أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

استحوذت الحالة الصحية على حيز كبير من أحاديث النواب، ويتبين من ذلك من خلال محاضر جلسات مجلس النواب التي لم تخل في غالبية جلساتها من مداخلات وانتقادات وجه ومن خلالها النواب نقدهم البناء لواقع الإدارة الصحية، ومنهم نائب الموصل (حنا خياط) الذي أكد خلال جلسة المذاكرة على لائحة قانون الميزانية العامة لسنة 1951 بأن أساس النجاح في سياسة الدولة الصحية يقوم على شرط رئيسي ألا وهو “الاستقرار في السياسة الصحية” وأضاف في حديثاً مسهباً عن الحالة الصحية في العراق لما يمتلكه من معلومات تخصصية لأنه كان يشغل منصب وزير الصحة في بداية الحكم الوطني، فمن أجل رفع المستوى الصحي طالب بالاهتمام بالصحة الريفية والعناية بالأمومة والطفولة والاعتناء بالوقاية من الأمراض المتوطنة والوبائية، وانتقد في ختام حديثه الإدارة المسؤولة عن الصحة، وتمنى الاستقرار في السياسة الصحية العامة لأنها أساس النجاح في سير هذه الإدارة”.
كما طالب النائب عبد الله القصير، أن يزور وزير الصحة المستشفيات والمؤسسات الصحية في كل أنحاء البلاد ويدرس النواقص…ولكننا نرى أن الوزارة تسقط قبل انتهاء العام…”.
ومن أجل الاطلاع على سرعة تبدل الوزارات التي لم تتجاوز بقاء بعضها بضعة أشهر،
أدناه جدول يبين تشكيل الوزارة مما أثّر بشكل عام على الواقع الصحي في البلاد:

ت ****** الوزارة****** فترة الاستيزار****** وزراء الصحة
1 ******نوري السعيد الثامنة****** 5 كانون الأول 1943/ 4 حزيران 1944 ****** محمد حسن كبة
2 ******حمدي الباجةجي الأولى****** 4 حزيران 1944/ 29 آب 1944 ******محمد حسن كبة
3 ******حمدي الباجةجي الثانية****** 29 آب 1944/ 31 كانون الثاني 1946 ******محمد حسن كبه ثم عبد المجيد علاوي
4 ******توفيق السويدي الثانية****** 23 شباط 1946 / 3 أيار 1946 ******أحمد مختار بابان ثم شوكت عبد الحليم الزهاوي
5 ******نوري السعيد التاسعة****** 21 تشرين الثاني 1946/ 11 آذار 1947 ******جميل عبد الوهاب
6 ******صالح جبر ******29 آذار 1946 / 27 كانون الثاني 1948 ******جميل عبد الوهاب
7 ******مزاحم الباجةجي****** 26 حزيران 1948/ 6 كانون الثاني 1949 ******جلال بابان ثم علي حيدر سليمان
8 ******نوري السعيد العاشرة****** 6 كانون الثاني 1949/ 10 كانون الأول 1949 ******بهاء الدين نوري
9 ******علي جودت الأيوبي الثانية****** 10 كانون الأول 1949/ 1 شباط 1950 ******سعد عمر
10 ******توفيق السويدي الثالثة****** 5 شباط 1950/ 15 أيلول 1950 ******توفيق وهبي
11 ******نوري السعيد الحادية عشر****** 15 أيلول 1950 / 10 تموز 1952 ******ماجد مصطفى
12 ******مصطفى العمري****** 12 تموز 1952 / 21 تشرين الثاني 1952 ******عبد الرحمن جودت
13 ******نور الدين محمود مصطفى****** 23 تشرين الثاني 1952 / 22 كانون الثاني 1953 ******عبد المجيد القصاب
14 ******جميل المدفعي السادسة****** 29 كانون الثاني 1953/ 5 آذار 1953 ******محمد حسن سلمان
15 ******جميل المدفعي السابعة****** 7 أيار 1953 / 7 أيلول 1953 ******محمد حسن سلمان
16 ******محمد فاضل الجمالي الأولى****** 17 أيلول 1953/ 8 آذار 1954 ******عبد الأمير علاوي
17 ******محمد فاضل الجمالي الثانية****** 8 آذار 1954/ 19 نيسان 1954 ******عبد المجيد القصاب
18 ******أرشد العمري****** 29 نيسان 1954 / 13 آب 1954 ******عبد الهادي الباجه جي
19 ******نوري السعيد الثانية عشر****** 3 آب 1954 / 17 كانون الأول 1955 ******محمد حسن سلمان
20 ******نوري السعيد الثالثة عشر****** 17 كانون الأول 1955 / 20 حزيران 1957 ******عبد الأمير علاوي
21 ******علي جودت الأيوبي الثالثة****** 20 حزيران 1957 / 14 كانون الأول 1957 ******عبد الأمير علاوي
22 ******عبد الوهاب مرجان****** 16 كانون الأول 1957 / 2 آذار 1958 ******محمود بابان
23 ******نوري السعيد الرابعة عشر****** 3 آذار 1958 / 19 أيار 1958 ******عبد الأمير علاوي
24 ******أحمد مختار بابان****** 19 أيار 1958 / 14 تموز 1958 ******عبد الأمير علاوي

