المقدمة:
يبدو بأن مدينة سنجار تعود الى واجهة الاحداث السياسية والأمنية مرة أخرى وبقوة، خصوصاً وأنها دخلت ضمن دائرة الصراعات الاستراتيجية الداخلية والخارجية بسبب الخلافات الداخلية والولاءات الخارجية والأطماع الإقليمية أدت لتقاتل الحلفاء أصدقاء الأمس أعداء اليوم، فهناك عمليات عسكرية للقوات الحكومية العراقية بمدينة سنجار ضد الميليشيات المسلحة التابعة لحزب العمال الكردستاني، وهناك عمليات عسكرية تركية تنفذ ضد معاقل حزب العمال الكردستاني في شمال العراق والتي تأتي ضمن سياق استراتيجي لمواجهة التنظيم، علماً بأن مدينة سنجار مرت بأحداث جسام خلال الفترة الماضية بدأت بسيطرة تنظيم الدولة عليها ثم استعادتها، وصولاً الى سيطرة الميليشيات المسلحة عليها، وانتهاءً بتعرض القوات العراقية لإطلاق نار في ناحية “سنوني” التابعة لقضاء سنجار في شمال العراق، الأمر الذي أدى الى أندلاع مواجهات ومناوشات عنيفة بين القوات الأمنية وبين القوات التابعة لحزب العمال الكردستاني، وقد أدت الاشتباكات الى هروب الالاف من أهالي المدينة الى مدن كردستان العراق، كما أدت الى مقتل جندي عراقي وجرح(13)مسلحاً وفقاً لوكالة “فرنس بريس”، علماً بأن هذه المدينة قد خضعت لسيطرة تنظيم الدولة في 3أب/أغسطس عام2014م، وقد تم الأستعانة في ذلك الوقت بقوات من حزب العمال الكردستاني(PKK) لوقف تقدم تنظيم الدولة، وفك الحصار عن المدنيين في جبل سنجار الذي تقطنه أغلبية إيزيدية كأسبقية أولى.
في 13 نوفمبر/تشرين الثاني عام 2015 م، نجحت قوات البيشمركة وقوات(PKK)بدعم من طيران التحالف الدولي من استعادة هذه المدينة من سيطرة تنظيم الدولة، حيث أعلن رئيس أقليم كردستان “مسعود البرزاني” في مؤتمر صحفي عقده في سنجار قائلاً: “في هذا اليوم سجلت قوات البيشمركة “ملحمة تاريخية”، وأنا هنا للإعلان عن تحرير سنجار” حيث تم استعادة هذه المدينة بصورة كاملة وتم رفع علم كردستان عليها، وأضاف برزاني: “إن سنجار تحررت بدماء البيشمركة، وأصبحت جزءاً من كردستان، وسنعمل مع الحكومة لجعلها محافظة”، معتبراً هذه المدينة جزءً من أراضي كردستان كونها تقع ضمن نفوذة السياسي والأمني والإداري والجغرافي، لأنه كما قال بأن “الحدود ترسم بالدم” علماً بأن هذا القضاء كان قبل سيطرة التنظيم عليه مصنف من ضمن المناطق المتنازع عليها بالنسبة للإقليم.

الأهمية الاستراتيجية لقضاء سنجار:
إن مدينة سنجار تكتسب أهمية أستراتيجية كبيرة ومهمة لجميع الاطراف المتصارعة عليها، بسبب موقعها الجغرافي الذي يمثل عقدة مواصلات مهمة، كونها تقع في منطقة وسطية قريبة من إقليم كردستان، كما أنها قريبة من الحدود السورية، وكذلك من الحدود التركية، وهي تضم عارضة مهمة تتمثل بجبل سنجار الذي يبلغ ارتفاعه حوالي(1400)متر، مما يجعلها بيئة مناسبة تساعد على التنقل والاعداد والتعبئة والاختفاء وإعادة التنظيم والتدريب كونها منطقة جبلية وعرة ومعقدة تساعد على حرب العصابات والقتالات الخاصة، وهي تضم مدن وقرى كثيرة من أهمها: سنوني، وتل بنات، تل قصب، تل عزير، وقرية بورك، وقرية كهبل، وقرية دهولا، وقرية الحاتمية، وقرية ورمبوسي، وقرية حردان، وكرشبك، وزرافا، ووردية ودوكوري، وخان صور، وقرطبة، وعيني فتحي، وكرزرك، كما أنها تتميز بتركيبتها السكانية المتنوعة حيث تقطنها أغلبية إيزيدية، بالأضافة الى العرب والتركمان والمسحيين والأكراد، وقد أتخذ منها حزب العمال الكردستاني(PKK)قاعدة خلفية وبديلة لجبل “قنديل”، وأسس فيها مقرات وميليشيات مسلحة من أهل المدينة أصبحت تابعة له، بحيث أصبح القضاء يشكل مورد أقتصادي مهم للحزب بسبب عمليات تهريب الأسلحة والمخدرات والاغنام والآثار، ناهيك عن الإتاوات التي يفرضها مقاتلي التنظيم على العراقيين المقيمين في القضاء، كما أنه يعتبر المدينة امتداد لمقاتليه المتواجدين على الأراضي السورية “روجا أفا” وكذلك المتواجدين في جبل قنديل شمال العراق.

