تواطؤ الحكومات مع العشائر:
لقد تواطأت الحكومات المتعاقبة التي حكمت العراق مع الكثير من العشائر العراقية والميليشيات الطائفية المسلحة التي ظهرت كقوة موازية لمؤسسات الدولة بعد عام2003م، بعد أن سكتت عنها وباركتها على الكثير من تصرفاتها وجرائمها وخاصة في محافظة ديالى وحزام بغداد، بحيث تدرجت العشائر في ذلك حتى وصلت الى استحواذها على أسلحة وقدرات عسكرية تفوق ما لدى الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية من قدرات، الأمر الذي أدى الى تدهور وتردي الوضع الأمني، بسبب الترهل الحكومي وغياب الدولة، مما جعل الحكم العشائري بديلاً مقبولاً ورائجاً و خاصةً بعد عام2014م، ومن يراقب الوضع الأمني في المحافظات الجنوبية يجد بأنه لا توجد هناك دولة، فالعشائر والميليشيات هي من تتحكم في الوضع القائم هناك، بحيث أصبح لديها من القدرة والخبرة العسكرية ما يمكنها من شن الحروب الصغيرة والسيطرة على مدن كاملة، وسط عجز وشلل حكومي تام، وهذا يجري بعلم الحكومة المركزية التي تتوقف في أتخاذ أي أجراء رادع لهم لأسباب سياسية وطائفية تتعلق بعلاقتهم مع حكومة بغداد، التي باتت تتوافق معهم فيما يخص تقاسم المصالح والنفوذ في هذه المحافظات بطريقة ناعمة لا تخل بموازين القوى بينهم، مما جعل الأجهزة الأمنية تفشل في فرض السيطرة على السلاح العشائري بسبب تلقيها تعليمات بتحمل المسؤولية العشائرية التي أصبحت نافذة على كل من يقتل عنصراً عشائرياً حتى ولو كان خارجاً عن القانون.

إن توجه الكثير من المناطق الجنوبية بما فيه المجتمع العشائري نحو العصبية العشائرية والطائفية هو توجه خطير ينم عن جهل وتخلف كبير في ثقافة المجتمع، كما أنه ينافي التطور الثقافي الحاصل في الحياة الاجتماعية وتطور الشعوب وهو عودة صريحة الى شريعة الغاب، بحيث حلت العشيرة بدل الدولة في المنازعات، وأصبحت لها من السلطة والقوة ما يفوق مؤسسات الدولة، كما أنها أصبحت تمتلك مقاتلين وأسلحة ثقيلة تفوق أسلحة الجيش العراقي وباقي القوات المسلحة، بل أنها أصبحت تتدخل حتى في شؤون الدولة، وباتت معظم المؤسسات تابعة وخاضعة لهم، وسأعطي بعض الأمثلة التي تثبت ذلك، ومنها: إن الاستهتار في المحافظات الجنوبية وصل لدرجة بأن القوات الأمنية عاجزة وغير قادرة على أعتقال القتلة وتجار المخدرات والاسلحة وقتلة المتظاهرين خوفاً من الملاحقات العشائرية والميليشياوية والقضائية بحكم سيطرتهم على دوائر الدولة، كما وصلت الفصول العشائرية الى(100)مليون دينار نتيجة محاولة أحد الجنود القيام بواجبه في تنفيذ القانون، علماً بأن تاريخ العراق الحديث لم يشير الى إن العشائر وجهت سلاحها للدولة العراقية، أو نازعتها السلطة ألا في حالات نادرة جداً.

إن ضعف السلطة التنفيذية والقضائية في تطبيق القانون، و إفلات المجرم من العقاب، وتأخير اللقاء القبض على المجرم أو هروبه الى بلد آخر أو محافظة أخرى، بالإضافة الى الانتقائية في تنفيذ الاحكام ومذكرات القاء القبض، وتمسك العشائر بأفرادها رغم تورطهم في الكثير من الجرائم التي يعاقب عليها القانون وذلك بجعلهم خارج إطار المحاسبة القانونية، دفع الناس الى العودة للعرف العشائري في حل النزاعات والمشاكل العالقة، وهناك الكثير من الصور الواضحة التي تدل على هشاشة القوات الأمنية في المناطق الجنوبية وعدم قدراتها على حماية منتسبيها، كما حصل في مقتل “العميد علي جميل الحلفي” مدير استخبارات قيادة عمليات سومر أثناء الواجب، خلال فض نزاع عشائري بقضاء الشطرة في ذي قار، فضلاً عن فشلها في ضبط السلاح المنفلت، كونها لا تتدخل في معظم النزاعات العشائرية وكأنها غير معنية في ذلك، خوفاً من تحولها كطرف في النزاع القائم، ولتلافي أي ملاحقات عشائرية من قبل العشائر المستهدفة، مما فاقم الأزمات الأمنية في جنوب العراق بشكل خطير جداً وأصبح صوت الرصاص يعلو على صوت الدولة.

