أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
لم يكن قرار السلطات البريطانية بتشكيل الحكومة المؤقتة الا نتيجة لاستمرار المقاومة التي أبداها الشعب العراقي ضد الاحتلال البريطاني والتي بلغت ذروتها في ثورة العشرين، اثرها اضطر المحتلون الى اتخاذ هذا القرار تحت ضغط ثوار العراق، والرأي العام البريطاني الذي أعلن استياءه لاستمرار الحرب الاستعمارية الدموية الباهظة التكاليف.
فبعد وصول (بيرسي كوكس) الى بغداد في (11 تشرين الأول 1920) الذي وصف بأنه “الشخص الأمثل” من وجهة البريطانية لمعالجة الوضع المضطرب في العراق لما له من معرفة سابقة مع بعض الساسة العراقيين. وبدأ بتنفيذ السياسة البريطانية الجديدة، فأجرى مشاورات واسعة مع بعض الشخصيات العراقية ورجال البريطانية في العراق، لشرح خطته في العمل التي تهدف الى تأسيس حكومة مؤقته على الاسس الآتية :
- أن يؤسس مجلس الوزراء العربي الذي يشرف عليه مستشارون بريطانيون، على أن يكون بإدارة المندوب السامي مباشرة، ويبدو أن هدف (كوكس) هذا الحفاظ على السيادة البريطانية في العراق.
وبعد أن حصل (كوكس) التأييد لآرائه، (رشح عبد الرحمن الكيلاني نقيب أشراف بغداد) لتولي رئاسة مجلس الوزراء لمركزه الديني، لكن واجه صعوبة في اقناع النقيب لتولي المنصب، لكن استطاع (كوكس) اقناع (النقيب) بتولي رئاسة المجلس، وكتن (كوكس) قد قرر تأليف مجلس يضم رئيس وثمانية وزراء يكون كل واحد منهم على رأس وزارة من وزارات الدولة، ومع كل وزير مستشار بريطاني، مع عشر وزراء بلا وزارة لضمان ممثلي مناطق العراق المتعددة.
وقام (كوكس) بترشيح الوزراء وطلب من (النقيب) توجيه الدعوة لهم التي اريد أن تكون واجهة عراقية لا بريطانية.
وقد تم تشكيل (الوزارة النقيبة الاولى) في 11 تشرين الثاني 1920، وضمت كل من :
| ت | الاسم | المنصب |
| 1 | عبد الرحمن الكيلاني (نقيب أشراف بغداد) | رئيسا |
| 2 | طالب باشا النقيب | وزيرا للداخلية |
| 3 | ساسون حسقيل | وزيرا للمالية |
| 4 | حسن الباجه جي | وزيرا للعدل |
| 5 | عزت باشا الكركولي | وزيرا للمعارف |
| 6 | جعفر العسكري | وزيرا للدفاع |
| 7 | عبد اللطيف المنديل | وزيرا للتجارة |
| 8 | مصطفى الآلوسي | وزيرا للأوقاف |
كما ضمت وزراء من دون حقيبة وزارية، كلا من :
| ت | الاسم |
| 1 | عبد الغني أفندي كبة |
| 2 | عبد الجبار باشا الخياط |
| 3 | عبد المجيد بيك الشاوي |
| 4 | عبد الرحمن باشا الحيدري |
| 5 | أحمد باشا الصانع |
| 6 | عجيل باشا السمرهد |
| 7 | دآؤد أفندي اليوسفاني |
| 8 | الشيخ محمد الصيهود |
| 9 | فخري أفندي جميل |
| 10 | الشيخ سالم الخيون |
كما تم اختيار حمدي بابان وهادي القزويني واعتذرا عن الاشتراك، فحل محلهما ضاري السعدون ونجم البدراوي، كذلك اعتذر حسين الباجه جي عن قبول وزارة العدل فأسندت الى مصطفى الألوسي، وظلت وزارة النافعة شاغرة الى أن ابدل اسمها باسم “وزارة الأشغال” التي عين لها عزت باشا الكركولي، كذلك عين السيد محمد مهدي الطباطبائي وزيرا للمعارف والصحة. كما وشغل السيد حسين أفنان (منصب سكرتير المجلس). وأصبح بونهارت كارتر (مستشارا للعدل) و أ. ه. سليتر (مستشارا للمالية) وسنت جون الكفن (مستشارا للأشغال العامة)، ولابوثل سمث (مستشارا للمعارف)، وجون سنت فليبي (مستشارا للداخلية).
