية في بقائها في السلطة إلا بالاعتماد على الإرهاب سواء تثبيت حكمها في الداخل أو الإبتزاز السياسي من خلال تصديره للدول الضعيفة أو التي تريد التدخل بشؤونها الداخلية .
أما على المستوى الدولي فإن الكثير من الدول الكبرى بدأت بعد نهاية الحرب الباردة عام ١٩٩١ بإستخدام الإرهاب في علاقاتها الدولية أو فرض نفوذها السياسي سواء في تصديره أو في ( مكافحتها ) له كما تدعي، ومثالا على ذلك فإن الولايات المتحدة تعتمد اليوم على الابتزاز السياسي والتدخل في شؤون الدول من خلال دعمها للأنظمة والجماعات الإرهابية التي تنفذ سياساتها الجديدة في المنطقة، والتي تعتمد على إشعال الحرائق من خلال الصراعات الطائفية والعرقية لإعادة ترتيب الخرائط السياسية وتقسيم المقسم بحسب الرؤية الأمريكية الجديدة، ولا يقتصر هذا السلوك على أمريكا فحسب بل إن فرنسا أيضا تدعم الجماعات الإرهابية لترسيخ دورها وإيجاد موطئ قدم لها خاصة في سوريا وأفريقيا، حيث نشرت وكالة الأناضول التركية تقريرا سلطت الضوء فيه على علاقات مشبوهة للاستخبارات الفرنسية وشركة “لافارج” عملاق صناعة الأسمنت بفرنسا بتنظيمي “بي كاكا” و “داعش ” الإرهابيين في سوريا وقد كشف التقرير تقديم شركة لافارج الفرنسية عشرات الملايين من الدولارات للتنظيمين المذكورين أعلاه.
إذاً نستنتج من ذلك أنه لا يمكن أن يكون هناك إرهاب الدولة في العالم الثالث وخاصة في عالمنا العربي لو لا دعم الدول الكبرى له وخاصة الولايات المتحدة فهي أكبر داعم لهذا النوع من الإرهاب والذي تجلى بكل أشكاله في الحالة العراقية التي يمارس فيها الإرهاب ضد السكان دون أي رادع أو إعتراض عليهم من قبل المجتمع الدولي.

أنواع الإرهاب الذي مورس ضد السكان في العراق:
١- القتل : تم قتل مئات الآلاف من المواطنين خارج القانون .
٢- الإعتقال: يعتبر العراق أكبر بلد فيه معتقلين على الهوية أو لأسباب طائفية .
٣- التغيير الديمغرافي: مارست الدولة والجماعات المسلحة المرتبطة بها أكبر عملية تغيير ديمغرافي في التاريخ المعاصر، بدءاً من مدينة البصرة في جنوب العراق وانتهاءً في مدينة نينوى شمال العراق مرورا بالعاصمة بغداد، وتشهد مدينة ديالى العراقية أكبر عملية تغيير ديمغرافي تقوم بها الجماعات المسلحة المدعومة من قبل الحكومة .
٤- المقابر الجماعية : اكتشف المئات من المقابر الجماعية في مناطق الغربية ونينوى وديالى، وجميع الضحايا هم من مكون واحد، والجهات المنفذة من المكون الآخر المدعوم من قبل الحكومة، ولحد الآن لم تكشف لنا التحقيقات مسؤولية أي جهة قامت بهذه الجرائم .
أمام كل هذا الإرهاب الذي يمارس في العراق من قبل الحكومة والجهات المسلحة المدعومة من قبلها ضد السكان لم نجد أي موقف من قبل الدول الكبرى ضد الحكومة العراقية لوقف هذا الإرهاب، وهذا خير دليل على دعم الدول الكبرى لإرهاب الدولة في العراق بل هي شريكة فيه إن لم نكن مبالغين في التوصيف.

مقال خاص براسام