الباحث : حسين صالح السبعاوي
إن أي احتلال لأي بلد يعتمد المحتل خلاله على إثارة النعرات الطائفية والمذهبية والعرقية بين أبناء الشعب الواحد وينشر فيه الفساد والفوضى والمخدرات لتشيع الفاحشة وتكثر الجرائم فيه، كل هذا لتجنب مقاومته من قبل الشعوب المحتلة، وهذا ما دأب عليه الاحتلال الأمريكي للعراق سنة ٢٠٠٣ فأثار الطائفية ونشر الفساد في كافة مفاصل الحياة في العراق المجتمعية منها والحكومية لتمزيق المجتمع واشغالهم في أنفسهم بدل مقاومته، وفي كل الأحوال لا يمكن للاحتلال أن يقوم بمفرده بهذه الأفعال الرذيلة إلا بوجود أراذل من المجتمع نفسه يتعاونون معه لتحقيق أهدافه ومشاريعه التدميرية.
أول ما أعتمد عليه المحتل الأمريكي هو التأسيس لعملية سياسية فاسدة يقوم عليها فاسدين صاروا أداة طيعة بأيدهم ينفذون كل أجنداته مقابل الرضا عنهم ومنحهم من فتاة المال السحت، فبدأ المحتل بتقسيم المجتمع إلى طوائف وأعراق متناحرة وانتقلت بالطائفية من الطائفة الدينية إلى الطائفية السياسية لتحكم بلد متعدد الطوائف ومكّن بعضها على بعض يدعم طائفة ويقصي أخرى ليثير الضغائن بينهما، ثم عمد إلى حل كافة المؤسسات الأمنية التي أسست على أساس الكفاءة والمهنية وأحل محلها الجماعات المسلحة التي تدين بالولاء للطائفة والحزب الذي تنتمي إليه، وهكذا غابت المهنية عن أدائها، كما أن ضعف تدريبها انعكس على أدائها في مواجهة الجريمة بكفاءة ومهنية، مما أدى إلى زيادة نسبة الجريمة المنظمة وعموم الجرائم الجنائية الأخرى.
إن ما يعيشه المجتمع العراقي اليوم من جرائم وتعاطي المخدرات ونشر الفساد في كل مدينة وفي كل حي سكني ينذر بانهيار المجتمع الذي طالما كان متماسكا ومحافظا على الدين والقيم والعادات والتقاليد العراقية العريقة، فاليوم لا توجد قبيلة يديرها رأس واحد محترم من قبل جميع أفراد قبيلته بل جعلوها تتناحر فيما بينها كما جعلوا لها عدة رؤوس تتصارع فيما بينها مستخدمة أفراد القبيلة وقودا لصراعهم، ولا يخفى على أحد اليوم الصراعات القبلية وخاصة في وسط وجنوب العراق مع كثرة الأسلحة النارية بأيديهم ومنها أسلحة متوسطة تمتلكها العشائر وتستخدمها في صراعتها العبثية التي تذهب ضحيتها الكثير من الأبرياء والتي تساهم في نشر الرعب والخوف والكراهية بين أبناء العشيرة الواحدة .
أما المخدرات فقد انتشرت بطريقة مذهلة بين أبناء الشعب العراقي سواء ترويجا أو تعاطيا وخاصة بين فئة الشباب ذكورا وإناثا، وقد نشر بيان عن مجلس القضاء الأعلى على لسان القاضي نبيل الطائي قاضي التحقيق في محكمة المسيب في مدينة بابل في شهر أيار ٢٠٢١ ذكر فيه أن نسبة تعاطي المخدرات بين شباب العراق وصلت إلى ٥٠%، ومن جانبها حذرت مفوضية حقوق الإنسان العراقية في ٢٨ مارس ٢٠٢١ من ملف تجارة المخدرات وتعاطيها، مؤكدة أنه سيشكل التحدي الأكبر الذي سيواجه العراق خلال السنوات المقبلة، وعزت المفوضية السبب الرئيسي لتجارة المخدرات وتعاطيها إلى البطالة، لأن نسبة البطالة مرتفعة جدا في العراق قياسا إلى السنوات الماضية.
فإذا انتشرت البطالة وراجت تجارة المخدرات كثرت معها جرائم السرقة والقتل، والواقع العراقي يشهد على ذلك، وإلا متى كنا نسمع عن أم تقتل أبناءها والزوج يقتل زوجته والأب يقتل أبناءه والأبن صارعاقا لوالديه والأسرة مفككة ونسبة الطلاق في تزايد مستمر حتى بلغت أوجها، حيث سجلت المحاكم العراقية في شهر مارس ٢٠٢١ أكثر من ٦٠٠٠ حالة طلاق، أما أعلى نسبة طلاق فقد حصلت في شهر تشرين الثاني سنة ٢٠٢٠ حيث وصل العدد إلى ٨٢٤٥ حالة طلاق في ١٥ محافظة، أما جرائم السرقة فهي منتشرة في عموم البلاد وحتى داخل الأسرة الواحدة، إذ لا يأمن أحد من أفراد العائلة على ما يملك!
كل هذا وأكثر موجود الآن في العراق لكن الغريب أن مثل هذا النوع من الجرائم محمية سياسيا من قبل الأحزاب الحاكمة، مما يجعل أمر مكافحتها أو معالجتها أمرا صعبا إن لم نقل مستحيلا.
لا يمكن أن نعتبر هذه الجرائم جرائم فردية وجنائية فقط بل هي جرائم منظمة ضمن مشروع جاء به الاحتلال الأمريكي والإيراني لتدمير النسيج الاجتماعي العراقي وإثارة الفتن بين جميع مكوناته وتدمير شبابه من خلال البطالة ودفعه نحو المخدرات ثم إلى القتل والسرقة، كل هذا من أجل السيطرة على الشعب ومنعه من التفكير بأي مشروع ينقذه من الهيمنة الخارجية على مقدرات بلده والتخلص من أدواته في الداخل الذين اعتمد عليهم المحتل في تمزيق المجتمع وتدميره، وضرب أي محاولة يقوم بها الأخيار من القوى الوطنية والإسلامية لإنقاذ العراق من الهيمنة الأجنبية وإعادة دوره الريادي في العالم العربي والإسلامي، لأن في حالة عودة العراق إلى دوره الطبيعي سوف يتوقف المشروع الإيراني من التمدد والتوغل إلى الدول العربية باعتبار العراق هو البوابة الشرقية له.
إن استعادة العراق لهيبته وتجديد بناء نهضته مسؤولية تقع بالدرجة الأساس على عاتق أبنائه الغيارى الذين حافظوا على مبادئهم وقيمهم ولم ينجرفوا في مشروع الإحتلال ولم يسمحوا لأحد أن يجعلهم آلة لنشر الجريمة وممارسة الرذيلة.
(وَلَا تَبْغِ الْفَسَادَ فِي الْأَرْضِ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ)
مقال خاص براسام

