أ‌. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية

أصدرت هيئة الأمم المتحدة موافقتها على تقسيم فلسطين في ٢٩ تشرين الثاني ١٩٤٧م، فبدأت التظاهرات والاحتجاجات على امتداد الوطن العربي، ففي الموصل نظمت المدارس مظاهرات احتجاجية رسمية في يوم ٢٦ كانون الأول ١٩٤٧، وسار الطلبة في شوارع المدينة منددين بالقرار ويحملون رقاعاً كتب عليها :

حتى بنو صهيون قد طمعت بكم
يا ذل من طمعت به الجبناء

السيف يعلم إننا قوم إذا
سرنا للحرب فالجماجم تحصد

بنو الشرق هبوا واجعلوا السيف في الوغى
لكم حكما أن الخصم للسيف خاضع

وشارك الأهالي مع الطلبة واستقبلهم متصرف لواء الموصل (مصطفى اليعقوبي) عند الإعدادية الشرقية، وبعد أن استمع لخطابات بعض الطلبة الحماسية، ألقى المتصرف كلمة شكر فيها الطلاب على وطنيتهم وتفرقت التظاهرة بعدها.

ازداد التوتر بين الفلسطينيين والمهاجرين الصهاينة بعد رفض العرب لمشروع التقسيم الذي أقرته هيئة الأمم المتحدة، فبدأ القتال وقام الصهاينة ، وبدعم من سلطات الاحتلال البريطاني، بسلسلة مجازر دموية لا سيما في شهر نيسان الذي حصلت فيه مجزرة دير ياسين، وجرت أثر تلك المجازر ومنذ الأسبوع الأول من نيسان مظاهرات احتجاجية، وكان المتظاهرون يعيبون على الحكام تقاعسهم على نجدة فلسطين مستنكرين الجرائم البشعة التي ارتكبها الصهاينة، وقد قام الطلاب بدور بارز في تنظيم الإضرابات وعمليات الاعتصام في المدارس والإصرار على نجدة فلسطين واستعمال القوة بإرسال الجيوش العربية لإحباط مشروع التقسيم.

أما في الموصل فقد قام طلاب المدارس في ٢٥ نيسان ١٩٤٨، بمظاهرة كبيرة هتفوا خلالها بحياة فلسطين وسقوط الصهيونية وطافت أكثر شوارع المدينة وتفرقت بهدوء، وفي اليوم التالي أعلن طلاب المدرسة الإعدادية الاضراب عن الطعام والاعتصام في مدرستهم (الإعدادية الشرقية حاليا) طالبين من الحكومات العربية أن تتخذ قرارا عمليا يقضي بزحف جيوشها على فلسطين وأرسلوا برقية إلى ملوك ورؤساء الحكومات العربية وصحف بغداد جاء فيها:

“نحن طلاب إعدادية الموصل أضربنا عن الطعام واعتصمنا في المدرسة وسنستمر بالإضراب حتى تتحرر فلسطين أو نموت جوعاً”.

ومن أجل ديمومة الاضراب ونجاحه شكل المضربون لجاناً للمراقبة والإشراف على الاضراب، وتشكلت قيادة من خمسة طلاب برئاسة (عبد الباسط يونس رجب) وهو (من مواليد ١٩٢٨م بالموصل وأثر نشاطه السياسي فصل من الدراسة لترأسه الاضراب الطلابي)، وكان معه في اللجنة عبدالرحيم الصائغ وعلي متعب العبيدي وصديق إسماعيل الكتبي وحازم محمد علي سلمان، وأخذت هذه اللجنة تصدر النداءات المطبوعة ويقوم بتوزيعها الطلاب المنتشرين حول المدرسة وفي شوارع المدينة وقد تضمن نداؤهم الأول مطاليب عديدة منها:

ارسال الجيوش النظامية حالاً بضمنها السلاح الجوي وقطع خط أنابيب نفط العراق – حيفا وإيواء المشردين الفلسطينيين من الشيوخ والأطفال في العراق.

