الباحث: حسين صالح السبعاوي

هناك نوعان من العلاقة التي تربط الناخب بالمرشح؛ الأولى هي العلاقة المبنية على أسس مبدئية وتنظيمية مثل علاقة الناخب بالمرشح المنتمي للأحزاب الدينية أو القومية ويدعو في برنامجه الانتخابي إلى الحفاظ على الهوية الدينية أو القومية، وهذا النوع من العلاقة يكون من أقوى أنواع العلاقات التي تربط الناخب بالمرشح، وأما الثانية فهي العلاقة مع القوى والأحزاب ذات التوجه العلماني والليبرالي وهي مرتبطة ببرنامج المرشح وما يتعهد به من خلال تشريعات قانونية تخدم الناخب أو رقابة مشددة على السلطة التنفيذية لمنعها من الفساد والتلاعب بالمال العام أو تهاون السلطة في تقديم الخدمات التي تمس المواطن مباشرة .
أما ما نشاهده اليوم في العراق من علاقة بين الناخب والمرشح هي أشبه بالعلاقة بين الراشي والمرتشي، ففي مرحلة الدعاية الانتخابية يكون الراشي المرشح والمرتشي هو الناخب ثم تنقلب العلاقة بينهما بعد انتهاء الانتخابات ووصول المرشح إلى مجلس النواب فمن كان راشياً يتحول إلى مرتشي والنائب الذي كان يدفع للناخب مقابل انتخابه يتحول إلى مرتشي ليعوّض خسارته بعشرات الأضعاف مما دفعه للناخب، بينما الناخب الذي قبض الفتات سوف يدفع أضعاف ما أخذه من المرشح مقابل خدمة بسيطة يحصل عليها وهي حق من حقوقه بهذه الطريقة يتعامل أغلب المرشحين مع ناخبيهم .
السؤال الذي يطرح نفسه هو: هل الذي يصل إلى مجلس النواب بهذه الطريقة كيف سيحافظ على المال العام؟ وكيف يؤتمن على تمثيل دائرته الإنتخابية أو يكون ممثلا لعموم الشعب؟ ثم الناخب الذي باع صوته كيف له أن يعاتب أو يحاسب ممثله في مجلس النواب ويقول له بأننا “انتخبناك لتكون ممثلا عنا”؟ بالتأكيد سوف يرد عليه النائب ويقول له: ” أنت انتخبتني مقابل المال وليس من أجل تمثيلك فلا يحق لك محاسبتي”.
وهناك أساليب آخرى يعتمد عليها المرشح لخداع الناخب وهي الوعود الفارغة والغير منطقية، وهي أن يتبنى المرشح وعودا تخص السلطة التنفيذية ولا تخص عضو مجلس النواب لا من القريب ولا من بعيد، مثل الوعد بتقديم الخدمات ومنح الوظائف وغيرها من الوعود، ألا يعلم المرشح والناخب معاً بأن مهمة عضو مجلس النواب هي التشريعات القانونية والرقابة على السلطة التنفيذية لمتابعة أدائها وليس له مهمة أخرى سوى هذين المهمتين والتي هي غائبة تماما عن برنامجه الانتخابي أو دعايته الانتخابية!
بعض المرشحين تجدهم في دعايتهم يعانون من عقدة النقص فتجده منتفخ كالليث وهو قرد، فهذا يقلد هتلر وذاك يقلد جيفارا والآخر يقلد سيدنا عمر أو يقلد سيدنا علي رضي الله عنهما، والآخر يظهر التنسك وهو لص محترف، مقابل هذا السلوك المخادع يظهر لهم الناخب المرتشي الذي بدأ يتعلم منهم الخداع فتجده قد طاف على جميع المرشحين وقبض منهم جميعا وهو يعدهم بالتصويت لهم لكنه في يوم الانتخابات إما يتركهم ويستغل عطلة يوم الانتخاب بالنوم والراحة بعد أن طاف عليهم جميعا أو يذهب وينتخبهم جميعا في ورقة الانتخاب لكي تسقط الورقة وتعتبر باطلة ثم يقسم لكل واحد منهم على إنفراد على أنه قد صوت له وبهذا يكون قد صدق وهو كذوب !
بهذه العلاقة المشبوهة بين الناخب المرتشي وبين المرشح الراشي لا يمكن أن تكون الإنتخابات حرة ونزيهة كما يروج لها الإعلام الحزبي والطائفي، إضافة لممثلة الأمم المتحدة التي لم تعترض على أي انتخابات أجريت في العراق بما فيها انتخابات ٢٠١٨ التي رفضت نتائجها حتى من قبل القوى السياسية المشاركة، فيها سواء الفائز فيهم أو الخاسر، فجميعهم أكد على أن الانتخابات كانت مزورة غير أن ممثلة الأمم المتحدة (جينين بلا سخارت) أشادت بها، فالشعب العراقي ما عاد يهمه موقف الأمم المتحدة المنحاز للأحزاب الطائفية ومليشياتها ضد الشعب العراقي، كما أنه لا يمكن أن ينتج عن هذا المرشح وهذا الناخب المرتشي مجلساً يستطيع أن يقوم بواجباته الدستورية على أفضل وجه، فلا يمكن أن يصدر عنه التشريعات القانونية التي تحفظ سيادة العراق وحقوق شعبه المسلوبة ولا يمكن أن يقوم بمراقبة الأداء الحكومي لغرض تقويمه وتحسين أدائه، بل ستكون العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية كما هي العلاقة بين المرشح والناخب المشار إليها في أعلاه وهي (اعطني وأسكت عنك وإلا سوف املأ الدنيا ضجيج من خلال وسائل الإعلام حتى ترضخ لي وتدفع وأنت صاغر) ولتذهب المصلحة الوطنية مع الشعارات الفارغة التي كانوا يطلقونها أثناء الإنتخابات ولتذهب الأموال العامة إلى جيوبهم التي لا تمتلىء أبدا من مال السحت، وليبقى هذا الشعب يعيش أحزانه وآلامه على ما أبتلاه الإحتلال الأمريكي والايراني بهذه الطبقة السياسية الفاسدة، وهكذا يبقى العراق في دوامة الفساد من خلال تدوير الفاسدين في كل دورة انتخابية التي تجرى كل أربع سنوات .
إن الحل الحقيقي للمشكلة العراقية هو إنهاء هذه المهزلة والشروع بعملية سياسية وطنية جديدة لا يشترك فيها من قتل الشعب العراقي أو سرق المال العام عملية سياسية وطنية تحفظ سيادة العراق وتنقذه من هيمنة الاحتلال وتحترم المواطن الذي هو رأس مال الوطن.
( والله من وراء القصد وهو يهدي السبيل )

مقال خاص براسام