نبذة مختصرة عن تواجد حزب العمال الكردستاني في شمال العراق:
لقد بدأ حزب العمال الكردستاني نشاطه العسكري في عام1984م، وأتخذ مقاتلوه من كردستان العراق كعمق استراتيجي لحماية قواعده الخلفية، كما أقاموا تحالفاً مع الحزب الديمقراطي الكردستاني بزعامة “مسعود البرزاني”، وأستمرت العلاقة بينهما الى يومنا هذا، وقد صنفته الحكومة التركية على قوائم الارهاب بعد أن تمرد على الدولة التركية ودخلت معها في مواجهات عسكرية دامية، بينما صنفته الولايات المتحدة الأمريكية ضمن قوائم المنظمات الارهابية عام1997م، وعلى قوائم المنظمات الارهابية الأوروبية عام2002م، كما أنه مصنف في كلا من إيران وسوريا والمملكة المتحدة على قوائم المنظمات الارهابية.
أعلنت الحكومة التركية حالة الطوارئ في عام 1987، وشهدت تركيا مواجهة ومعارك دامية مع الحزب، وفي عام 1999، تلقى الحزب ضربة قوية باعتقال زعيمه “عبدالله أوجلان” بتهمة الخيانة، وفي عام 2013، تم الإعلان عن وقف لإطلاق النار بصورة مؤقتة بين الحكومة التركية وحزب العمال الكردستاني (PKK)، على أن تكون هناك مفاوضات سياسية بين الجانبين لحل القضية الكردية، وأنهاء الصراع مع الدولة التركية، حسب المفاوضات التي جرت مع “عبدالله أوجلان” في سجنه، وكان هناك شرط لدى الحكومة التركية مفاده أن يتم خروج كافة مقاتلي الحزب المسلحين من الأراضي التركية بدون سلاح الى خارج تركيا، فتم ترحليهم الى شمال العراق ثم أنهارت المفاوضات بعد ذلك، والغريب بأن العراق لم يعترض على دخول مقاتلي الحزب الى شمال العراق، والذي كان خلال في الفترة الثانية لرئاسة “نوري المالكي”، حيث صمتت حكومته وحكومة كردستان على ذلك التواجد، وفي رأي بأن هناك تواطأ وتفاهم مع قيادة حزب العمال الكردستاني على ذلك.
بعد أجتياح تنظيم الدولة لعدد من المدن العراقية بدأ الحزب ينتشر ويتغلغل في العديد من المدن العراقية مثل كركوك، والسليمانية، وأربيل، ومحافظ نينوى، وأخيراً سنجار، مستغلاً غياب الدولة، وضعف السيطرة الحكومية، والفوضى السياسية والأمنية التي تضرب جميع مفاصل الدولة العراقية، الأمر الذي زاد نفوذه وضاعف قوته وقدرته، خصوصاً وإن لديه علاقات راسخة مع قيادات الحشد الشعبي العراق وصلت الى دفع رواتبه الشهرية وتزويده بالأسلحة والمعدات، وقد شارك الحزب في استعادة وإدارة مدينة “سنجار” منذ عام 2015 م، وأستمر في ذلك حتى نهاية أذار عام 2018، حيث قرر ترك القضاء رغم تواجده القوي والغير مباشر فيها عن طريق الميليشيات المسلحة التي شكلها من أبناء القضاء، وصرح بأنه سوف يتموضع في جبل سنجار، والمناطق المحيطة بالقضاء، وقد جاء انسحابه هذا بعد أن هدد الرئيس التركي قائلاً: “إن بلاده مستعدة لتنفيذ عملية مشابهة لغصن الزيتون ضد حزب العمال الكردستاني في سنجار، الذي سعى لتحويل المنطقة الى مقر بديل لمقره في قنديل” وأضاف ” إن تركيا مستعدة لتطهير سنجار ممن وصفهم بالإرهابيين اذا لم تقم الحكومة العراقية بذلك”.

