شاهو القره داغي

يوما بعد يوم ينكشف ملفات أخرى لتجاوزات وانتهاكات الميليشيات والفصائل المسلحة التي ظهرت على الساحة العراقية عن طريق التحجج بتنظيم داعش وبالفتاوى الدينية التي وفرت لهذه الجماعات المسلحة غطاء دينيا وحصانة من المحاسبة والمساءلة، ما فتح المجال أمام هذه الجماعات بالقيام بالكثير من التجاوزات بحق المدنيين مستغلة الفوضى وضعف الدولة والقانون وغياب القضاء.

لقد كشفت التسريبات الأخيرة التي نشرها الناشط علي فاضل عن قيام ميليشيات ( أئمة البقيع) بالكثير من الجرائم في محافظة ديالى بغرض تثبيت وجودها وتحصيل الأموال والمكاسب والمنافع الاقتصادية عن طريق ممارسات غير قانونية، ومن ضمن هذه النشاطات خطف معوَّقين ومرضى عقليين ووضع أحزمة ناسفة ثم قتلهم وإعلان إحباط هجوم انتحاري، أو اعتقال مواطنين عاديين واعتبارهم قيادات جماعات إرهابية عبر تصوير أسلحة ومتفجرات بالقرب منهم أو داخل منازلهم، فضلاً عن افتعال هجمات إرهابية على قوات الجيش في محافظة ديالى، إضافة إلى ابتزاز السياسيين وخطف أقرباهم لتحصيل الدعم المالي من هذه الشخصيات ودفعهم للدفاع عن هذه الميليشيات خوفا على حياتهم او حياة اقربائهم.

الخطير في تلك التسريبات أنها تكشف عن نشاطات لميليشيات فرعية غير رئيسية مثل باقي الميليشيات مثل (كتائب حزب الله والنجباء وعصائب اهل الحق وكتائب سيد الشهداء) وغيرها من الميليشيات التي ارتبط تاريخها بالكثير من التجاوزات على حقوق الإنسان، إلا أن ميليشيات أخرى الغير رئيسية والتي تقدر أعدادها بأكثر من ٦٠ ميليشيا هي أيضا تمارس نشاطات إرهابية بحق المواطنين والمدنيين، غير أنها تعمل على البقاء بعيدًا عن الأنظار لضمان استمرار نشاطاتها دون عراقيل من قبل الدولة أو بقية الفصائل المسلحة التي تختلف معها في المصالح.

إن تراكم ممارسات وأخطاء الميليشيات المسلحة ضد المدنيين العزل ومنع الأهالي من العودة إلى مناطق سكناهم تعتبر من أبرز المخاطر التي تُهدد السلم المجتمعي وتؤدي إلى خلق الكراهية وحس الانتقام وتوسيع الهوة بين المواطنين وبين الدولة بصورة أكبر .

ومع عجز الحكومة العراقية عن مواجهة الميليشيات والتي ظهرت من خلال عدة مواقف، وعدم قدرة الأجهزة الأمنية على تحجيم السلاح المنفلت الذي أصبح يهدد الدولة، أصبح لازما وجود مساعدة وتنسيق ودعم دولي لمعالجة هذا الملف الذي لن يقتصر تأثيره على الداخل العراقي بل على المنطقة، نتيجة لأيديولوجية هذه الفصائل المسلحة التي لا تؤمن بالحدود وإنما تؤمن بمشروع ولاية الفقيه العابر للحدود واستعدادها للقتال خارج العراق كما تفعل في سوريا لتنفيذ الرؤية الايرانية في المنطقة.

لا يمكن للدولة العراقية أن تواجه الميليشيات لوحدها نتيجة للكثير من العوامل والأسباب، وأهمها كون القوى الدولية تتحجج هي الأخرى بتنظيم الدولة لديمومة تواجدها في العراق، ولا تبالي بجرائم الميليشيات، وعدم اللامبالاة هذه جعلت الميليشيات تنجح في استغلال هذه النقطة عن طريق الإعلان عن عمليات وهمية أو تفخيخ الأبرياء بحجة الانتماء لتنظيم داعش لإعطاء رسالة واضحة للعالم بأن وجودها ضروري ويجب التمسك بها ودعمها لمحاربة التنظيم بغض النظر عن ممارساتها الغير قانونية.

كما ينبغي التركيز أيضًا على عملية ممنهجة لإصلاح القوات الأمنية والعسكرية الرسمية للدولة وإبعادها عن التأثُر بالمحسوبيات والضغوطات الميليشياوية، التي نجحت غالبا في تحييد هذه القوات ودفعها لاتخاذ موقف سلبي أمام نشاطات الفصائل المسلحة، ومن غير المنطقي أن يستمر الدعم الدولي للقوات العراقية دون التركيز على درجة كفاءة وجدية هذه القوات على محاربة الإرهاب والنشاطات الإرهابية بصورة حيادية وعدم ممارسة الازدواجية في تنفيذ القانون والتغطية على نشاطات الفصائل المسلحة.

وبما أن هذه الميليشيات تأسست بعد صدور فتوى الجهاد الكفائي من قبل المرجع الشيعي علي السيستاني وتستخدم هذا الفتاوى لتغطية نشاطاتها الغير قانونية، فالخطوة الرئيسية لمواجهة هذه الفصائل هو إصدار فتوى دينية من قبل المرجعية تنتزع القدسية عن هذه الجماعات وتتبرأ من النشاطات والممارسات التي تمارسها في المحافظات العراقية ، وذلك في حال أرادت المرجعية الدينية إبعاد نفسها عن دائرة المسؤولية ومساعدة الدولة والأجهزة الامنية في ملاحقة ومعاقبة هذه الجماعات، حيث تمتلك المرجعية حتى الآن قوة كبيرة داخل المعادلة السياسية وبإمكان التوصيات والتوجيهات الصادرة عنها إحداث تغيير فوري في ملف التعامل مع هذه الجماعات.
وهذا الموقف من قبل المرجعية الدينية أمر مطلوب وضروري وخاصة بعد أن رفعت الميليشيات الموالية لإيران شعارات مقدسة عبارة عن حماية الدين والأرض والوطن والمواطنين والمذهب، ودائما برروا تواجدهم تحت هذه الشعارات، إلا أن ممارساتها تصب في خانة تدمير المجتمع وضرب نسيج المجتمع العراقي والتسبب بخلق الكراهية والأحقاد على المدى المستقبلي، كما تدمر كل جهد يبذل لتحقيق التعايش السلمي وبناء الأسس الحقيقية لصياغة مرحلة جديدة من التعايش.

لا تقل مخاطر الفصائل والميليشيات على العراق والأمن الاقليمي عن مخاطر أي تنظيم إرهابي، ومن المفترض أن يكون هناك دعما دوليا لإنهاء نشاطات هذه الفصائل ودعم (الدولة العراقية) لتنفيذ وعودها بحصر السلاح بيد الدولة والقضاء على جميع فواعل اللادولة ممن يشكلون خطرًا على السلم المجتمعي وعلى الاستقرار و يعرقلون مشاريع إعادة الإعمار وعودة الأهالي إلى مناطقهم، ومن البديهي أن يكون إهمال او تأجيل هذا المشروع على حساب الدولة وسيؤدي لظهور جماعات قد تكون أكثر عنفا وفتكا نتيجة لتراكم الأخطاء.

مقال خاص براسام