وفي صبيحة اليوم التالي أعلن طلاب المدارس المتوسطة كافة في المدينة تضامنهم مع طلاب الإعدادية والتحق الكثيرون منهم بالمدرسة المذكورة، وأرسلوا بالمناسبة إلى الصحف مذكرة طويلة بعنوان (مذكرة إلى الشعب) عبروا فيها عن مشاعرهم وعواطفهم الجياشة تجاه الشعب الفلسطيني وذيلت المذكرة باسم (الشباب الواعي من طلاب متوسطات الموصل).

وتأييداً للطلاب قام جمهور كبير من الأهالي بمظاهرة سارت في شوارع المدينة الرئيسية، حتى وصلت الإعدادية فوقفوا هناك وحيوا الطلاب وأعلنوا تضامنهم معهم ثم واصلوا المسير إلى بناية المتصرفية، وقام وفد من المتظاهرين وهم كلاً من عبد الرحمن السيد محمود وعبد الله كرموش ومحمد علي الخشاب بمقابلة المتصرف وأعلنوا أمامه مطالب الجمهور بوجوب إنقاذ فلسطين.

إثر تلك المظاهرة والاضراب الطلابي أصدرت المتصرفية بياناً إلى أهالي الموصل، جاء فيه: إن قضية زحف الجيوش العربية نحو فلسطين مقيدة بسياسة عليا وعوامل ليست من المصلحة العامة إفشاؤها، ووعد البيان الموصليين بأن بياناً منتظراً سيصدر من الحكومة يجلو الموقف ويعين الاتجاه العام حيال فلسطين، ودعا البيان الطلاب إلى إنهاء الاعتصام والاضراب عن الطعام.

وفي مساء اليوم التالي للإضراب سقط بعض الطلاب نتيجة العطش والجوع، فنقلوا إلى المستشفى، وكان لذلك أثر كبير في نفوس المواطنين وحماسهم وتأييدهم للإضراب الطلابي، ووصل نتيجة ذلك إلى الإعدادية بعض المسؤولين وفي مقدمتهم خليل عزمي (متصرف الموصل) الذي أشاد خلال لقائه بالمضربين بوطنية الطلاب واندفاعهم وحاول اقناعهم بإنهاء الاضراب، إلا أن المضربين لم يستجيبوا له. كما أصدر ممثلو الأحزاب بياناً مشتركاً نشرته الصحف في يوم ٢٩ نيسان ومما جاء فيه: “بعد أن درسوا الوضع العام في البلد وشعور الناس تجاه وضع فلسطين، اتصلوا بالطلاب المضربين عن الطعام ورأوا الخطر المحدق بفلسطين خاصة وبالبلاد العربية عامة من تآمر الصهيونيين والاستعمار رأوا في موقف الطلاب موقفاً وطنياً مشرفاً يتفق مع تقاليدهم الوطنية التي كانت ولا تزال تظهر في مختلف أزمات الوطن وتجسمت في الوثبة الأخيرة بشكل يبعث على الاعجاب والفخر”، وناشد البيان في الختام الطلاب باسم الوطنية والمصلحة العامة أن يكفوا عن الصيام فقط على أن يستمروا على المطالبة بتحقيق أماني البلاد وخدمة فلسطين، كما طلب من السلطة المحلية أن ترفع صوت الرأي العام إلى المراجع المختصة لتستجيب إلى رغبة الأمة ومطالبها.

استمر الاضراب أربعة أيام وانتهى في عصر اليوم الرابع عندما أصدر الطلاب نداءهم الخامس والأخير ومما جاء فيه: “بعد مضي أربعة أيام على اضرابنا واعتصامنا في بناية المدرسة الإعدادية، تأكد لدينا أن تحقيقاً ملموساً لمطالبينا قد حصل لذا قررنا بالإجماع إنهاء الاضراب والعودة إلى الدروس ومواصلة الدوام وسيكون انهاء الاضراب بمظاهرة سلمية يشترك فيها جميع الطلاب المضربين…”، وفعلا انتهى الاضراب بمظاهرة طافت شوارع المدينة هتف خلالها الطلاب بحياة فلسطين وسقوط الاستعمار وطالبوا بإعادة نظام الفتوة.

