أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

– أبرز الشخصيات البرجوازية الصناعية في العراق:

كان هنالك شخصيات عراقية كان لهم إسهام في تطوير القطاع الصناعي وخصوصا في فترة ما بين الحربين وما بعدهما.
ومن الشخصيات البرجوازية الصناعية في العراق مصطفى الصابونجي (وهو من مواليد سنة ١٨٨٨م في الموصل وهو ابن محمد باشا الصابونجي ١٨٤٤ – ١٩١٦م، من عشيرة الخوالد ومن وجهاء الموصل) الذين برزوا في ميدان التجارة والإدارة والسياسة ومن ذلك دورة في تأسيس أول غرفة تجارية في العراق (غرفة تجارة الموصل ١٨٨٤م) كما ارتبط بالحركة العربية القومية التي ناوأت العثمانيين سراً، كما كان عضوا في مجلس إدارة ولاية الموصل بين ١٨٩٥- ١٩١١م، ولمصطفى الصابونجي فضل إدخال الكهرباء الى الموصل لأول مرة وحدث ذلك سنة ١٩١٢ ، حينما اشترى بعض المولدات من الجيش البريطاني ونصب الأعمدة ومد الإسلاك التي أدارت بعض الشوارع والبيوت وتعاقد مع البلدية، ويشير الأستاذ الدكتور إبراهيم العلاف في مؤلفه الموسوم (شخصيات موصلية) إلى أنه تم العثور على وثائق تشير الى انه قدم في ٨ أيلول ١٩٢١م طلبا الى رئيس بلدية الموصل قال فيه إنه يريد نصب مولدات “لأجل استحصال وضع المولدات في محلة الشيخ عمر” وأضاف انه يفعل ذلك لأن الكهرباء “من أسباب العمران والخدمة العمومية” وقد وافقت البلدية أن تعطي “مصابيح مجانا الى تنوير الأزقة وذلك بالمائة خمسة بالنسبة الى القوة التي يوزعها”، وفي مجال التعليم كان التعليم كان له دور مهم في إنشاء المدارس ومنها مدرسته الابتدائية “مدرسة الصابونجي”، كما أرسل عددا من شباب الموصل الى القاهرة سنة ١٩٤٣ للدراسة في جامعة الأزهر على نفقته وقد حصل طلبة البعثة على شهادة عالمية وعادوا الى الموصل ليبرزوا في ميدان الوعظ والتدريس ومن هؤلاء الشيخ (محمد محمود الصواف) والأستاذ (محمد علي العدواني) واتجه الصابونجي نحو الصحة عندما علم بأن المستشفى الملكي قد ضاق وأصبح لا يستوعب من المرضى الا (٢٥٠) مريضا، وكثرت طلبات رئاسة الصحة بتوسيعه، ولكن وزارة الصحة عجزت عن ذلك فتقدم مصطفى الصابونجي سنة ١٩٤٩م بطلب توسيعه وإنشاء ردهة على حسابه كما ورد في وثيقة محفوظة في ملفات محافظة نينوى وفي ٩ شباط ١٩٥١م، تم افتتاح الردهة ويبدو أن عمله شجع وزارة الصحة فأنشأت سنة ١٩٥٤ ردهتين للأمراض الباطنية ولا تزال الردهة التي بناها الصابونجي في المستشفى الجمهوري الزهراوي حاليا تحمل اسمه.

يعد من رواد العمل الصناعي ومن الشخصيات البرجوازية الصناعية في العراق آنذاك، إذ عمل على إنشاء معمل متخصص في إنشاء المنسوجات والملابس الرجالية والنسائية وكان للصابونجي في العشرينات أول معمل لتقطير العطور، وأول معمل للبسكويت وآخر للخزف الصيني والثالث للتريكو ومعمل لطحن الحبوب وآخر للدباغة ومحلج للأقطان.

إضافة الى مساهمته في العديد من الشركات الوطنية، ومن الجدير بالذكر انه خلال الثلاثينات من القرن العشرين تأسست مشاريع صناعية تعود ملكيتها الى شخصيات برجوازية عراقية، وقد جاء ذلك انسجاما مع تنامي الوعي القومي وتعاظم التيار الليبرالي واتساع المبادرة الفردية وازدياد روح الإقدام والمساهمة في المشاريع الصناعية، وقد تأثر ذلك كله بدعوات من قبيل التقليل من الاعتماد على المصنوعات المستوردة والحفاظ على الثروة الوطنية من التسرب الى الخارج.