تحولات المفصلية في قضية سنجار:
لا شك بأن قضية سنجار مرت بتحولات مفصلية بدأت من احتلال العراق عام 2003، الأمر الذي كان له تأثير كبير على تطور الأحداث بعد ذلك، حيث دخلت المدينة ضمن دائرة الصراعات الداخلية بين حكومة المركز وحكومة إقليم كردستان رغم التفاهمات الشيعية – الكردية حول إدارة الدولة بعد عام 2003، وذلك عندما تم أدراجها تحت مسمى المناطق المتنازع عليها، وهذه الخطوة كانت بداية التحول في دخول هذه المدينة الى دائرة الاحداث والمساومات السياسية والأمنية، مما جعلها عرضة للتغير الديمغرافي، والاضطراب السياسي والأمني والإداري، ثم جاءت سيطرة تنظيم الدولة على هذه المدينة عام 2014، لينتقل الصراع على هذه المدينة الى مرحلة جديدة من الصراع الاقليمي، بعد أن دخل حزب العمل الكردستاني (PKK)بقواته الى مدينة مشاركاً في استعادتها من تنظيم الدولة، على الرغم من أنه مصنف حسب القوائم التركية والامريكية على قوائم الارهاب، ولكنه أستغل الانهيار الكبير في القوات الأمنية، وضعف قوات البيشمركة، وتواطأ قوات الحشد الشعبي معها، لتتخذ من قضاء سنجار قاعدة خلفية لقواتها التي تقاتل في جبل “قنديل”، وجبل “هاكورك”، حيث فرضت سيطرتها الكاملة على المدينة، الأمر الذي أخل بتوازنات القوى الداخلية، وبنفس الوقت أثار حفيظة الدولة التركية التي هددت بأستهداف هذه المدينة واجتياحها مالم تتخذ الحكومة العراقية إجراءات حقيقية لأخراج هذا التنظيم من هذه المدينة، مما جعل الأرادة الحكومية في حرج كبير، خاصة وأنها تصطدم بإرادة الحشد الشعبي في دعم وحماية هذه القوات، وتقديم الدعم اللوجستي لها وفقاً لأجندة خارجية.

محاولات التغير الديمغرافي:
لقد عانت هذه المدينة من تغيرات جذرية بسبب الأوضاع الانسانية والأمنية الصعبة والمعقدة التي تعرضت لها بعد أن سيطر عليها تنظيم الدولة، حيث تعرض المدنيين فيها الى جرائم تمثلت بالخطف والقتل والاغتصاب والسبي والتعذيب التي طالت الكثير من سكانها، كما أنها تعرضت لعملية تغير ديمغرافي تمثل بإجبار السكان على الهرب والنزوح الى خارج المدينة، وقد شمل ذلك جميع العشائر العربية التي تسكن في القرى والمدن المحيطة بقضاء سنجار وبذرائع مختلفة، ومنها: إن هذه المدينة خضعت للتعريب قبل أحتلال العراق عام 2003 م، وبنفس الوقت اتهموا أبناء العشائر التي تقطن هذه المنطقة من شمر والعبيد والجبور و البومتيوت بالإرهاب، من خلال اتهامهم بالانتماء الى تنظيم الدولة، ومشاركتهم في الأحداث التي جرت في قضاء سنجار ضد المكون الايزيدي عام 2014 م، ثم جاءت المرحلة الأخرى عندما سيطر حزب العمال الكردستاني على هذه المدينة بعد عام 2015 م، ليكتمل مسلسل استهداف هذه المدينة، خاصة مع وجود اتفاقات وتحالفات مسبقة بينه وبين حزب الاتحاد الديمقراطي الكردستاني قبل أن تتقاطع المصالح بينهما، فكلا الطرفين يحاولون الاستيلاء والسيطرة على المدينة، فوجود حزب العمال الكردستاني في سنجار مقبول لدى حكومة بغداد وحكومة أربيل وميليشيات الحشد الشعبي، ولا يخل بالتوازنات الداخلية!.