نظير الكندوري

الغزو الامريكي الذي اجتاح العراق عام 2003، كان مبني على اكذوبة كبيرة اعترف بها كبار القادة الامريكان، وتحولت إلى فضيحة كبيرة للإدارة الامريكية في ذلك الحين، ذلك لأن الغزو كان مبني على اكذوبة استخباراتية تُفيد أن العراق يمتلك أسلحة دمار شامل، ثبت بعد ذلك بالدليل القاطع، كَذِب تلك المعلومة الاستخباراتية وزيفها، ومع ذلك فإن بوش الصغير وحليفه البريطاني توني بلير، أصرَّا على شن الغزو، تبين بعد ذلك إنهما شُناه لأسباب غير الأسباب التي أعلناها، الأمر الذي جعل تلك الدولتين، يفشلا في الحصول على تفويض لهذا الغزو من مجلس الامن رغم محاولاتهما.

كانت الولايات المتحدة الامريكية تعُدُّ العدَّة سرًا لبناء مشروع واعدٍ لها في المنطقة، يسمى بالشرق الاوسط الكبير، وتم اختيار العراق كمنطلق لهذا المشروع تستطيع بعد احتلاله، إزاحة الانظمة العربية في المنطقة واستبدالها بأنظمة مشابهة للنموذج العراقي الذي كانت  تنوي أن تبنيه على انقاض النظام العراقي السابق.

تلخصت ملامح المشروع الامريكي في العراق، في إنشاء نظام حكمٍ على الطريقة الأمريكية، من ديمقراطية (أمريكية على نموذج الكاوبوي)، ونشرٍ لثقافة العولمة وسط أبنائه، لتصنع منه لاحقًا، مثالا يحتذى لدول الجوار كما كانت تتوهم، لكن الذي لم تحسب حسابه بعد نجاحها في احتلال العراق عسكريًا، إنها لم تكن تمتلك في جعبتها صورة واضحة لعراق ما بعد الاحتلال، إنما حملت مجموعةً من التصورات غير المبنية على أسس واضحة، كما ولم تكن لديها فكرة عميقة عن التنوع العرقي والديني والطائفي فيه، الامر الذي جعل قواتها تعيش في فوضى عارمة، قادها الحاكم الامريكي بول برايمر، ليدفع ثمنها العراقيين، وحوَّلت العراق من بلدٍ موحد، إلى بلدٍ ممزقٍ طائفيًا وقوميًا، للدرجة إن مفهوم الوطنية والمواطنة عند الأحزاب التي جاءت مع المحتل والتي استلمت الحكم من بعده، كان مفهومًا ضبابيًا غير محدد الملامح، ولا محدد التعريف، وأصبح الولاء للطائفة أو القومية، مقدمًا وبديلًا على الولاء للوطن.

ومن العوامل الأخرى التي اسهمت في تعقيد المشهد العراقي على قوات الاحتلال الامريكي، ورسخت فشل مشروعهم، هو انطلاق المقاومة العراقية السنيَّة بشكلٍ مبكرٍ ضد قوات الاحتلال، حتى وصلت قوات الاحتلال إلى قناعةٍ، أنها قد وقعت في ورطة عسكرية كبيرة، دفعت ثمنها غاليًا من أرواح جنودها وضياع جهودها وأموالها في حربٍ لا طائل منها. ولأجل ذلك وبتوجيهٍ من مجموعةٍ مكوّنة من أعضاء الكونغرس المنتمين إلى الحزبيْن الرّئيسين، ‏الجمهوريّ والدّيمقراطيّ.‏ تم تشكيل لجنة لدراسة مستقبل المشروع الأمريكي في العراق، لغرض تشخيص مواطن الخلل والأخطاء التي وقع فيها هذا المشروع، وترأس تلك اللجنة في حينها، وزير الخارجية الأمريكي الأسبق جيمس بيكر (من الحزب الجمهوري)، والرّئيس السّابق للجنة العلاقات ‏الدّوليّة التّابعة لمجلس النّوّاب لي هاملتون (من الحزب الديمقراطي). ‏لكن ما جاء في تقرير هاملتون عام 2006 زاد الطين بللًا، حيث إنها نجحت في تشخيص الاخطاء الامريكية تشخيصًا دقيقًا، لكنها فشلت في تقديم الحلول الناجحة التي من شأنها إنقاذ المشروع الأمريكي في العراق. واحدة من تلك التوصيات التي خرجت بها اللجنة، هي التركيز على ضمان الاستقرار ‏في العراق من خلال التخلي عن هدف احلال الديموقراطية فيه، وهذا يعتبر ضربة بالصميم ‏للمشروع الأمريكي الذي كانت تروج له الإدارة الامريكية لمنطقة الشرق الأوسط.‏ والتوصية الأخرى، هي زيادة القوات الامريكية في العراق إلى خمسة أضعاف العدد المتواجد في ذلك الحين، للتغلب على المقاومة السنية، الأمر الذي من شأنه أن يزيد من دموية المشهد العراقي، أما التوصية الأكثر خطورة فكانت، تمكين الاحزاب الشيعية الموالية لإيران، من امتلاك زمام الحكم في العراق، باعتبارهم الحليق الأكثر ثقة في حربها للقضاء على المقاومة السنية، وهي التوصية التي اعتمدتها الإدارة الامريكية لتزيد من الانقسام الطائفي في البلد. وجميع تلك التوصيات التي جاءت بها اللجنة، تضرب جملة وتفصيلًا المشروع الأمريكي الذي روجت له الإدارة الامريكية، وبدت عوامل الفشل لهذا المشروع تظهر بشكل واضح لكل مراقب لمجريات الأحداث بالمنطقة.

