د. فارس الخطاب

راقب العرب في داخل حدود الوطن العربي وخارجه حضور الرئيس السوري، بشار الأسد، للقمة العربية في دورتها الـ 32 ، التي انعقدت في جدة بالمملكة العربية السعودية، وتعامل الأغلبية بذهول وإحباط مع هذه العودة، فيما تعامل آخرون معها باعتبارها إنهاء لحقبة زمنية طويلة شهدت نزوح ملايين السوريين خارج البلاد وأيضا مقتل ما يناهز على المليون سوري (بحسب رئيس الائتلاف السوري، سالم المسلط) وتدمير العديد من المدن السورية في أنحاء مختلفة من البلاد.
لكن بالنسبة لملايين السوريين الذين يعيشون في المهجر أو في مناطق خارج سلطة النظام السوري أمثال إدلب وريف حلب وتسائلوا عن الذي تغير في الملف السوري حتى يبدو القادة العرب الذين جمدوا عضوية سوريا في مجلس جامعة الدول العربية لارتكاب نظامه مجازر وحشية بحق مواطنيه المدنيين، هم من فرش السجادة الحمراء لإستقباله رسميا في قمة جدة، حتى بدا الأمر إنه مكافأة لقاتل على جرائمه وطريقته التي كانت أبرز ملامحها ؛ إشراك قوى خارجية كالحرس الثوري الإيراني وحزب الله اللبناني وروسيا في تدمير قوى المعارضة السورية دون الإكتراث بسيادة سوريا أو الحفاظ على وحدة إراضيها ، فيما قال رئيس النظام في كلمته خلال القمة “هي فرصة تاريخية لإعادة ترتيب شؤوننا بأقل قدر من التدخل الأجنبي”!
إن تحليل كلمة الرئيس السوري، بشار الأسد، يضع المراقبين والمحللين في زاوية متناقضة مع واقع سوريا الميداني أمنيا وعسكريا تماما كما هو الحال بالنسبة للواقع السياسي والاقتصادي ، فهو في جزء من كلمته قال ” إن العناوين كثيرة لا تتسع لها كلمات ولا تكفيها قمم ، لا تبدأ عند جرائم الكيان الصهيوني المنبوذ عربيا بحق الشعب الفلسطيني المقاوم ولا تنتهي عند خطر الفكر العثماني التوسعي المطعم بنكهة إخوانية منحرفة، ولا تنفصل عن تحدي التنمية كأولوية قصوى لمجتمعاتنا النامية” ، فهو يشير هنا إلى “الفكر العثماني” ويقصد به السياسة التركية طبعا في حين أن من المفروض أن يكون ممتنا للدور التركي في احتضان ملايين السوريين والمساهمة في إعادة إعمار بعض المدن السورية المدمرة ، وعيب كبير أن يستخدم رئيس دولة تعبير “العثمانية” تماما كما يستخدمه قصيرو النظر في السياسة الدولية ، وأية مقارنة بين دور تركيا في سوريا ودور إيران فيها سيظهر بوضوح حجم الضرر الفكري والوطني والديمغرافي لإيران داخل القطر السوري الشقيق ، وحتى اللحظة تطرح تركيا مبادراتها إلى النظام السوري من أجل حسم ملف اللاجئين السوريين في تركيا وكذلك موضوع سيطرة جماعات كردية متعاونة مع جماعات كردية تركية إرهابية ومع الولايات المتحدة على مناطق مهمة وحساسة على حدود سوريا مع تركيا ، الدولة العثمانية تمثل حقبة مهمة من التاريخ الإسلامي استمرت إلى ما يناهز الـ 800 عام تماما كما كانت الخلافة الأموية والعباسية تمثلان فترات مهمة من هذا التاريخ ، حفل بما لا حصر له ، لذلك لا يصح أن نلصق صفة “العثمنة” لنجاح القيادة التركية في إحداث قفزات علمية وسياسية واقتصادية خلال عشرون عاما جعلتها ضمن الدول الاقتصادية الأبرز في العالم ، ولم يقل أحدا عن أي زعامة عربية ناجحة أنها محاولة لإعادة الدولة العباسية أو الأموية .