ومن المفيد بالإشارة إلى أن العراق قد بدأ في ٢٨ نيسان ١٩٤٨م بإرسال قواته إلى فلسطين تنفيذا لقرار جامعة الدول العربية بالتدخل العسكري الفوري من أجل انقاذ فلسطين.

وعلى أثر الاعتداء الذي قام به الصهاينة في ٢٣ تشرين الأول ١٩٥٣م على سكان قرية (قبية) الفلسطينية أصدرت شعبة جمعية الأخوة الإسلامية في الموصل، منشورا دعت فيه أهالي المدينة إلى اتخاذ يوم الاعتداء ذكرى مؤلمة لتلك الكارثة المروعة التي حلت بسكان تلك القرية، ومما جاء في المنشور:

“… إن مأساة فلسطين تتجدد كل يوم واسبوع وشهر، والذي يزيدنا ألماً أن زعماءنا مازالوا غير متحمسين لواجبهم تجاه هذه الاعتداءات الأثيمة وآخرها في قبية … إننا نندد أشد التنديد بهؤلاء المتهاونين المتصاغرين.. يا شباب… اذكروا فلسطين فهي قلب وطنكم الكبير الواحد، اذكروها فهي طريق الإسلام إلى عاصمته…”.

ونختم موضوعنا الذي استمر على شكل حلقات بالحديث بشكل مختصر عن شخصية موصلية عراقية عربية إسلامية، ألا وهي اللواء الركن (محمود شيت خطاب الدليمي)، فقد كان قائداً عسكرياً متميزاً وساهم في حرب عام ١٩٤٨م ضد العصابات الصهيونية في فلسطين ضمن جحفل اللواء الرابع في الجيش العراقي وكان يشغل منصب ضابط الركن الأول للواء الرابع الذي كان يقوده (القائد عمر علي) وحرروا جنين، وأصبح (محمود) وكيلاً للحاكم العسكري في جنين لمدة عام، وأقام علاقات طيبة مع أهل جنين.

وعندما صدرت الأوامر العسكرية على تسليم المواقع العسكرية للجيش الأردني والانسحاب والعودة، فقد اتسم شعور أهالي جنين بالأسى والحزن وأرادوا تكريمهم وإقامة حفلة وداع وحشدوا لذلك أبرز علماء فلسطين وأدبائها وشعرائها.

طلب آمر اللواء من (محمود) إلقاء كلمة شكر للمحتفلين، وكان متأثرا لفراق أهل جنين وخائفاً عليهم من العدو الصهيوني كما حزن لأن الجيش سينسحب من فلسطين قبل أن يحقق أهدافه كاملة.

جرى الاحتفال في مقبرة شهداء الجيش العراقي التي ضمت (٤٤) شهيداً استشهدوا خلال دفاعهم عن مدينة جنين، ألقى (محمود) قصيدة وكان ينتابه الحزن والتأثر البالغ والانفعال، ومطلعها:

ذي قبور الخـالديـن فقد قضـــوا
شهـداء حتى ينقذوا الأوطانــا

قد جالدوا الأعداء حتى استشهدوا
ماتوا بساحات الوغى شجعانا

هكذا عرضنا طوال الحلقات الماضية إنموذجاً من العقل العراقي ومواقفه من فلسطين.

المصادر:
1- رشيد محسن، حركات الجيش العراقي في فلسطين (بغداد، ١٩٦٤).
2- جهاد مجيد محي الدين: العراق والسياسة العربية ١٩٤١ – ١٩٥٨، (البصرة).
3- يوسف الخطيب، المذكرة الفلسطينية، (دمشق، ١٩٧٣).
4- يوسف بن إبراهيم سلوم، اللواء الركن محمود شيت خطاب، سيرته وترجمة حياته، (الرياض، ١٩٩٣م).

خاص بمركز راسام