جاسم الشمري
لا يذكر النضال والرجولة والصمود والتحدي ومكافحة الظلم والاحتلال إلا ويذكر معها ثلة من الرجال الصامدين، ومن بينهم الشهيد عمر المختار، المعلم القائد، والذي ترك بصماته في التاريخ الغربي والعربي على حد سواء.
– نبذة عن حياته:
هو عمر بن مختار بن عمر المِنفِي: أشهر مجاهدي طرابلس الغرب في حربهم مع المستعمرين الإيطاليين. نسبته إلى قبيلة ” المِنفة ” من قبائل بادية برقة.
ولد في البطنان (ببرقة) في عام 1858م، وتعلم في الزاوية السنوسية بالجغبوب، وأقامه محمد المهدي الإدريسي شيخا على ” زاوية القصور” بالجبل الأخضر بقرب المرج، وسافر معه إلى السودان سنة 1894 فأقيم بها شيخا لزاوية ” كلك” إلى سنة 1903، وعاد إلى برقة شيخا لزاوية القصور، فأقام إلى أن احتل الطليان مدينة بنغازي (سنة ١٣٢٩هـ – 1911).
– نضاله ضد الاحتلال الإيطالي:
في يوم ٢٩ أيلول/ سبتمبر ١٩١١م أرسلت إيطاليا بارجاتها البحرية لاحتلال ليبيا، ليعود المختار من جديد إلى الجهاد المسلح، ولكن هذه المرة ضد الغزاة الطليان، فقام عمر المختار بتنظيم صفوف المجاهدين، وشن الغارات تلو الغارات ضد صفوف الغزاة، عندها تساءل عندها الطليان عن هوية ذلك الشبح المرعب الذي يباغت جنودهم من حينٍ إلى آخر، وبدأ اسم المختار يُتداول في صحف روما، فتغيرت أربع حكومات في إيطاليا نتيجة لهزائم الجيوش الإيطالية المتعاقبة على يد المختار ومن معه من المجاهدين الليبيين، فتحول عمر المختار إلى كابوسٍ يقض مضاجع الإيطاليين، حتى أخذ (موسوليني) على عاتقه مهمة إنهاء أسطورة المختار التي باتت انتصاراته المتتابعة تسبب الإحراج لسمعة إيطاليا في أوروبا،، فقرر زعيم الفاشية أن يلقي بورقته الأخيرة، فأرسل إلى ليبيا مجرم حربٍ يدعى (غرتسياني)، فقام هذا المجرم بتنفيذ خطة إفناء وإبادة لم يسبق لها مثيل في التاريخ، فكان أول شيءٍ قام به هذا الفاشي المجرم هو بناء أطول جدار سلكي شائك في العالم على الحدود الليبية المصرية، لتنقطع بذلك الإمدادات المصرية إلى المجاهدين في ليبيا، ثم قام (غرتسياني) بإنشاء أكبر معسكر اعتقال في التاريخ، فسجن فيه ما يقرب من نصف عدد الشعب الليبي المسلم، فوضع ثمانين ألف ليبي وليبية في هذا المعسكر الذي كان يتسع أصلًا لعشرة آلاف نسمة فقط، ولم يكتفِ غرتسياني بذلك فحسب، بل وضع مواشيهم وإبلهم في ذلك المعسكر الضيق، فأصبح الناس وكأنهم في يوم الحشر، فمات الليبيون موتًا بطيئًا في محرقة حقيقية يأن لها التاريخ ويندى لها الجبين، ولم يبق من الـ ٨٠ ألف ليبي إلّا ١٥ ألفًا في حالة يرثى لها من المرض والضعف، قبل أن يقوم غرتسياني بإلقاء نصف طن من القنابل على المسلمين المدنيين في مدينة “الكفرة” الليبية والتي قام فيها دعاة الحرية باغتصاب الفتيات المسلمات بالتناوب بينهم، أما كبار السن من الشيوخ والنساء المدنيين فقد كانوا يُقتادون على متن الطائرات مغلولي الأيدي والأرجل.
لقد كان المختار في طليعة الناهضين للجهاد ضد الاحتلال الإيطالي، وطالت الحرب، وتتابعت المعارك، ومنطقة المختار ثابتة منيعة.
الهدنة والمفاوضات:
كان المختار هو القائد الأوحد في قيادة الجهاد (في برقة) (من سنة ١٩٢٤ حتى سنة ١٩٣١). وأرغم الإيطاليين على الدخول معه في مفاوضات سنة ١٩٢٩ فكان في جملة شروطه: (عدم تدخل الحكومة الإيطالية في أمور الدين الإسلامي، والاعتراف باللغة العربية لغة رسمية في دوائر ودواوين الإدارة الإيطالية، والسماح بفتح المدارس الدينية التي تدرس فيها علوم القرآن، والتفسير والحديث والفقه وسائر العلوم. وكذلك إلغاء القانون الذي وضعته إيطاليا والذي ينص على عدم المساواة في الحقوق بين الوطني – الليبي – والإيطالي، إلا إذا تجنس الليبي بالجنسية الإيطالية) غير أن إيطاليا لم تكن جادة في المفاوضات وكان هدفها كسب الوقت، تماما كما فعلت فرنسا مع الأمير عبد القادر الجزائري في معاهدة (تافنة) الشهيرة. فتم استئناف الحرب إلى أن تم لإيطاليا القضاء على الثورة، وإعدام البطل (عمر المختار).