في موضوع الأزمات العربية قال الأسد “كل تلك القضايا هي نتائج لعناوين أكبر لم تعالج سابقا أما الحديث في بعضها فهو بحاجة لمعالجة التصدعات التي نشأت على الساحة العربية خلال عقد مضى واستعادة الجامعة لدورها كمرمم للجروح لا معقم لها، والأهم هو ترك القضايا الداخلية لشعوبها فهي قادرة على تدبير شؤونها وما علينا إلا أن نمنع التدخلات الخارجية في بلدانها ونساعدها عند الطلب حصرا”، ترى هل ترك الأسد ونظامه، الشعب السوري على تدبير أمره منذ انطلاق احتجاجاته السلمية في منصف مارس /آذار 1911م.
أم تعامل معه بطريقة إرهابية أكثر منها علاجية لمطالب محددة وعادية، ومارست أجهزته أساليب لم يعتد المواطن العربي عليها وكذلك كل شعوب الأرض، ثم من يمنع التدخلات الأجنبية الخارجية إن كان رأس النظام قد طلبها بنفسه سواء تعلق الأمر بالجمهورية الإسلامية الإيرانية أو روسيا الإتحادية التي إستخدمت أحدث أسلحتها ومعداتها الحربية لتدمير مدن سورية كاملة.
ما يحسب للقمة العربية في جدة أنها حددت (خمسة) دقائق فقط لكل رئيس وفد في القمة ليقدم كلمته، وإلا لاستغرق الرئيس السوري بشار الأسد وقتا طويلا ليقدم فيه نصائحه للقادة العرب الذين كانوا يستمعون لكلمته وهم مستغربين من قدرته على الإستمرار في تقديم دور نظامه في النظام العربي دون أن يذكر ولو بشكل ضمني العناصر التي دفعته لاستخدام القوة القاهرة جدا ضد أبناء شعبه ولا لدوره في تحويل الأراضي السورية إلى كاتونات لقوى إقليمية ودولية.
ويحسب للقمة العربية في دورتها الثانية والثلاثين أنها نجحت في تجاوز الملف السوري رغم كل الملاحظات المشار إليها في أعلاه وسواها؛ ورغم، إستياء الولايات المتحدة وكل الحلفاء الغربيين لها ، من إعادة ضم سوريا إلى جامعة الدول العربية ، بإعتبار أن “الأسد لا يستحق ذلك” ، إلا أن تعليق عضوية أي بلد عربي ليس حلا مطلقا لثنيه عن موقفٍ أو قرارٍ أتخذه سواء مع شعبه أو في القضايا المركزية ذات الموقف العربي الواحد ، فلا مقاطعة جمهورية مصر العربية بعد زيارة الرئيس المصري الراحل أنور السادات المفاجئة إلي القدس في 19 نوفمبر 1977م ، وعرضه “السلام ” على القيادة التشريعية والسياسية للكيان الصهيوني والتي قادت إلى اتفاقيات كامب ديفيد ، أثنت مصر عن قرارها ، ولا تعليق عضوية سوريا في مجلس جامعة الدول العربية غيّر من أسلوب النظام السوري في التعامل مع المعارضة السورية بل دفعته بأحضان قوى بعضها معادي للأمن القومي العربي لتساعده على الحفاظ بتماسك نظامه.
إن الدرس الأبرز من تجربة سوريا ومن قبلها مصر والعراق إلى حد ما، هو التعامل مع الأزمات العربية من خلال الدور الإيجابي لدول مجلس الجامعة في التعامل مع أية أزمة عربية، فالسودان الآن تنتظر دورا عربيا فاعلا لإيجاد صيغة ناجعة لإيقاف الاقتتال الداخلي وكذلك الأزمة بين الجزائر والمغرب وفي تونس ولبنان .

مقال خاص براسام