شهدت سنوات 2007 و2008 انحسارا كبيرا لدور المقاومة العراقية، بعد الضربات المتتالية لها من قبل القوات الامريكية والمليشيات الشيعية التي فُتح لها الدعم غير المحدود من قبل إيران، وبموافقة ضمنية من القوات الامريكية. رافق ذلك تفرد للأحزاب الشيعية الموالية لإيران بالعملية السياسية، وتمكينها من إدارة دفة السياسة العراقية برعاية أمريكية، للدرجة التي أصبحت الدولة العراقية والنظام السياسي العراقي مصبوغًا بلونٍ واحد، هو اللون الشيعي القريب من إيران، ووصلت العلاقة الامريكية مع إيران الى درجة من القوة، يمكننا القول عنها، بأن إيران استلمت العراق من الامريكان على طبقٍ من ذهب، كهدية من الولايات المتحدة الامريكية. ورغم العداء الظاهر بين واشنطن وطهران. إلا إن إيران أصبحت الشريكة الأولى للولايات المتحدة الأمريكية في إدارة أمور العراق، سياسيًا وعسكريًا. ظهر ذلك جليًا في الدعم اللوجستي الأمريكي للمليشيات العراقية ذات الولاء الإيراني خلال المعارك ضد تنظيم داعش في العراق، وغض النظر الأمريكي عن الجرائم التي اقترفتها تلك المليشيات ضد عموم أهل السنَّة.

وتحولت الولايات المتحدة من بلدٍ يتعامل مع دولٍ ذات سيادة، إلى دولة شبيه بدول العالم الثالث، لا تجد حرجًا من التعامل مع مليشيات مسلحة غير رسمية، لا تختلف عن التنظيمات الارهابية بشيء، بطريقة تشبه تعاملها مع مليشيات (قسد) الكردية في سوريا فيما بعد. وتبدد الحلم الأمريكي الذي جاءت به للمنطقة انطلاقًا من العراق، وبدلًا من أن تنشأ في العراق دولة ذات حكم ديمقراطي على الطريقة الامريكية كما كانت تروج أمريكا لمشروعها في العراق، تحول العراق إلى بلد ثيوقراطي استبدادي يتخذ من اللعبة الديمقراطية كغطاء لممارساته الاستبدادية والطائفية وانفراده بالسلطة،.

لم يكن الفشل الأمريكي في العراق، هو الفشل الأول في منطقة الشرق الأوسط، فقد سبقه فشلًا في افغانستان، وبعد الفشل العراقي فشِلت الولايات المتحدة فشلًا ذريعًا في سوريًا، حينما تخلت عن المليشيات الكردية وعن وعودها لهم بإنشاء دولة كردية، واضعةً نفسها في موضع الدولة التي تتخلى عن أصدقائها بكل سهولة، وسيتوجب على أصدقائها الأخرين منذ الآن، إعداد العدة لتخلي أمريكا عنهم إذا ما اقتضت مصلحتها بذلك. كان العراق هو نقطة الفشل الأمريكي الأكبر في المنطقة، ليستمر مسلسل الفشل الأمريكي في منطقة الشرق الأوسط، تلك المنطقة التي وعَدَ الرئيس الأمريكي الاسبق جورج بوش الابن، بأنه سيحولها إلى  واحة للديمقراطية الامريكية. لكن الذي حدث، إن العراق تحول في ظل الغزو الأمريكي إلى ارض خصبة للإرهاب الذي لم يَعْرِفه من قبل، ثم تأتي إيران لتخرب ما تبقى من العراق، بتفكيك دولته وجعلها من الدول الفاشلة، وتمزق نسيجه الاجتماعي بالطائفية التي صدَّرتها له، وبفضل الفشل الأمريكي بالعراق، تمكنت إيران من التوغل في بلدان المشرق العربي انطلاقًا من العراق، حتى باتت إيران اللاعب الابرز في المنطقة.

 

 

مقال خاص براسام