شاهو القره داغي
قُتل يوم الجمعة الماضي 27 نوفمبر رئيس مركز الأبحاث و التكنولوجيا في وزارة الدفاع الإيرانية (محسن فخري زادة ) المعروف بأبو القنبلة النووية الإيرانية و المسؤول عن برنامج سري للأسلحة النووية في إيران حسب وكالات الاستخبارات الغربية .
وندد المرشد الإيراني آية الله علي خامنئي بعملية الاغتيال و حث السلطات على المتابعة الجادة لهذه الجريمة ومعاقبة مرتكبيها ومن أمر بها. وتوعدت السلطات الإيرانية وعلى لسان أكثر من مسؤول في الحكومة و الحرس الثوري بالانتقام الشديد لاغتيال محسن زادة كبير علماء الذرة الإيرانيين ، مع توجيه الاتهام إلى إسرائيل و الولايات المتحدة الامريكية و منظمة مجاهدي خلق الإيرانية.
لدى إيران عدة خيارات للرد على عملية اغتيال العالم النووي:
الأول :تسريع البرنامج النووي : بعد أيام من مقتل العالم النووي ، أبلغ رئيس البرلمان الإيراني رئاسة الجمهورية بالقانون الذي يدعو الحكومة إلى رفع مستوى تخصيب اليورانيوم عشرين بالمئة ، ووقف عمليات التفتيش الدولية للمنشآت النووية ، مع مصادقة مجلس صيانة الدستور على القانون.
ثانيا: خيار الرد بالمثل : تحدثت صحيفة “يسرائيل هيوم” عن سيناريوهات الرد الإيراني للانتقام من مقتل عالمها النووي، منها عمليات الاغتيال التي قد تستهدف مسؤولين او شخصيات إسرائيلية او مقربين لإسرائيل بإحدى البلدان الأوروبية ، وهذه العمليات ضمن قدرات فيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني.
اما الاحتمال الآخر الذي تحدثت عنه الصحيفة هو عملية انتقامية من قبل ايران ضد اهداف إسرائيلية في الخارج، على غرار الهجوم على مطار فارنا في بلغاريا وهجمات ضد سفارات إسرائيلية ومقر الجالية اليهودية في الارجنتين عام 1992″.
وقد أصدرت هيئة مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس الامن القومي الإسرائيلي بياناً حذرت فيه الإسرائيليين من أن إيران قد تستهدفهم في دول و مناطق مختلفة منها الدول المجاورة لإيران كجورجيا وأذربيجان وتركيا والإمارات والبحرين وإقليم كردستان العراق وكذلك الشرق الأوسط والقارة الإفريقية”.
ثالثاً: استخدام الوكلاء في المنطقة
تتباهى إيران بامتلاك نفوذ كبير و سلطة واسعة على أربعة دول عربية في المنطقة (العراق، سوريا، اليمن، لبنان) ، ولدى طهران العديد من الوكلاء و الميليشيات المسلحة التي من الممكن استخدامها و توجيهها لاستهداف خصومها في هذه الدول.
حيث توجه إيران الميليشيات الولائية في العراق على استهداف المصالح الامريكية في بغداد وقد زادت هذه الهجمات بعد مقتل الجنرال الإيراني قاسم سليماني في مطار بغداد الدولي.
وبعد مقتل العالم النووي الإيراني مباشرة ، أصدرت ميليشيات كتائب حزب الله العراقي بيانا تندد فيها بالعملية و تتهم الولايات المتحدة الامريكية و إسرائيل و السعودية بالتعاون في عملية الاغتيال، و تؤكد وضع هذه الأطراف في طائلة الانتقام و الرد المشروع.
إن تعهد ميليشيات كتائب حزب الله بالرد على عملية مقتل العالم النووي الإيراني ، يؤكد ارتباط هذه الميليشيات بمحور المقاومة بقيادة ايران واستعدادها لإشعال العراق و إبقاءها في دائرة الصراع و الحروب لتحقيق المصالح الإيرانية وتحويل العراق إلى ساحة لتصفية الحسابات بين الآخرين .