إن من الصور الماثلة عن ضعف المؤسسات الحكومية في جنوب العراق هي قضية الرائد “علي شياع” الذي تعرض للسجن بسبب القاء القبض على معمم إيراني في أحد المعابر الحدودية وبحوزته مخدرات للتهريب، الأمر الذي كان سبباً في أندلاع نزاع عشائري، واشتباكات مسلحة في منطقة “كرمة علي” بـ”ناحية الهارثة” في مدينة “البصرة” بين “عشيرة الحمادنة” التي ينتسب أليها الرائد “علي شياع” وبين “عشيرة البطوط”، وقد ساهم في تفجير هذه الاشتباكات زعيم ميليشيا المختار “واثق البطاط” الذي أدلى بتصريحات هدد فيها الضابط “علي شياع” على خلفية اعتقاله رجل الدين الإيراني، ثم اتسعت الاشتباكات بعد ذلك كون الكثير من أفراد العشيرتين ينتمون الى فصائل مسلحة أخرى، حيث أستخدمت أسلحة ثقيلة وطائرات مسيرة،  وهنا نسأل أين الدولة؟، أين الأجهزة الأمنية؟، لماذا الصمت الحكومي؟، أين “قوات الصدمة” التي شكلتها الحكومة في محافظة البصرة لمواجهة السلاح المنفلت لدى العشائر؟، جميع هذه الاسئلة لا تجد لها أجوبة، حتى وصل الأمر في المحافظات الجنوبية الى إن الكثير من الموظفين يقومون بترك وظائفهم لعدة أشهر خوفاً من استهدافهم على خلفية نزاع عشائري لا علاقة لهم به ألا أنهم من نفس العشيرة، وهم بذلك يتحملون ذنباً لم يقترفوه، بحيث تشعر أنك تعيش في غابة لا يحكمها قانون ولا سلطة، الأمر الذي هدد السلم الأهلي والمجتمعي للدولة بشكل مباشر.

 إن السياسات التي تنتهجها الدولة ساهمت بشكل كبير في اختراق وسيطرة الأحزاب والميليشيات والعشائر على جميع مؤسسات الدولة، وخاصةً القضائية التي تعاملت ومحسوبية في كثير من القضايا القانونية، الأمر الذي دفع الى تقوية الميليشيات والعشائر على حساب سلطة الدولة في هذه المناطق، لذا نجد إن الكثير من المنتسبين في الأجهزة الأمنية والعسكرية والذين ينتمون للعشائر المتصارعة يقومون بتسهيل عمليات نقل الأسلحة والمسلحين وإعطاء المعلومات لعشائرهم حول الإجراءات الحكومية مستغلين نفوذهم في هذه الأجهزة، كما إن وجود علاقات غير متوازنة لبعض شيوخ العشائر ممن يتمتعون بالثراء المالي الفاحش مع بعض القادة الأمنيين والمسؤولين الحكوميين جعلهم خارج المسائلة القانونية، وهم يستغلون نفوذهم المالي ليقوموا بتقديم الهدايا لبعض القيادات الأمنية والسياسية لشراء صمتهم بالمال، والمنصب، والتهديد بالنقل لمناطق ساخنة، مما يجعلهم يقبلون بغض النظر عن بعض الممارسات المسلحة التي تقوم بها عشائرهم على حساب الأمن والنظام والقانون، وذلك بتحييد هؤلاء المسؤولين عن مواجهتهم أو التدخل لوقفهم، كما أن هناك مستفيدين من هذه النزاعات العشائرية يعملون على عدم التوصل الى الصلح أو الامتثال الى الأجهزة الأمنية.

انتشار الدكّة العشائرية:
لقد أشتهر في العراق مصطلح “الدكة العشائرية” التي تسببت في الكثير من الأحداث الدامية التي عقدت المشهد العراقي بشكل كبير، على الرغم من أنها تعتبر تقليد قديم يعود لقرون مضت ولكنها عادت الى الواجهة مرة أخرى وبقوة بسبب غياب القانون، وضعف مؤسسات الدولة، علماً “الدكة العشائرية” بأنها ظاهرة قبلية عرفت في قبائل وسط وجنوب العراق من أجل أسترجاع الحقوق بعيداً عن الدولة ومؤسساتها القانونية، ومعنى الدكة العشائرية أن يقوم مسلّحين ينتمون إلى عشيرة معيّنة بتهديد شخص أو أسرة تنتمي إلى عشيرة أخرى، من خلال عملية إطلاق نار بمختلف الأسلحة، أو إلقاء قنابل يدوية على منزل الشخص المستهدف يرفقه تحذير شديد اللهجة، بهدف دفعهم إلى التفاوض وأخذ فترة زمنية تسمى “بالعطوة” لتسوية الخلاف، وفي حال إصرار وعدم موافقة الطرف المستهدَف على الجلوس والحضور للجلسة العشائرية وألا فأن الخلاف العشائري قد يتصاعد ويؤدي الى تتفاقم الأمور و وقوع ضحايا من الطرفَين، وقد تفاقمت الأوضاع في العراق فتجاوزت الأفراد وصولاً الى الاعتداء مؤسسات الدولة الخدمية والادارية وحتى الامنية منها، وخاصةً على الأطباء بسبب موت مريض واتهام الطبيب بقتله وإجباره على دفع الدية، وكذلك القيام بالهجوم على مراكز الشرطة لأطلاق سرح متهمين بجرائم مختلفة ومنها المخدرات والتهريب بكافة أشكاله، لذا فلدكة العشائرية هي تقويض لسلطة الدولة، وزعزعة للأمن والاستقرار، وتهديد للسلم المجتمعي والأهلي، وتخريب للنسيج الأجتماعي، الأمر الذي أسهم في تقويض الأمن القومي للبلد، وأضعف هيبة الدولة، وعرض المدنيين للخطر، وهنا نقول متى ما كانت الدولة قوية ضعفت العشائر والعكس هو الصحيح.