أ. د. عدنان القطان – باحث في مركز الرافدين للدراسات الاستراتيجية
يعد (ناظم باشا) أحد الشخصيات العثمانية التي لعبت دوراً فعالاً في تاريخ العراق الحديث. شخصية اختلفت في تقيميها، فالبعض رآها عنصرا وطنياً مخلصاً فيما اتهمه البعض الآخر بالموالاة لجمعية الاتحاد والترقي التي قامت بانقلابها المعروف عام ١٩٠٨.
وقبيل الحديث عن هذه الشخصية القيادية والتي عدتها المصادر “آخر الولاة خلال العهد العثماني – حتى انه لقب مدحت باشا الثاني-“، لابد لنا من القاء نظرة على الأوضاع التي كانت تعيشها ولاية بغداد عشية تولي (ناظم باشا) وعلى وجه الخصوص خلال ولاية شوكت باشا، وفي هذا المجال لخص الكاتب العراقي (إبراهيم صالح شكر) أوضاع العراق عشية استلام ناظم باشا شؤون ولاية بغداد، عندما قال : “الفوضى سائدة في العراق، وجل الأمن العام مضطرب في جوانبه، فقبائل الهماوند تعبث في أطراف كركوك وجهات السليمانية، وقبائل المنتفك رافعة لواء العصيان مستخفة بالحكم وعشائر الديوانية متمردة تجاه الحكومة بالاستخفاف وتمنع الرسوم الأميرية، وعشائر بني لام من الكوت إلى العمارة تقطع على البواخر النهر بين البصرة وبغداد، وسعدون باشا السعدون متنمر في البادية وغاراته المجتاحة هنا وهناك تقلق الحكومة وتؤلم رجالاتها ولكنهم لا يستطيعون صدها أو التقليل من حوادثها، ثم إن الأمن في بغداد كان كثير الاضطراب واضح الخلل…”.
إزاء هذا التدهور كان لابد للباب العالي من اختيار شخصية قيادية قوية تسند إليها مهمة تطوير الجبهة الداخلية، فوقع اختياره على الفريق (ناظم باشا) – رغم اختلاف توجهاته السياسية – إذ كان أحد عناصر حزب الحرية والائتلاف المعارض لجمعية الاتحاد والترقي، وتضمن الفرمان السلطاني جمع السلطتين المدنية والعسكرية، قيادة الجيش (الفيلق السادس) ومقره بغداد، أما عن طبيعة المهمات التي ألقيت على ناظم باشا في فرمان التولية فأوردها السلطان (محمد رشا الخامس) (١٩٠٩ – ١٩١٨م) بـ “الرغبة في ترقي عمران الولاية المذكورة وتزويد ثروتها وتوسيع تجارتها وإصلاح فيلقنا السادس واستحصال أسباب ما تقتضيه إدارتنا بربط الوظيفتين إحداهما بالأخرى…”، وبقدر تعلق الأمر بالنقطة الأخيرة ألا وهي ربط ولايتي الموصل والبصرة إدارياً بولاية بغداد، فحدد الفرمان السلطاني المذكور هذه الصلاحيات بالقول “أما بالنسبة لولايتي الموصل والبصرة فكونها دائرتين داخلتين ضمن دائرة الفيلق السادس ولو أن كل والي من ولايتهما مسؤول عن ولايته بأمور الإدارة والانضباط فعليهما أن يتحدا معكم في الأمن العمومي والضبط…”.
ويبدو أن إناطة المسؤولية في ولايتي الموصل والبصرة بوالي بغداد تمثل محاولة من السلطات العثمانية في تجديد قبضتها على الولايات العراقية، والتي تزامنت مع تصاعد أهمية العراق من الناحية الدفاعية في مرحلة اشتداد شدة المنافسة الدولية للاستحواذ على ممتلكات الدولة العثمانية، وبروز دور النفط وهو عامل لا يقل أهمية عن باقي الاعتبارات الاستراتيجية الأخرى التي كانت تشغل أذهان رجال السياسة وتحديداً بريطانيا التي كانت قد أجرت دراسات مستفيضة عن إمكانيات العراق النفطية منذ مراحل متقدمة من العقد الأول للقرن العشرين، كما تضمن الفرمان المذكور تخصيص مبلغ قدره أربعين ألف ليرة زيادة على تخصيصات ولاية بغداد “لتلافي ما يحتاج إليه إصلاح البلاد، واستند البرنامج الإصلاحي لناظم باشا على مرتكزين أساسيين :
أولاً : توطيد الشرطة المركزية في الولايات العراقية ( بغداد، الموصل، البصرة) للسيطرة على التمردات العشائرية في وسط وجنوب العراق والتي هددت الوجود العثماني فيها ولعل أقواها ثورة عشائر العمارة والمنتفك.
ثانياً : مشروعه الإصلاحي في ولاية بغداد تحديداً والذي سيأتي الحديث عنه لاحقاً.
أثنى عدد من الكتّاب على جهود (ناظم باشا) الإصلاحية، نذكر على سبيل المثال لا الحصر السياسي والمؤرخ (ستيفن همسلي لونكريك) في مؤلفه تاريخ العراق الحديث ١٩٠٠ – ١٩٥٠م – الجزء الأول، “بأنه كان ذا عزم ونزاهة
ولكن عيبه أنه كان ذا رغبة شديدة في ظواهر التمدن يعوزه الإعداد لمشاريعه الصحيحة”.
وبقدر تعلق الأمر بالمرتكز الأول وقبل الشروع باتخاذ الإجراءات المناسبة استحصل (ناظم باشا) على فتوى من علماء الدين من السنة والشيعة بـ “تحريم الغزو بين القبائل”، ومن الجدير بالذكر أن عشائر وسط وجنوب العراق كانت قد انتفضت ضد السلطة المركزية خلال الأعوام، ١٩٠٣، ١٩٠٥، ١٩٠٨، ١٩٠٩، وكان الأخير أخطرها، في الوقت نفسه أجرى ناظم باشا لقاءات متعددة مع وجهاء العشائر في بغداد وحرص على استحصال الوعود بحفظ الأمن والنظام
في رقعتهم الجغرافية، وتدخل ضمن هذه النشاطات التدريبات والاستعراضات العسكرية للقطعات المنضوية تحت لواء الفيلق السادس التي عمد ناظم باشا على تنظيمها وبصورة دورية، وكثيراً ما وجه ناظم باشا دعوات إلى شيوخ العشائر بحضور هذه الاستعراضات العسكرية تحقيقا لهدف رئيسي وهو إطلاع الشيوخ على حجم الإمكانات العسكرية التي تمتلكها الولاية، وتعبيراً عن حسن نية والي بغداد تجاه شيوخ العشائر بادر إلى إطلاق سراح عدد من الشيوخ المحتجزين لدى السلطات الحكومية، ومنهم على سبيل المثال لا الحصر، الشيخ غضبان والشيخ فالح والشيخ عبد الكريم الصيهود وغيرهم. فضلاً عن سحب القوات الحكومية الموجودة في العمارة، التي تعتبرها الحكومة (قاعدة التمرد العشائري) والمنتفك في إطار سياسته القائمة على تجميع القوات الحكومية في بغداد بحيث لم يبق من القوات الحكومية في لواء المنتفك سوى كتيبة واحدة.
نتساءل ما هي الوسائل البديلة التي استخدمها الوالي (ناظم باشا) بدلاً من استخدام القوة العسكرية؟ والجواب في الحلقة القادمة إن شاء الله.
مقال خاص براسام

