فَرْطُ السّكوتِ على فَرطِ الأذى سَقَم
قد يسكتُ الجرحُ لكن˚ يَنطقُ الألمُ!
ومعقلُ الظلمِ أيّاً كان صاحبُـــــــــهُ
لا بدﱠ يومــاً على أهليِـه ينهــــــدمُ!

المقدمة:
يبدو بأن تصريحات رئيس البرلمان “محمد الحلبوسي” قد إعادة قضية المغيبين الى واجهة الاحداث السياسية مرة أخرى، هذا الملف الذي لا زال يؤرق الكثير من القيادات السياسية والمسلحة لما له من تبعات قانونية لن تنتهي بسهولة، علماً إن أعداد المغيبين قسرياً في العراق قد أزدادت بعد عام 2003 بسبب تدهور الوضع الامني والسياسي نتيجة حل الأجهزة الأمنية والعسكرية العراقية، وكذلك بسبب أنطلاق عمليات المقاومة العراقية ضد المحتل الأمريكي-البريطاني، الأمر الذي جعلهم يفقدون السيطرة على الوضع الداخلي بشكل كامل تقريباً، وهذا الوضع كانت له تداعياته الأمنية على المجتمع العراقي الذي انتشرت فيه الميليشيات والعصابات والمخدرات وازدادت فيه الجريمة المنظمة، ومارست فيه الميليشيات الطائفية المسلحة عمليات القتل والخطف والتهجير بعد غياب مؤسسات الدولة الرسمية وفشلها في فرض الأمن والقانون وسيادة الدولة، ثم أزدادت أعداد المختفين قسراً بعد الفتنة الطائفية عام 2006م، وما رافقها من أحداث دامية، حيث قامت الميليشيات الطائفية بتشكيل مجاميع خاصة للخطف والتهجير والقتل على الهوية، ثم أستمرت عمليات الخطف والتغييب بسبب غياب المحاسبة وضعف القانون وصولاً الى عام2014م، حيث سيطر تنظيم الدولة على عدد من المحافظات العراقية، الأمر الذي فتح الباب واسعاً أمام ظهور ميليشيات مسلحة بغطاء حكومي وبدعم خارجي يتمثل بإيران والحرس الثوري الايراني، لتقوم هذه الميليشيات بارتكاب جرائم حرب بامتياز، حيث مارست عمليات القتل والتغيب والتعذيب لكثير من الابرياء الذين وقعوا ضحايا لأعمالهم الطائفية.

أعداد المفقودين في العراق:
تقول “اللجنة الدولية للصليب الأحمر” إن العراق يوجد فيه أكبر عدد من المفقودين، حيث وثقت إعداد المفقودين والمختفين قسراً منذ عام 2016 والى 2020، بأكثر من (250) ألف الى مليون شخص مفقود، أما منظمة “هيومن رايتس ووتش” فقد وثقت عمليات الاختفاء القسري على إيدي القوات الأمنية العراقية في العديد من تقاريرها الصادرة حول هذه الحالات، وكان أبرزها ما أفادت به المنظمة حول تنفيذ القوات الحكومية إعدامات ميدانية دون محاكمات، وذلك في معركة استعادة “مدينة الفلوجة”، حيث تحدث الرجال الذين احتُجزوا من “عشيرة المحامدة” في منطقة “حي الشهداء” في “مدينة الصقلاوية” والذين أفرِج عنهم أثناء العملية العسكرية “لهيومن رايتس ووتش”، بأنهم رأوا مقاتلي قوات الحشد الشعبي يأخذون على الأقل (600) رجل من رجال “عشيرة المحامدة” ولم يعرف مصيرهم الى يومنا هذا!، وقد أكتشفت مقبرة جماعية على تخوم مدينة “الفلوجة” في كانون الاول عام2019 وتبين إن فيها (500) جثة على حد علم منظمة “هيومن رايتس ووتش”، لم تُخرج السلطات الجثث من الموقع المذكور، كما ذكر “المستشار القانوني في المرصد الدولي لتوثيق انتهاكات حقوق الانسان فيصل الجابري”، قائلاً بأنه: يوجد في مدينة الموصل (8000) ألاف شخص مختفي، وفي محافظة صلاح الدين (15000) ألف مفقود، بينما يوجد في الانبار أكثر من (3000) ألف مغيب، وفي محافظة ديالى أكثر من (2000) مغيب، بينما وثق المرصد أكثر من (75) حالة أختفاء قسري لناشطين مدنيين في ساحات التظاهر التي عجزت الحكومة عن حمايتهم في وسط العاصمة بغداد فضلاً عن إطلاق سراحهم.

