الباحث: حسين صالح السبعاوي
قررت حكومة السوداني في حزيران الماضي إجراء انتخابات مجالس المحافظات وفق قانون “(سانت ليغو ) المعدل ١.٧ بتاريخ ١٨ كانون الثاني من عام ٢٠٢٤، علما أن آخر انتخابات محلية أُجريت عام ٢٠١٣، وكان من المقرر إجراءها عام ٢٠١٨ لكنها تأجلت لأكثر من مرة بسبب الخلافات السياسية بين الكتل الرئيسية الحاكمة.
من المعلوم أن كل الانتخابات التي أجريت في العراق منذ ٢٠٠٣ واجهت مقاطعة شعبية كبيرة بسبب التزوير والمال السياسي الفاسد الذي من خلاله تدار الانتخابات وبسبب مشاركة الأحزاب التي تمتلك أذرع مسلحة مما يفقد الانتخابات نزاهتها والمنافسة الشريفة فيها، وهذا ما حصل في آخر انتخابات برلمانية أجريت في تشرين من عام ٢٠٢١ ولم تتعد نسبة المشاركة فيها ٢٠% – حسب تصريح أحد زعماء الكتل السياسية- لكن في هذه الانتخابات المحلية القادمة سوف يعاني المشهد السياسي العراقي أزمة أكبر مما كان عليه من أزمات في الانتخابات الماضية وذلك بسبب الآثار السلبية التي تركتها نتائج الانتخابات البرلمانية الماضية خاصة داخل المكون الشيعي الذي يعتبر هو الفاعل السياسي الرئيسي في العراق، ولا يخفى على أحد ما حصل بين جماعة الإطار التنسيقي الخاسر وبين الكتلة الصدرية الفائزة حيث انسحب الأخير من المشهد السياسي وترك تشكيل الحكومة للقوى الخاسرة!
أما القوى السياسية “السنية ” فمشاركتها ستكون مجرد (ديكور) ولم تكن يوما ما شريكاً حقيقياً في القرار السياسي والأمني في العراق بعد الاحتلال الأمريكي والإيراني.
إذاً الأزمة الحقيقية هي داخل القوى السياسية الشيعية وتحديدا بين الإطار التنسيقي والتيار الصدري الذي حُرم من تشكيل الحكومة ثم انكفأ عن العمل السياسي ومن هنا سوف نواجه خيارين لهذه الأزمة:
الأول: مقاطعة التيار الصدري للانتخابات المحلية القادمة وبهذا ستكون المشاركة العامة للانتخابات متدنية جداً، بحيث أن مقاطعته لها ستفقد الانتخابات أي شرعية سيما أن جميع الانتخابات الماضية كانت نسبة المشاركة فيها متدنية رغم مشاركة التيار فيها، فكيف إذا قاطعها ؟!
وهذا الخيار هو الراجح، لأن الإطار التنسيقي سوف يستفز جماعة الصدر من خلال المفوضية أو من خلال إضافة تشريعات قانونية لا تخدم التيار الصدري في المشاركة السياسية.
ثانياً: مشاركة التيار الصدري ومن ثم الفوز في الانتخابات والسيطرة على المحافظات في الوسط والجنوب، وبهذا ستكون مشاركته على حساب الإطار التنسيقي مما يضعف الحكومة المركزية التي يقودها الإطار، علما أن المحافظين الجدد الذين سينبثقون عبر الانتخابات المحلية لا تستطيع الحكومة أن تتحكم بهم كما هو الحال اليوم لأنهم منتخبين من قبل الشعب وليس معينين من قبل الحكومة ومجلس النواب، وحتى لو استخدم الإطار التنسيقي القضاء في إقالة بعض المحافظين سيكون البديل من نفس الكتلة الفائزة إضافة لتعميق الشرخ الحاصل بينهما اذا ما حاول الإطار التحرش بالمحافظات التي سوف يسيطر عليها التيار الصدري.
أما في حال أصبح الفائز غير قادر على تشكيل الحكومة المحلية – كما حدث في الانتخابات البرلمانية- فهذا يعني أن بعض أطراف الإطار سوف تنحاز للتيار الصدري من أجل مكسب وظيفي للحصول على بعض المناصب وبهذا سوف يبدأ الإطار بالتفكك تدريجيا.
وعلى المستوى الوطني العام فإن الانتخابات القادمة لن تختلف عن الانتخابات السابقة والسبب هو مشاركة نفس الأحزاب ونفس الوجوه التي عانى منها الشعب، بمعنى غياب التغيير الحقيقي في المشهد السياسي الأمر الذي سيشجع الناخب العراقي على المقاطعة.
أمام هذا المشهد السياسي المعقد من الممكن تأجيل الانتخابات المحلية عن موعدها المقرر لأن الإطار التنسيقي سيكون هو الخاسر الأكبر سواء في مشاركة التيار الصدري أو مقاطعته لها.
إن العملية السياسية في العراق بعد ٢٠٠٣ لم تبن على أسس وطنية وديمقراطية رصينة ولهذا تجد المقاطعة الجماهيرية لها تتكرر في كل انتخابات، لأن الناخب العراقي ليس بالخب الذي يسهل خداعه في كل انتخابات.
أما أزمة السياسيين السنة فهم رغم الإقصاء الذي يعانون منه من طرف الفاعل السياسي الشيعي إلا أنهم في كل انتخابات يعدون جمهورهم بوعود لا يمكن تحقيقها طالما ظل النظام السياسي في العراق يعتمد الطائفية في إدارة الدولة، ومن أبرز هذه الوعود المتكررة إطلاق سراح المعتقلين والمخفيين قسريا، وعودة النازحين والمهجرين إلى ديارهم، وإعادة أعمار مدنهم المنكوبة، وكالعادة لا يتحقق أي شيء من هذه الوعود والسبب معلوم وهو أن الأغلبية السياسية الشيعية لا تسمح بتمرير مثل هذه القوانين والقرارات حتى إذا وعدوا بها أثناء الانتخابات أو قبل تشكيل الحكومة.
إن الأزمة السياسية في العراق لا يمكن حلها بانتخابات محلية أساسها التزوير والمال السياسي الفاسد، ولا يمكن حلها بوجود هذه الطبقة السياسية، كما لا يمكن حل جميع الأزمات في العراق طالما هناك دعم أمريكي وإيراني لهذه العملية السياسية التي بنيت على أساس المحاصصة وعلى أساس طائفي وعرقي، وإلا فما قيمة انتخابات الخاسر فيها هو من يشكل الحكومة؟ وما قيمة انتخابات تشارك فيها أحزاب لديها أذرع مسلحة تهدد بها كل منافس لها؟ وما قيمة انتخابات مبنية على التزوير؟ وما قيمة انتخابات لا يشارك فيها سوى مجموعة من الفاسدين ويقاطعها أغلبية الشعب؟
إذاً لابد من تغيير هذه العملية السياسية والشروع بعملية سياسية جديدة تعتمد على مبدأ المواطنة في إدارة الدولة وتسعى لاستقلال العراق من الهيمنة الأجنبية.
مقال خاص براسام