كما نشير الى المساهمات الأخرى الصناعية لنوري فتاح باشا، فقد كان أبرز المساهمين في تأسيس (شركة الدخان الأهلية) والتي كان رأس المال فيها (٣٠٠) ألف دينار، وقد حصلت الشركة على إعفاءات من الرسوم الكمركية استنادا الى قانون تشجيع المشاريع الصناعية كما حصل على إعفاءات إضافية بموافقة مجلس الوزراء لتوسيع إنتاجه، فضلا عن ذلك كان نوري فتاح باشا من المساهمين في شركة السمنت العراقية، ولم تقتصر مساهمته عند هذا الحد بل امتدت لتشمل المساهمة في شركة استخراج الزيوت النباتية إضافة الى إسهامه في الشركة التجارية الصناعية المحدودة وشركة المنصور للبناء وغيرها من الأعمال التجارية التي أسهمت في تطوير القطاع الصناعي في فترة ما بين الحربين وما بعدهما.

ونعرض هنا بشكل موجز أبرز المشاريع الصناعية الخاصة التي شهدها العراق آنذاك، ومنها:

– أول معمل للكاشي عام ١٩٣١م.
– أول معمل للطابوق.
– معمل غزل الصوف لصاحبه عزيز ميرزا يعقوب عام ١٩٣٢م.
– شركة الحياكة الأهلية عام ١٩٣٨م.
– شركة تجارة ومحلج الأقطان عام ١٩٣٠م.
– شركة الدخان العراقية عام ١٩٣٢ لصاحبها ومؤسسها عبد العزيز البغدادي وشركائه.
– معمل الشخاط تأسس عام ١٩٣٣م وصاحبه جورج نعيم.
– معمل الأحذية العراقي الذي كان يملكه غني وعبد الحميد عام ١٩٣٣م.
– معمل الصابون أسسه عبد الله كافل حسين أواخر الثلاثينات في بغداد.

إن هذا الاستعراض الطويل لهذه الصناعات الناشئة وأصحابها ذوي رؤوس الأموال الوطنية والذين يعتبرون نواة البرجوازية العراقية الحديثة، ولم يدفعهم هذا التميز للعمل في السياسة لإثبات وجود هذه الطبقة سوى شخصية برجوازية واحدة ظهرت على الساحة السياسية العراقية لتمثل البرجوازية الصناعية وهو محمد حديد، فمن هو (محمد حديد)، هو (محمد بن حسين جلبي حديد) من مواليد الموصل عام ١٩٠٧م أكمل دراسته الابتدائية في الموصل في حين أكمل الدراسة الثانوية والجامعية التي درسها في الجامعة الأمريكية في بيروت عام ١٩٢٤م، ثم درس في لندن وتخصص بالاقتصاد وهو من مؤسسي جماعة الأهالي في أواخر العشرينات والتي أسهمت بخلق التيار الديمقراطي في العراق والتي مهدت لتأسيس الحزب الوطني الديمقراطي انتخب نائب عن الموصل عام ١٩٣٧م في الدورة الانتخابية الثامنة لمجلس النواب العراقي وعين وزيراً للتموين عام ١٩٤٦م في وزارة نوري السعيد، كما عين وزيراً للمالية بعد قيام ثورة ١٤ تموز ١٩٥٨م.

يعتبر (محمد حديد) من أبرز مَن مثل البرجوازية الصناعية ويبدو أن البيئة المحيطة به كان لها الأثر الأكبر في صياغة شخصيته التي عرفته مدافعا عن مصالحها، كونه جزء منها، ومن المعروف بانه من مؤسسي شركة الزيوت النباتية العراقية التي باشرت أعمالها عام ١٩٣٩م، وهي من المشاريع التي باتت تعرف اليوم بالمشاريع المختلطة إذ كان للمصرف الصناعي حصته في رأس مالها بقدر حوالي ٥/٢٠٪ من رأس المال المقدر بـ (٣٠) ألف دينار.

وقد واجهت هذه الشركة في بداية الأمر مشكلة تصريف منتجاتها حيث أن المستهلكين لم يعتادوا على الزيوت النباتية، غير أن هذه الشحة التي حدثت أثناء الحرب العالمية الثانية دفعت المستهلكين الى استعمال الدهن النباتي.

ويصف الباحث جوني يوسف حنا (محمد حديد) في رسالته للماجستير الموسومة “تاريخ الصناعة الوطنية وعلاقتها بالتطور السياسي في العراق ١٩٢٩ – ١٩٥٨” رسالة ماجستير/ كلية الآداب، جامعة الموصل ١٩٨٩، بأن له مواقف تنم عن الاهتمام بتطوير القطاع الصناعي في أكثر من مناسبة ومنها عندما قال: “إذا ما علمنا أن رجال الحكم لهم روح المثابرة والنشاط والإخلاص، ويظهر ذلك من خلال جهودهم لتحقيق الاستقرار، فلماذا إذا هذا التشاؤم من قيادة الحكومة للمشاريع الصناعية”.