إحصائيات رسمية:
من الاحصائيات الاخرى عن أعداد المفقودين والمختفين قسراً هو ما وثقه “المرصد العراقي لحقوق الانسان” الذي قال بأن هناك (11) ألف عائلة عراقية أبلغت عن فقدان ذويها من بداية عام 2014 وحتى عام 2022، كما نشرت اللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري في الأمم المتحدة بأن هناك (420) مكاناً للاحتجاز القسري في العراق، حيث تعترف السلطات الحكومية في اجتماعاتها الخاصة بوجود هذه الاماكن التي لا تخضع لسيطرة الدولة في إشارة واضحة الى المواقع التي تسيطر عليها الميليشيات المسلحة، مما يؤكد سطوة هذه الميليشيات ونفوذها الذي أصبح أكبر من مؤسسات الدولة الرسمية، وجميع هذه الجرائم وعلى الرغم من هذه المدة الطويلة التي تراوحت من انتهاء العمليات العسكرية عام 2017، والى يومنا هذا ألا إنه لم يتم الكشف فيه عن مصير المغيبين، ولا توجد إجابات حاسمة من حكومة بغداد عن مصير المفقودين والمختفين، الأمر الذي من شأنه أن يترك أثار مأساوية لدى العوائل التي فقدت أبنائها بدم بارد، علماً بأن القوى الشيعية لا تعترف بأعداد الذين غيبوا واختفوا على يد ميليشياتها المسلحة في المناطق السنية أثناء المعارك التي جرت مع تنظيم الدولة لأنها لا تريد أن تتحمل المسؤولية القانونية عن هذه الجريمة البشعة.

تصريحات صادمة وقاسية:
في خضم هذا الوضع المأساوي أطل علينا رئيس مجلس النواب العراقي “محمد الحلبوسي” بتصريحات صادمة وقاسية حول مصير المغيبين من مناطق أهل السنة، الأمر الذي أثار جدلاً واسعاً في الأوساط السياسية والصحفية والشعبية، مما يجعلنا نطرح تساؤلاً مهماً حول الأسباب والدوافع التي جعلت “الحلبوسي” يعيد فتح هذه القضية التي طالما تسترت عليها السلطات الحكومية طوال الفترة الماضية لأسباب كثيرة منها أمنية وطائفية وقانونية بحتة، حيث ترفض أطراف سياسية ومسلحة فتح هذا الملف وتفضل التكتم عليه وتجاهله بصورة كاملة، وخاصة الجهات السياسية الشيعية التي تقف وراء تنفيذ هذه الجريمة، كونها تمتلك ميلشيات مسلحة متهمة بارتكاب هذه الجريمة التي ترقى لتكون جريمة حرب بأمتياز، حيث صرح “الحلبوسي” في مقابلة تلفزيونية على “قناة الرشيد” الفضائية قائلاً: “يجب أن نصارح الناس بحقيقتهم ونغير أسمهم أولاً الى مغدورين وليس مغيبين، مغدورين فارقوا الحياة ويجب على الدولة أنصافهم ذويهم وشمول عوائلهم بقانون ضحايا الارهاب بالتعويض”، وأضاف ” إن الاستمرار بتضليل عوائلهم منذ عام2014م ولغاية الآن، غير صحيح …غيبوا وتم اغتيالهم في تلك الفترة”، وأردف قائلاً: “لأكون أكثر جرأة مع الناس الذين خسروا ذويهم وأبناءهم ….لا ينبغي أن يستخدم الملف للقدح السياسي، وإن نوفر لأهلهم حياة كريمة، أما منحهم أملاً بعودتهم فهذا غير صحيح”.