ومن خلال استقراء الجدول أعلاه نلحظ سرعة تبدل الوزارات إذ لم تتجاوز مدة بقاء بعض الوزارات بضعة أشهر، مما أثّر سلباً على تنفيذ برامج هذه الوزارات فحالما تقدم الوزارة استقالتها تشكل وزارة جديدة سرعان ما تنهي برنامج الوزارة السابقة، ولمعالجة هذه المشكلة اقترح نائب العمارة (محمد حسن سلمان) أن يكون لوزارة الصحة “سياسة مرسومة ومنهج واضح مما يتطلب وحس قول النائب سلمان: “أن يكون لها وكيل دائم ذا اختصاص بشؤونها واسع الصلاحية وعند ذلك لا ضير عليها من كل تغيير أو تبديل وزير إذ يقتصر عمل الوزير على الشؤون السياسية دون العمل الفني الخاصة”.
وفي جلسة أخرى سلّط النائب (سلمان) نفسه على أهمية الذي تضطلع به الوزارة، في توجيه السياسة الصحية للبلاد إلى الحد الذي اعتبرها أهم من جميع الوزارات لأن المعارف والدفاع تتصل بالشباب، والصحة تتصل بالكبير، والصغير والغني والفقير.
وعند صدور قانون رقم (28) لعام 1952 والذي تم بموجبه تشكيل وزارة الصحة ذلك الاستحداث الذي لقي ترحيباً واسعاً من أعضاء مجلس النواب بعد عرض لائحة تشكيل الوزارة في الجلسة (17) في 27 شباط 1952.
ومن المفيد بالإشارة أن أول ذكر لوزارة الصحة ورد ضمن أول تشكيلة وزارية عراقية تم تشكيلها في العراق في 12 أيلول 1921، واختير لها (دكتور حنا خياط) كأول وزير للصحة، إلا أنها ألغيت لتصبح مديرية عامة تابعة لوزارة الداخلية، لتلتحق سنة 1939 بوزارة الشؤون الاجتماعية التي جرى استحداثها في هذه السنة وبقي الحال على ما هو عليه حتى سنة 1952 عندما تم استحداث وزارة الصحة بموجب القانون رقم (28) لسنة 1952 واختير عبد الرحمن جودت وزيراً للصحة ضمن التشكيلة الوزارية لوزارة مصطفى العمري (12 تموز 1952-23 تشرين الثاني 1952) وبموجب القانون المذكور حددت أهم واجبات هذه الوزارة بالصحة العامة وتأسيس المعاهد الوقائية للوقاية من الأمراض وإقامة المصحات والمستشفيات والكليات الطبية والمدارس الصحية.
وخلال المدة (1945-1958) أصدرت الحكومة العراقية بقدر تعلّق الأمر بالناحية الصحية العديد من الأنظمة والقوانين هدفت من خلال إصدارها إلى الارتقاء بالمهمات الموكلة إلى هذه الوزارة وكمثال على ذلك لائحة الصحة العامة والذي نصت المادة من هذه اللائحة على:
– تعمل وزارة الصحة على تهيئة شعب صحيح جسمياً وعقلياً بالوسائل التالية:
أولاً: إنشاء المستشفيات والمراكز الصحية الحكومية في جميع أنحاء القطر وعند الحاجة في خارجه.
ثانياً: مكافحة الأمراض المتوطنة والوافدة والسارية ومنع تسربها من الخارج إلى داخل القطر أو من مكان إلى آخر منه.
ومن الجدير بالذكر أن هذه اللائحة لقيت ترحيباً واسعاً من أعضاء مجلس النواب ومنهم نائب بغداد (شاكر ماهر) الذي عدّها خطوة أولية لتأميم الطب في العراق.
فيما تركزت مناقشات باقي أعضاء مجلس النواب على مواضيع متعددة نذكر منها المناقشات التي تمحورت حول صلاحيات مجالس صحة الألوية (المحافظات)، وفي هذا المجال انتقد نائب العمارة (محمد حسن سلمان) اقتصار هذه المجالس على الأعمال العلاجية كفتح المستشفيات والمستوصفات، أما مكافحة الأمراض المتوطنة والتدرن الرئوي والأمراض الوقائية والتي تحتاج إلى خبراء واختصاصيين وهذه الخبرة والاختصاص ليست متوفرة بالعدد الكافي حتى في بغداد فكيف بالألوية الأخرى…”.
ومن الجدير بالذكر أن المادة التاسعة من قانون مجالس صحة الألوية نصت على ما يلي:
يؤلف وزير الصحة في كل لواء عدا بغداد مجلساً صحياً سمي بـ (مجلس صحة اللواء) يتراوح عدد أعضاءه بين (5-9) أعضاء برئاسة متصرف (محافظ) اللواء (المحافظة) وعضوية كل من: رئيس الصحة وطبيب المدينة –إن وجد- ومدير المعارف.
لكن استمر تردي الأوضاع الصحية في عموم الألوية العراقية وباعتراف عدد من المسؤولين عن هذه الوزارة. فخلال الجلسة العاشرة لمجلس النواب المنعقدة في 25 شباط 1957 حمّل وزير الصحة (عبد الأمير علاوي) جانباً من تدهور الأوضاع الصحية إلى “السياسة الصحية المتبعة في البلاد” والتي وصفها بـ “الارتجالية والتي لا تستند إلى سياسة راسخة”، مما نجم عنه وحسب مداخلة نائب بغداد (عبد المجيد قصاب) فشلت وزارة الصحة فشلاً كبيراً في تطبيق السياسة الصحية.
والتساؤل المطروح هو هل هذا الفشل بسبب قلة التخصيصات المالية أم بسبب قلة الكوادر الطبية أم سوء توزيع الكوادر الطبية والصحية – سنتناول الجواب في الحلقة القادمة-.

