د. فارس الخطاب
كاتب سياسي وباحث استراتيجي

منذ فترات طويلة سبقت احتلال العراق من قِبل القوات الأمريكية-البريطانية عام 2003م، ومراكز البحوث والدراسات الاستراتيجية التابعة لمخابرات البلدين ومراكز صنع القرار فيهما، مُنكبة على دراسة وتحليل بُنية وقدرات الشعب العراقي وكذلك نقاط القوة والضعف فيه لتتمكن في نهاية المطاف من جدولة مجموعة من القيم والاعتبارات الدينية والتربوية المُمسِكة لهيكلية البناء العميق والمتين لهذا البلد ، ولتحيلها إلى مهندسي العمل الميداني المرتبط بما وراء الاحتلال العسكري والقوة المفرطة تجاه شعب شبه أعزل، فكانت أكبر عملية تسلسل عملياتي استهدف نسف جذور هذا الشعب وتحويله إلى مجموعة من التجمعات البشرية المنتشرة بمناطق عدة قريبة كانت من بعضها أو بعيدة.

ولم يكن للقوات الأمريكية-البريطانية القدرة الكاملة على تحقيق هذه الأهداف الاستراتيجية الصعبة والمعقدة تجاه شعب عريق وأصيل ثقافيا واجتماعيا ووطنيا، كالشعب العراقي، لذا كان من اللازم إشراك طرف ثالث كمساهم رئيس في تحقيق الأهداف المرجوة ، فكانت إيران بكل ثقلها الجغرافي والتاريخي والعقائدي والسياسي ، وهي مساهمة قُدمت العراق على طبقٍ من ذهب، ولم تكن جارة العراق السيئة تحلم بأي مرحلةٍ من مراحلها بهذه الفرصة التاريخية لتدمير الخصم التاريخي لها والبوابة الشرقية للأمة العربية التي حجبت انتشار ثورتها “الإسلامية” منذ عام 1980م.

إذن ، كان السؤال الفعلي على طاولة الذين إحتلوا العراق مضافٌ لهم إيران هو : كيف ندمر العراق وبناه التحتية ،والأهم كيف نُعطل نهضته لعقود من الزمن إن لم تكن قرونا؟، طبعاً هذا التساؤل ليس فيه مبالغة؛ أي أن تدمير بُنى أي مجتمع واستبدالها بممارسات وسلوكيات لا علاقة للعقل الإنساني والاجتماعي والديني بها ، يعني بالنتيجة وضع هذا المجتمع خارج قياسات الزمن وأيضا خارج مقاييس الحضارة ، وهو ما حصل ويحصل في العراق وبشكل مُشاهَد وملموس من قبل مقاولي هذه المهمة القذرة ممن جاؤوا مع كل أنواع الاحتلال والذين يتبادلون أدوار تكريس التخلف والغفلة وتسطيح العقائد الدينية وتحويلها إلى ممارسات تشمئز منها نفوس كل أصحاب العقول حتى وإن لم يكونوا من المتدينين.

لم يعد في العراق من ملامح حضارية كان شعبه يتباهى بها بعد أن بذل المحتلون وخاصةً إيران جهودا جبارة وبمساعدة أرباب ما سُمي بالعملية السياسية لبناء مجتمعات عراقية متعددة، مستعينةً على ذلك بإستخدام القوة المفرطة عن طريق ميليشيات ولائية شديدة البأس تجاه من يرفض الانصياع لأوامرها ، وكذلك من خلال إشاعة الفساد والإفساد والتي باتت الملاذ شبه الطبيعي لنسب كبيرة من المجتمع أفقدتهم القوى المتحكمة في العراق فرص العمل والحصول على مصادر العيش الكريم حتى تمرغ جُل الناس ظهرا ببطن ممارسات يشوبها الفساد حصاداً أو مصدراً.

إن من أهم أدوات تدمير القيم في المجتمع العراقي هي القيم المرتبطة بالدين ، وهذه تم التركيز عليها من قبل بدء العمليات العسكرية عام 2003م ؛ فقد تم إدخال بعض المراجع الدينية لطائفة معينة لتبرير احتلال العراق و لإثارة النزعة الطائفية تجاه طائفة أخرى ، كما ساعدت هذه المراجع على إشاعة الجهل وتسويق الممارسات المشوهة لقيم الدين الإسلامي فحولت الشعب العراقي من شعب واعٍ وحضاري إلى أناسٍ يمارسون بدعاً لا مثيل لها في أدنى قبائل العالم تخلفاً وبدائية، هذا ناهيك عن سكوت المراجع الدينية أيضاً عن جرائم قتل جماعية وتغييب قسري وتغيير ديمغرافي خارج إطار القوانين والشرائع السماوية والأعراف الأخلاقية.

المستهدف الأهم والذي يمتد تأثيره لعقود هو، التعليم، وقد بُذلت في سبيل تحطيم التعليم في العراق ما لم يبذل في سبيل احتلاله عسكريا الكثير من الجهود والأموال، وكان، وما يزال، مهندس ومنفذ نسف كل ما يتعلق بالتعليم، أتباع إيران في العراق بتفويض أمريكي تام، فقامت الحكومات العراقية بإلغاء أغلب المناهج الدراسية ودس الخزعبلات والنصوص الطائفية الفارغة والأحداث التاريخية البعيدة عن واقع الأمة العربية والعراق على وجه الخصوص. وهذه العملية مراقبة ومتابعة بشكل جيد ودقيق مستمرة منذ عام 2005م حتى تتم إضافة الجرعات للمناهج بما يؤمن الغسيل الفكري والعاطفي والنفسي لأجيال من الطلبة في مراحل درسية عديدة لم تنج منها حتى الجامعات.

إن من أشد نتائج احتلال العراق منذ 19 عاماً أنه بات ضعيفاً، تراجعت فيه كل واجهاته المعتبرة في مقاييس التحضر كالبنى الاجتماعية والسياسية والاقتصادية والثقافية، كما تم وبعملٍ ممنهج تدمير الهوية الوطنية من خلال ما تقدم إضافة إلى تهديم للقيم العامة للمجتمعات كاحترام القانون وتطبيقه وقيم الرجولة والدفاع عن الوطن ودور المرأة في المجتمع ، وتحويل العراقي إلى إنسان يعيش في بقعٍ مختلفة من العراق منسلخاً عن سلطة الدولة التي أُريد لها أن لا تعبر إلا عن مصالح طائفة أو فئة اجتماعية محدودة وضيقة والتي ساهمت عن قصد في حماية وانتشار ظواهر بالغة الخطورة في أساسات المجتمع العراقي كتعميم ظاهرة المخدرات وحماية طريق توريدها للعراق وتوزيعها داخله وبأسعار زهيدة تُمكن الشباب من شرائها ، ويضاف لعمليات تهديم القيم، رعاية وتنويع الظواهر المشينة والمهدمة للمجتمع كظاهرة المثليين ودعمهم الحكومي.

مقال خاص براسام