أما فيما يخص تصريحاته حول الوضع في مدينة “جرف الصخر” التي تسيطر عليها فصائل مسلحة تابعة لإيران وتعمل خارج إطار الدولة وهي تمنع الاهالي من العودة أليها، بل أنها تمنع الحكومة والأجهزة الأمنية والعسكرية من الدخول اليها، فقد أشار “الحلبوسي” لهذه المنطقة قائلاً: “إن إعادة النازحين هي فقرة من ضمن الاتفاق السياسي، وهناك حديث عن عودة بعض المناطق وصلت إلينا بيانات عن العمل لإعادة (700) عائلة في مركز ناحية “جرف الصخر” وبعض الاطراف الأخرى” وأكد قائلاً “لن تتمكن الدولة من إعادة نازحي “جرف الصخر” إلا بإعادة السيطرة على المنطقة وبساتينها التي هي خارج سيطرة الدولة”، وهنا نذكر بأن الميليشيات تمنع أي مسؤول حكومي بما فيهم القائد العام للقوات المسلحة من الدخول أليها، وقد صرح النائب “أحمد المساري” بأن وزير الداخلية “محمد الغبان” قد أحتجز من قبل الميليشيات لعدة ساعات لكونه حاول الدخول أليها في الفترة الماضية، لذا يعد تصريح “الحلبوسي” هو أول أعتراف رسمي من قبل مسؤول حكومي رفيع يبين فيه حقيقة الوضع في هذه المنطقة، كما يبين فيه سطوة هذه الميليشيات التي تعمل خارج سيطرة الدولة وهي فوق القانون ولا ترتبط بالقائد العام للقوات المسلحة الحكومية ألا شكلياً، علماً بأن جميع السلطات التنفيذية والتشريعية والقضائية وقفت عاجزة عن فتح ملف المغيبين، وكذلك عاجزة عن أخراج هذه الميليشيات من منطقة “جرف الصخر” وغيرها من المناطق الأخرى بسبب سطوة الميليشيات التي ترفض الخروج منها.

من يقف وراء تصفية المغيبين؟:
لقد أثارت تصريحات “الحلبوسي” صدمة كبيرة ومفاجئة واسعة في المناطق السنية وعند ذوي المغدورين الذين ينتظرون عودة أبنائها الذين غيبوا على يد القوات الأمنية المتمثلة بالشرطة الاتحادية والميليشيات المسلحة التابعة لإيران أثناء العمليات العسكرية، حيث توجه الاتهامات لعدة ميليشيات أبرزها: “كتائب حزب الله، وعصائب أهل الحق، وميليشيات بدر، وكتائب سيد الشهداء وميليشيات الخراساني، وكتائب الإمام علي، وكتائب رساليون، وميليشيا النجباء” وغيرها من الميليشيات المسلحة الأخرى التي قامت بجرائم حرب وعمليات إعدام ميدانية لكثير من الأبرياء الذين فروا من بطش تنظيم الدولة ليقعوا في إرهاب الميليشيات الذين قتلتهم بدوافع طائفية ليس الأ، حيث يقدر عدد المغيبين من مناطق أهل السنة أثناء العمليات العسكرية بأكثر من(22)ألف عراقي من جميع المدن العراقية في شمال وغرب ووسط العراق علماً بأن الحكومة العراقية لم تتخذ أي إجراءات حقيقة لكشف مصير هذا العدد الكبير من المغيبين.

في أيار عام2020 أصدرت منظمة “هيومن رايتس ووتش” تقريراً تقول فيه بأن هناك جماعات مسلحة تقف وراء تغيب الألاف من مناطق أهل السنة الذين تعرضوا الى عمليات إعدام جماعي ومباشر أثناء العمليات العسكرية، وعلى نقاط التفتيش، بعد أن هربوا من بطش تنظيم الدولة ليقعوا في إجرام الميليشيات المسلحة التابعة لإيران، واليك تصريح “أوس الخفاجي” زعيم ميليشيا “أبو الفضل العباس” وهو يتوعد أبناء مدينة “الفلوجة” قبل الدخول اليها، وهو يقول لأتباعه إن “الفلوجة هي منبع الإرهاب منذ 2004 وحتى يومنا هذا، ولا يوجد فيها شيخ عشيرة آدمي، ولا إنسان وطني ولا ملتزم دينيا، حتى في مذهب أهل السنة”، وأضاف بأن “هذه المعركة فرصة لتطهير العراق، لاستئصال ورم “الفلوجة” منه، وتطهير الإسلام منها، فهذا شرف لا بد من المشاركة فيه وأن نناله، ويجب أن نكون من السباقين في دخول هذه المدينة” وهذه التصريحات موثقة بمقطع فيديو بثته وسائل الإعلام الحربي التابعة للحشد الشعبي آنذاك، وهي تكشف مدى الحقد الدفين على مناطق أهل السنة.