هكذا تم تشكيل (الوزارة النقيبية الاولى) التي عقدت اجتماعها الاول يوم 2 تشرين الثاني، وألقى (النقيب) في بداية الاجتماع كلمة قصيرة دعا فيها الى المثابرة في العمل، دون أن يحدد واجبات المجلس ودوره في الحياة السياسية.
وفي الثامن من تشرين الثاني أصدر المندوب السامي بيانا أوضح فيه أن الهدف من تشكيل الحكومة المؤقتة هو الاسراع في تمهيد الطريق أمام الشعب العراقي، والى أن يحين وقت تأليف المؤتمر واصدار القانون الأساسي للبلاد، فان الحكومة تقوم بإدارة الواجبات العمومية بأشراف المندوب السامي.
وحدد (كوكس) صلاحيات الحكومة المؤقتة في مذكرة صدرت على شكل تعليمات لمجلس الوزراء، وأوضحت ان كل وزير يعتبر رئيسا لدائرة من دوائر الدولة ومسؤولا عن ادارتها، شرط أن يكون خاضعا الى اشراف مجلس الوزراء ومشورة المستشار البريطاني وسلطة المندوب السامي العليا، والذي تكون قراراته نهائية في جميع الامور.
وقرر مجلس الوزراء اصدار العفو العام عن السياسيين المبعدين في سنة 1920 عن العراق الى جزيرة هنجام في الخليج العربي، بتهمة التحريض على الثورة بالعودة الى البلاد.. ومنهم من بغداد كلا :
أحمد الشيخ داواد، جعفر الشبيبي، محمد مصطفى الخليل، عارف السويدي، صبري قاسم اغا، نوري فتاح، السيد أمين (رئيس بلدية الاعظمية)، وفي (30) أيار 1920 أذاع المندوب السامي بيانا بالعفو عن القائمين بالثورة ومن بينهم بعض المطلوبين لقوات الاحتلال ومنهم : الشيخ ضاري المحمود (شيخ زوبع) وولداه خميس وسليمان، والأشخاص الذين قتلوا أو حرضوا على قتل بعض الضباط السياسيين في تلعفر وديالى.
وعلى ما يبدو استطاع مجلس الوزراء أن يتحمل تنفيذ مهماته، وبضغط من جعفر العسكري (وزير الدفاع) اعدت الترتيبات باستعادة الضباط العراقيين العاملين في حكومة دمشق العربية في سوريا، والذين كانوا من أشد القوميين حماسة والمتشككين بالحكم الذي أوصى البريطانيون به في العراق، اولئك الضباط كانوا يؤلفون عنصرا مهما في السياسة العراقية.
حيث نشرت جريدة الوقائع العراقية (الرسمية) في عددها الصادر في يوم الخميس الرابع عشر من شهر كانون الثاني سنة 1921، اسماء الرعيل الأول من الضباط العراقيين الذين عملوا سابقا في الجيش العثماني، وتم قبولهم في الجيش العراقي الذي اسس في السادس من كانون الثاني سنة 1921، وكان ثمانية منهم برتبة (عقيد) بينهم صبيح نشأت، وتسعة وعشرون برتبة مقدم من بينهم الحاج رمضان علي، وسبعة وأربعون برتبة رائد من بينهم محمود رامز وأمين زكي سليمان وبكر صدقي وتوفيق وهبي وحسين فوزي ونظيف الشاوي.