المصادر المعتمدة:
– للتفاصيل عن حياة الدكتور حنا خياط (أول وزير للصحة في العراق)، ينظر: محمود الحاج قاسم وأياد حسن الرمضاني، دليل الأطباء والصيادلة العاملين في الموصل في القرن العشرين، الجزء الأول، (الموصل، 2001).
– محاضر جلسات مجلس النواب العراقي، الدورة الانتخابية الثانية عشرة، الاجتماع الاعتيادي لمجلس النواب لسنة 1951، الجلستان (45) و(46) في 8 و9 أيار 1951، مطبعة الكوفة، (بغداد، 1952).
– محمد حسن سلمان، طبيب الملك فيصل الثاني ومذكراته السياسية في العراق 1940-1958، الدار العربية للموسوعات، (بغداد، 1985).
– محاضر جلسات مجلس النواب العراقي، الدورة الانتخابية الخامسة عشرة، الاجتماع الاعتيادي لمجلس النواب العراقي لسنة 1957-1958، الجلسة (16) في 1 شباط 1958، مطبعة الكوفة، (بغداد، 1958).
– للتفاصيل ينظر نص قانون استحداث وزارة الصحة ذي الرقم (28) لسنة 1952، المنشور في جريدة الوقائع العراقية (بغداد)، العدد (3076) في 24 آذار 1952.
– محاضر جلسات مجلس النواب العراقي، الدورة الانتخابية السادسة عشر، الاجتماع الاعتيادي لسنة 1957-1958، الجلسة (12) في 12 كانون الثاني 1958.
– حسين حاتم الكرطي، مجالس بغداد، (بغداد، 2003).

مقال خاص براسام