محسن زادة عالم نووي إيراني و قُتل في إيران ولا علاقة للعراق بهذه الحادثة ، ولكن العقلية الأيديولوجية للميليشيات الولائية مُصرة على إدخال العراق ضمن دائرة الصراع لزيادة أوراق الضغط الإيرانية ضد خصومها ،حتى لو أدى هذا الأمر إلى زعزعة الامن و الاستقرار في العراق و الاضرار بمصالح العراقيين و هروب رؤوس الأموال و المستثمرين و إضعاف الدولة و مؤسساتها .
وتحدثت صحيفة “جيروزالم بوست” الاسرائيلية عن فرضيات عدّة للانتقام الإيراني ، حيث ذكرت إن لإيران بنية عسكرية واسعة عبر ميليشياتها، ولكنها مخصصة لأغراض استراتيجية وتأمين الهيمنة السياسية على الدولة العراقية، وقد يلجأ إليها عسكرياً لتوسيع خيارات طهران للرد في حال نشوب حرب أو هجوم على منشآتها.
ما مصلحة العراق من إدخاله في دائرة الصراع؟
يعاني العراق في الوقت الحالي من العديد من المشاكل السياسية و الاقتصادية و الأمنية ، حيث عادت في الفترة الأخيرة نشاطات تنظيم داعش في عدة محافظات عراقية ، إضافة إلى تدهور الوضع الأمني في المناطق المحررة و انتشار الجرائم بسبب الميليشيات الموالية لإيران والمسيطرة على هذه المناطق.
ومن الناحية الاقتصادية يعاني العراق من ازمة خانقة أدت إلى عجز الدولة عن دفع رواتب الموظفين و اللجوء الى الاقتراض لتجاوز هذه الازمة المالية، مع استمرار التظاهرات و الاحتجاجات في عدة محافظات عراقية للمطالبة بالإصلاح و التغيير و محاسبة القتلة و ملاحقة المجرمين و إيقاف استهداف وقتل الناشطين المشاركين في المظاهرات .
على الرغم من أن العراق يعاني من جميع هذه المشاكل وتراكم الازمات خلال السنوات الماضية ، إلا ان الميليشيات تنوي حشر العراق في صراع خارجي و إضعافه أكثر بسبب دفع البلاد نحو المجهول تحقيقاً للمصالح الإيرانية .
بإمكان طهران استخدام وكلائها في العراق لاستهداف مصالح خصومها ثم إنكار هذه العمليات والتبرؤ منها وعدم تحمل أي مسؤولية نتيجة هذه الهجمات، وفي المقابل سيدفع العراق الثمن و سيفرغ البلاد من التمثيل الأجنبي ويتحول إلى دولة منبوذة و معزولة.
ونتيجة لاستمرار تهديد الميليشيات الموالية لإيران في العراق، قررت الولايات المتحدة الامريكية وبحسب عدة مصادر مطلعة ،ان تسحب وبصورة مؤقتة بعض موظفيها من السفارة الامريكية في بغداد مع اقتراب الذكرى السنوية لمقتل الجنرال الإيراني (قاسم سليماني) والخشية من قيام وكلاء إيران في العراق بأعمال انتقامية تجاه الولايات المتحدة الامريكية قد تستهدف سفارتها في بغداد.
الإصرار على إبقاء العراق في دائرة الصراع و المشاكل من قبل وكلاء إيران في العراق يستهدف الدولة العراقية وليس المصالح الامريكية في العراق، لأن بقاء تهديدات هذه الميليشيات و بقاء سلاحها ونفوذها و مخاطرها ضد الأطراف الدولية في العراق يضعف الدولة العراقية ويظهر هشاشة المؤسسات والسلطات الرسمية مقابل قوة و سطوة الميليشيات .
مقال خاص براسام