وما أن بدأت الحرب العالمية الثانية ١٩٣٩ – ١٩٤٥ حتى كانت البرجوازية الوطنية في العراق قد أصبحت قوة اجتماعية ذات وزن اقتصادي ملموس، وازداد عدد المشاريع الصناعية المتمتعة بامتيازات قانون تشجيع المشاريع الصناعية ليصبح سنة (١٩٤٥م) (٩٦) مشروعا بعد أن كان سنة (١٩٣٩م) لا يزيد عن (٧١) مشروعا وأقبل المستثمرون العراقيون على إنشاء شركات ومشاريع مختلطة كان للمصرف الصناعي حصة في رأس مالها، ومنها على سبيل المثال (شركة الزيوت النباتية) التي تأسست سنة (١٩٣٩م) ومن أبرز مؤسسيها (محمد حديد ومصطفى الصابونجي وكامل الخضيري وعبد الهادي الجلبي).

وقام المصرف الزراعي الصناعي الذي تأسس سنة ١٩٤٠م، ومجلس الإعمار الذي تأسس سنة ١٩٥٣م، بدور كبير في دفع حركة النشاط الخاص في العراق الى الأمام، وساعد على ذلك تأسيس اتحاد الصناعات العراقي بموجب القانون رقم (٥٢) لسنة ١٩٥٦ الذي قام بدور ملموس في حماية وتشجيع المشاريع الصناعية.

خلال الخمسينات من القرن العشرين اضطربت الأحوال السياسية وعجز البرجوازيون العراقيون عن فهم محركات الواقع السياسي الأمر الذي أفسح المجال أمام الضباط الأحرار لتغيير النظام السياسي بإعلان قيام جمهورية العراق وسقوط النظام الملكي يوم (١٤ تموز ١٩٥٨م)، والبدء باتخاذ إجراءات القصد منها تقييد حركة القطاع الخاص وتوجيه مسار الاقتصاد العراقي نحو (الاشتراكية) وابتدأت تلك الإجراءات بإصدار قانون الإصلاح الزراعي في أيلول ١٩٥٩م، وتأسيس مصلحة المبايعات الحكومية في كانون ١٩٥٩م، وانتهت بصدور قرارات التأميم في ١٤ تموز ١٩٦٤م، ومنذ ذلك الوقت يعاني القطاع الخاص من محنة حقيقية وهو بحاجة لمن يمد يده ليأخذ دوره في إعادة بناء الاقتصاد العراقي.

خاتمة القــــول:

نرى أن أغلب هؤلاء انحدروا من اسر ميسورة الحال وتفتحت عيونهم منذ الصغر على النشاطات الاقتصادي، الأمر الذي أسهم في تحديد توجهاتهم مستقبلا.

كما أن أغلبهم ابتعدوا عن أن يكونوا ذيلاً للمؤسسات الاقتصادية الأجنبية وخاصة البريطانية منها وهذه من المسائل الإيجابية التي لابد أن تذكر، إذ أمن أغلبهم بفكرة مفادها العمل من أجل الارتقاء بالقطاع الصناعي في العراق من خلال مشاركتهم في العديد من القطاعات الصناعية من منسوجات الى زيوت الى ملابس وغيرها والتي باتت تنافس المنتوجات الأجنبية من حيث الجودة، بل تعدى قسم منهم، في العمل على تصدير ما يزيد عن حاجة السوق المحلية الى خارج العراق.

وعلى ما يبدو كان الإخفاق والعجز عن تنمية الاقتصاد الوطني لذلك اتجهت بصورة عامة نحو التجارة وامتلاك العقارات أكثر من اتجاهها نحو التصنيع والمشاريع الكبرى.

المصادر المعتمدة:

أولا: كمال مظهر أحمد، صفحات من تاريخ العراق المعاصر، (بغداد، ١٩٨٧م).

ثانيا: محمد حديد، مذكراتي: الصراع من أجل الديمقراطية في العراق، دار الساقي (بيروت، ٢٠٠٦م).

ثالثا: إبراهيم خليل العلاف، شخصيات موصلية، مكتبة الجيل العربي، (الموصل، ٢٠٠٧م).

رابعا: حنا بطاطو، العراق والطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، الكتاب
الأول، ترجمة عفيف الرزاز، (بيروت، ١٩٩٠م).

خامسا: صباح الدرة: التطور الصناعي في العراق، (بغداد، ١٩٦٨م).

سادسا: عماد عبد اللطيف سالم: الدولة والقطاع الخاص في العراق الوظائف والسياسات (بغداد، ٢٠٠١م).

مقال خاص براسام