أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

مدخل :
في أوائل سنة ١٨٣١م تحرك (علي رضا باشا) وهو من أهل طرابزون الواقعة على البحر الأسود ويصفه الرحالة (ببيردي فوصيل) في مؤلفه الموسوم (الحياة في العراق منذ ١٨١٤م) بأنه عند مجيئه إلى بغداد كان (علي رضا) في الخمسين من عمره ويضع الطربوش على رأسه، ووقف موقفاً معادياً من التوسع المصري في الشام، وتنقل في عدة وظائف من ضمنها ولاية حلب ثم ديار بكر فبغداد فشهرزور واتصف بالكرم والسخاء.

قاد (علي رضا) بنفسه قوات نظامية من حلب إلى الموصل، وبوصوله إلى المدينة أعلن اعترافه بحكم (قاسم العمري) المعادي لداوود باشا ببغداد، وذلك في أول قرار رسمي لحكم (قاسم العمري) منذ توليه السلطة فعليا عقب حوادث ١٨٢٩م.
وعلى ما يبدو أن الاعتراف بقاسم لم يكن إلا وسيلة للاستفادة منه في الصدام المتوقع مع داوود باشا وذلك عندما كلفت الدولة العثمانية (علي رضا باشا) بطرد (داوود باشا) من بغداد، والذي وجد في (قاسم العمري) خير مساعد له في هذه المهمة، وبالتالي لم يجد صعوبة في دخول بغداد فقد كان الطاعون والفيضان قد فتكا بأهلها إلا أن أعمال العمري العنيفة وإصراره على الفتك بقيادات المماليك أدى إلى إقدام أتباعهم على قتل القائد العمري في الموصل.
أما بالنسبة للموصل، فقد أمر (اللاز) بتعيين (محمد سعيد آل ياسين) متسلماً لها، فواجهت هي الأخرى تحدياً جديداً تمثل في تحرك (يحيى باشا الجليل) من حلب إلى الموصل بجيش قوامه أربعة الآف مقاتل من العشائر العربية، وفي مقدمة هذه العشائرعشيرة شمر الجربا بزعامة شيخها (صفوك).
استطاع (يحيى باشا) دخول الموصل وفرض سيطرته على معظم أحيائها إلا حيا واحدا فقط بقي فيه (محمد سعيد آل ياسين) وأعوانه المناصرين لعلي رضا باشا، ولتحقيق الهدف استعان بعشائر عربية للوقوف بجانبه ومنها عشيرة عنزة، وبالفعل استطاعت قوات عشيرة عنزة فك الحصار عن بغداد وأجبرت قوات الشيخ صفوك على الانسحاب، وفي نفس الوقت وجه (اللاز) بعض قواته العثمانية بقيادة (محمد إينجه بيرقدار) للتحرك ضد (يحيى باشا) في الموصل ولم تنفع (يحيى) مناشداته لصفوك الذي بدأ يواجه سيلًا من القوات إثر فكه الحصار عن بغداد.
استطاع (بيرقدار) أن يدخل مدينة الموصل منهيًا بذلك الحكم الجليلي فيها بعد حكم دام لأكثر من (١٠٨) سنة. أصدر والي بغداد (علي رضا باشا) أمراً بعزل (محمد سعيد آل ياسين) وتبعه أمرًا بتعيين (محمد إينجه بيرقدار) واليًا على الموصل، (١٨٣٥ – ١٨٤٣م)، فكان بداية حقيقية لتغيير سياسي واجتماعي شامل وبادرة لمرحلة حضارية جديدة.

نبذة عن الوالي (محمد إينجه بيرقدار) –

هو محمد باشا بن أحمد أغا تركي الأصل من مدينة بارطن التركية في ولاية قسطموني، أثبت كفاءة عسكرية في جميع المهام التي كلف بها، منح على أثرها لقب (إينجه بيرقدار) وهو من الرتب العسكرية التي كانت تمنح للأبطال الشجعان، وفي ٣١ آذار ١٨٣٣م صدر فرمان سلطاني بتولية ولاية حلب، كما منحه السلطان محمود الثاني (١٨٠٨ – ١٨٣٩م) بموجب هذا الفرمان منصب (سر عسكر) بلاد الشام، أي آمر العسكر، وملّكه السلطة الكاملة، نظير إعداده العدة لطرد محمد علي باشا من الشام، وقد أشارت إحدى الوثائق إلى أن “إسناد الباب العالي منصب ولاية حلب لبيرقدار دليل على الدور الذي كان منتظراً أ يؤديه في ضرب القوات المصرية ومن ثم طرد محمد علي باشا من بلاد الشام، وإحكام السيطرة على منافذ الاتصال بين بلاد الشام والعراق للحيلولة دون حدوث أية تداعيات جديدة في الموقف العثماني في العراق، وبخاصة في الموصل وبغداد، حيث كانت الثورات مستمرة ضد علي رضا باشا (والي بغداد)، أما (محمد إينجه بيرقدار) فقد كان على عداء تام مع السياسية المصرية، وبالمقابل فان اختيار (بيرقدار) واليًا على حلب لم يلق ترحيبًا من والي مصر (محمد علي باشا) الذي ما أن علم بتعيينه إلا وأسرع بالكتابة إلى ابنه إبراهيم باشا إلى حلب لمواجهة ما يمكن أن يستجد من الطوارئ من مناطق الجزيرة وأعالي الفرات.