- رجولة المختار:
البطل الليبي “عمر المختار” الذي حارب الاستعمار الإيطالي، وجيوشه المجهزة بأحدث أسلحة عصره، بالقلة المؤمنة العزلاء، أو شبه العزلاء من جنده؛ وقف يحارب الطائرة بالحصان، والمدفع بالسيف، واستطاع أن ينزل بأعدائه ضربات موجعة، ولم يرض بالتسليم ساعة ما، رغم نفاد قوته المادية كلها، ولكنه ظل يقول للطليان: لئن كسر المدفع سيفي، فلن يكسر الباطل حقي.
وكان مريضًا بالحمى، تهز رعدتها جسده، وترتعد بها فرائصه، ورغم هذا قال لجنوده: اربطوني على ظهر جوادي بالحبال حتى لا أتخلف عن القتال معكم.
وحين ظفر به الجيش المستعمر وحكموا عليه بالإعدام تقبل الحكم برحابة صدر، وابتسامة سخرية، وقال له بعضهم -قبل تنفيذ الحكم: اطلب العفو ونحن نطلق سراحك، فأجابهم بكل إباء وشمم: لو أطلقتم سراحي لعدت لمحاربتكم من جديد.
– واقعة الأسر والإعدام
ويقول غراسياني (Graziani) القائد العام الإيطالي، في بيان له عن الوقائع التي نشبت بين جنوده والسيد عمر المختار: إنها ” كانت ٢٦٣ معركة في خلال عشرين شهرا ” هذا عدا ما خاضه المختار من المعارك في خلال عشرين سنة قبلها. وبينما هو في سرية من رجاله، نحو خمسين فارسا، بناحية ” سلنطة ” بالجبل الأخضر، يستكشف مواقع العدو، فوجئ بقوة إيطالية أحاطت به، فقاتلها، واستشهد أكثر من معه، وأصيب بجراح، وقتل جواده، فانقض عليه بعض الجنود فأسروه، وهم لا يعرفون من هو. ثم عرف وأرسل إلى سوسة، ومنها أركب الطراد ” أوسيني ” إلى بنغازي.
ثم تعرفوا على المختار من بين الأسرى فنقل بطراد إلى بنغازي وسجن أربعة أيام ثم حققوا معه ثم أعدم شنقا في مركز سلوق ببنغازي في 16 أيلول/ سبتمبر 1931، وعمره يومها خمسة وسبعون عاما.
– رسالة المختار للأمير شكيب أرسلان:
وننقل هنا ما جاء في رسالة بعثها للأمير شكيب أرسلان الذي بذل جهداً إعلامياً كبيراً في الدفاع عن الجهاد الليبي وتوضيحه للعالم، يقول فيها: ” إنه من
خادم المسلمين عمر المختار إلى الأمير أخينا في الله الأمير شكيب أرسلان –حفظه الله: قد قرأنا ما دبجه يراعكم السيال عن فضائح الطليان وما اقترفته الأيدي الأثيمة من الظلم والعدوان بهذه الديار، فإنني وعموم إخواني المجاهدين نقدم لمقامكم السامي خالص الشكر وعظيم الممنونية.
كل ما ذكرتموه مما اقترفته أيدي الإيطاليين هو قليل من كثير، وقد اقتصدتم وأحفظتم كثيراً، ولو يُذكر للعالم كل ما يقع من الإيطاليين! لا توجد أذن تصغي لما يروى من استحالة وقوعه، والحقيقة – والله وملائكته شهود – أنه صحيح، وإننا في الدفاع عن ديننا ووطننا صامدون، وعلى الله في نصرنا متوكلون، وقد قال تعالى: [وَكَانَ حَقًا عَلَيْنَا نَصْرُ المُؤْمِنِينَ] ، والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته، في ٢٠ ذي الحجة سنة ١٣٤٩هـ، الموافق 8 أيار/ مايو سنة ١٩٣١م.
الدروس والعبر:
يمكن استخلاص بعض الدروس من سيرة المختار، ومنها:
– إن العمر لا علاقة له بالمواقف، فرغم تقدم المختار بالعمر، ومرضه، فقد بقي صامداً في ميادين المواجهة مع المحتل.
– الشعوب الحية لا تعرف الاستسلام واليأس في كفاحها.
– تحقق النصر ولو بعد مقتل القادة الكبار في النضال.
– طريق النصر معبد بجماجم الرجال وتضحياتهم.
– الزعماء لا يتنازلون عن قضيتهم رغم مواجهة الموت.
– التاريخ لا يتجاهل الرجال رغم محاولات الطغاة محو أفعالهم الكبيرة.
– شهادة الأعداء بحق المختار: (الجنرال جرتسياني: قائد القوات الإيطالية):
” أسد الصحراء” (عمر المختار):
” عندما نظرت إلى عمر وجدته وقد علته هالة من النور يراها القاصي منه والداني، فأخذت شفتاي ترتعشان، ولا أعلم سبب هذا الخوف الذي ملأ قلبي؟! فقلت لنفسي: هذا قديس! ”
– رثاء شوقي للمختار:
قال شوقي في رثاء عمر المختار رحمه الله:
يا ويحهم نصبوا منارا من دم … يوحي الى جيل الغد البغضاء
يا أيّها السّيف المجرّد بالفلا … يكسو السّيوف على الزمان مضاء.
– المصادر:
– الإعلام الزركلي 5/ 65- 66.
– سلسلة جهاد شعب الجزائر 6/20.
– عظماء أمة الإسلام غيروا مجرى التاريخ، جهاد التُرباني/ص: 129.
– موسوعة الأخلاق والزهد والرقائق 2/204.
– الموسوعة التاريخية 9/417.
– قصة الأدب العربي في ليبيا، محمد عبد المنعم خفاجي ، ص ١٤١
مقال خاص براسام