كما عادت مجموعة اخرى في منتصف شباط 1921، وكان في مقدمتهم نوري السعيد الذي عين وكيلا لجعفر العسكري وأصبح أول رئيس لأركان الجيش العراقي. وتقول المس بيل، في احدى رسائلها، عن لقائها بنوري السعيد “… في اللحظة التي رأيته فيها أدركت أننا نواجه طاقة قوية ومرنة وانه ينبغي اما أن نتعاون معه أو نخوض غمار صراع شاق حقا للتغلب عليه…”.
كما قامت الحكومة المؤقتة بتقسيم العراق الى وحدات ادارية وتعيين موظف عراقي لكل وحدة ادارية والى جانبه مستشار بريطاني، حيث فصل الوظائف التشريعية عن الوظائف التنفيذية، وتم تعيين المزيد من القضاة والحكام، حيث شمل التقسيم الاداري عشر محافظات وخمسة وثمانين ناحية، ويبدو ان هذا التقسيم والاعلان عنه هو اشارة واضحة للجمهور بأن الحكومة العراقية غدت الآن حقيقة قائمة.
وعلى الرغم من أن الموظف الاداري العراقي أكثر تجربة من مستشاره البريطاني ولا يقل عنه مقدرة، حيث يصفهم لونكريك بقوله “..إن الاداريين الفعالين في كل المحافظات كانوا يمثلون كل الاصناف وكل الاعمار وكل درجات الموهبة والأمانة بين الموظفين الذين عملوا قبلا مع الأتراك”، لكن المستشارين البريطانيين كانوا يسيئون العلاقة، فحدثت حوادث مؤسفة في بعض الأماكن فعلى سبيل المثال قتل محافظ الموصل (السيد حامد السامرائي) ويقول لونكريك “أنه قد قيد مصرعه مصرعه كان بتدبير من قبل الانكليز أنفسهم، لأنه ما أن تسلم المنصب حتى بدأ يضايق الضباط السياسيين البريطانيين فدبروا أمر مقتله والتخلص من مضايقته لهم”. وقد ذكر المرحوم عبد العزيز القصاب في مذكراته “..أن السيد حامد قد قتل من قبل شخص مجهول بينما كان جالسا في بيت آل المفتي في محلة باب سنجار “وان الحكومة لم تهتم بالأمر ولم تكشف الأسباب بالارتكاب لهذه الجريمة”.
ويذكر القصاب انه عندما اختير محافظا للموصل قابل وزير الداخلية (توفيق الخالدي) ورئيس الحكومة العراقية المؤقتة (عبد الرحمن النقيب) وأخبرهما بأنه لا يتمكن من الذهاب الى الموصل قبل أن يعرف اسباب هذا الاغتيال وهل حدث لعدم رغبة أهل الموصل فيه أم لأن الانكليز لا يريدون تعيين عربي للموصل.
وفي لندن كانت شؤون العراق في سنة 1921 وما بعدها، تدار من قبل دائرة الشرق الأوسط التي أنشئت حديثا ضمن وزارة المستعمرات. وكان أول عمل أقدم عليه (تشرشل) بعد أن نقل من وزارة الحربية الى وزارة المستعمرات، هو أن يعقد مؤتمرا في القاهرة لكي يقرر الكثير من القضايا المهمة للشرق الأوسط ومنها العراق.
استمرت وزارة النقيب الاولى للفترة من 11 تشرين الثاني 1920 الى 23 آب 1921 عندما تم تنصيب الأمير فيصل بن الحسين ملكا على العراق في 23 آب 1921 – كما سنرى –
المصادر المعتمدة:
1 – ستيفن همسلي لونكريك، العراق الحديث من سنة 1900 – 1950، الجزء الأول.
2 – ل. ن. كويكوف، ثورة العشرين التحررية في العراق.
3 – عبد الرزاق الحسيني، تاريخ الوزارات العراقية، الجزء الأول.
4 – فيليب ويلارد ايرلند، العراق دراسة في تطوره السياسي.
5 – عبد العزيز القصاب، من ذكرياتي، (بيروت، 1962).
6 – المس كيرترودبيل، فصول من تاريخ العراق القريب، (بيروت،1971)، ترجمة جعفر الخياط.