ومن المفيد بالإشارة أن بلاد الشام قد دخلت في دائرة نفوذ (محمد علي باشا) والي مصر في الفترة ما بين (١٨٣١ – ١٨٤١م) متخذا من أنطاكيا مقرًا له، لذا فإن الاستطلاعات المصرية أخذت تراقب ما يجري على الحدود العراقية المتاخمة للشام بصورة مكثفة، غير أن (محمد إينجه بيرقدار) لم يستطيع أن يلعب أي دور في مواجهة القوات المصرية الزاحفة بسبب ترحيب بعض من أهالي حلب وعينتاب بالقوات المصرية وطردهم لبيرقدار وقواته، ورغم ذلك فإن (بيرقدار) كان مثارًا للإعجاب من قبل المقيم البريطاني في العراق (روبرت تايلر) والذي أبدى اعجابه بمواهب (بيرقدار) القتالية بقوله: “ورغم فشل هذا الرجل النبيل أمام القوات المصرية ولكن يبدو لي أنه رجل ذو سمات أسمى ويتفوق بمواهبه على أي ضابط تركي حاليًا هنا” إثر ذلك طالب والي بغداد (علي رضا اللاز) الباب العالي بالموافقة على ترشيح (بيرقدار) لمتصرفية كركروك إلا أن السلطات العثمانية سرعان ما عدلت عن ذلك أمام حراجة الظروف التي كانت تعصف بالولايات العراقية والتي تزامنت مع مخاوف الباب العالي من امتداد نفوذ الإمارة السورانية بقيادة أميرها (محمد ميركور).
كان (بيرقدار) خلال حكمه متصرفية كركوك قد حقق عدد من الإنجازات نذكر منها تحركه على رأس قوة عسكرية عثمانية يوم ٢٦ شعبان ١٣٤٩هـ / ١٨٣٣م) للقضاء على تمرد عشيرة الهماوند، ووقع قتال شديد بين القوتين انتهى بقضاء (محمد إينجه بيرقدار) على هذا التمرد.
ومن أعماله العمرانية في كركوك، قام سنة ١٨٣٣م، بإنشاء ما يعرف بـ (قصر إنجيلي سراي) أو (سراي لؤلؤي) في محلة شاطر لو، التي اتخذها (بيرقدار) مكاناً لسكناه، وفق أسس وتصاميم حديثة آنذاك، وتم تخصيص هذا لإحدى صفوف الجيش ويدعى (شاطر) كان هذا الصنف بمثابة القوة الخاصة المكلفة بحماية السلطان والمحافظة على حياته.
في سنة (١٨٣٥م٩ صدر فرمان سلطاني يقضي باسناد ولاية الموصل إلى (محمد إينجه بيرقدار) – كما سنرى في الحلقة القادمة –

المصادر :
١ – عبد العزيز سليمان نوار، تاريخ العراق الحديث، نهاية حكم داوود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا، (القاهرة، ١٩٦٨).
٢ – سليمان فائق بك، تاريخ المماليك الكَولة في بغداد، ترجمة عن التركية، محمد نجيب، (بغداد١٩٦١).
٣ – عماد عبد السلام رؤوف، الموصل في العهد العثماني الأخير، فترة الحكم المحلي، مطبعة الآداب، ١٩٧٥).
٤ – سليمان الصائغ، تاريخ الموصل، \(بيروت، ٢٠١٣).
٥ – قاسم محمد النواصرة، الموقف البريطاني والفرنسي من الحكم المصري لبلاد الشام (١٢٤٧-١٢٥٧هـ/١٨٣١-١٨٤١م)، \٠دمشق، ٢٠٠٨).
٦ – نجاة كوثر اوغلو، صفحات من تاريخ كركوك منذ فجر التاريخ إلى ١٩٥٨، دار الحكمة، لندن، ٢٠١٥).
٧ – نجاة كوثر اوغلو، معجم المواقع العراقية بأسماء تركية، ترجمة إلى العربية حسن كوثر، مؤسسة وقف كركوك للثقافة والأبحاث (كركوك، ٢٠١٤م).