الباحث: حسين صالح السبعاوي

لا يخفى على أحد حجم الفساد في العراق، فقد وصل إلى مرحلة لا يمكن إصلاحه بالطرق التقليدية ووفق النظم الإدارية والقوانين النافذة والسبب في ذلك هو إنتشار الفساد افقياً وعمودياً في المجتمع، فهو ينتشر من القمة إلى القاعدة وهذا ما صرح به كبار المسؤولين في الدولة العراقية بدءً من رئيس الجمهورية ورئيس الوزراء وبقية كبار المسؤولين إلى أصغر مواطن في الدولة العراقية، فالكل يجمع بأن آفة الفساد بدأت تنخر كافة مؤسسات الدولة.
لقد نشرت منظمة الشفافية الدولية عدة تقارير عن حجم الفساد المستشري في العراق، ففي عام ٢٠١٩ نشرت المنظمة تقريرها عن حجم فساد دول العالم وكان العراق من الدول الأكثر فساداً حيث كان تسلسله ١٦٢ من مجموع ١٨٠ دولة ذكرها التقرير وفي عام ٢٠٢٠ كذلك نشرت منظمة الشفافية الدولية تقريرها السنوي وكان تسلسل العراق ١٦٠ من مجموع ١٧٩ دولة على المستوى العالمي، وهذا يثبت حجم الفساد الإداري في العراق والذي لم يألفه الشعب العراقي قبل عام ٢٠٠٣، وللأسف فإن الفساد في العراق موزع بشكل متساو بين جميع القوى السياسية سواء التي تسمي نفسها بالإسلامية أو القوى العلمانية والليبرالية في الدولة، كما إنه متساوي ما بين جميع القوميات وأتباع المذاهب الدينية سواء الشيعية منها أو السنية فلا توجد فئة مستثناة من هذا الفساد.
لكن ما لا يعرفه الكثير عن نوع الفساد في العراق وأسباب انتشاره وصعوبة معالجته، يمكن تقسيم الفساد في العراق إلى أربعة أنواع:
أولا : فساد بغطاء ديني : حيث يقوم هذا النوع من الفساد على فتاوى دينية فاسدة من قبل معممين فاسدين أيضا، إذ تنص هذه الفتاوى على أن يدفع الفاسد المرتشي أو السارق الخمس لهؤلاء المعممين وبهذا يكون هذا المال حلال على من سرقه، وهذا النوع هو أخطر أنواع الفساد لأنه يمنح شرعية دينية وإن كان الدين بريء من هذه الفتاوى الفاسدة، واليوم نشاهد أغلب المعممين يعيشون في حالة ثراء فاحش ويعيشون حياة مترفة على خلاف العوام من الشعب الذين يعانون من شظف العيش وسوء الحالة المادية .
ثانيا : فساد محمي سياسياً : وهذا النوع من الفساد لا يقل خطورة عن الفساد الأول وهو يعتمد على حماية الفاسدين من قبل قوى سياسية مقابل نسبة مما يسرقه الموظف والمسؤول الفاسد، وهذا النوع هو الأكثر شيوعا في الدولة العراقية منذ تأسيس العملية السياسية المعتمدة على المحاصصة الطائفية والحزبية، وإن رئيس الوزراء أو الوزير لا يستطيع محاسبة هذا الفاسد خشية من كتلته السياسية التي تهدد من يعترض على ممثليها في الحكومة، وممكن أن تقوم بحجب الثقة عن الوزير أو حتى رئيس الوزراء وبهذا ممكن أن يفقد المسؤول منصبه ثمناً إذا ما قام بمحاسبة أي مرتشي أو سارق في وزارته، وهذا الذي نلاحظه في جميع الحكومات المتعاقبة في العراق .
ثالثا : فساد بقوة السلاح: وهذا النوع من الفساد لا يخلو من الإرهاب والقتل إضافة لممارسته الفساد، واليوم معلوم لكل متابع أن المليشيات الطائفية تسيطر على موارد الدولة الاقتصادية من الحدود والموانئ والمطارات وحتى على الموارد الطبيعية كالنفط والكبريت، ومعلوم كيف تقوم بتهريب هذه المواد إلى خارج القطر وبأسعار أدنى من الأسعار العالمية، كما أنها تبتز التجار وميسوري الحال بدفع الاتاوات لها، بل إنها تبتز حتى السياسيين في الدولة وتأخذ الأتاوات منهم أيضا، وقد أصبح قادة المليشيات متنفذين حتى على الدولة وصاروا الحاكم الفعلي على الأرض بحيث لا تجرأ الدولة على محاسبة أصغر عنصر تابع لهذه المليشيات، وأسوء أنواع الفساد الذي تمارسه المليشيات هو اختطاف الأبرياء أو اعتقالهم بتهمة الإرهاب ومن ثم مساومة ذويه على دفع مبالغ طائلة لإطلاق سراحه وأحيانا تأخذ المال وتقوم بتصفية المخطوف.
رابعاً : فساد إداري تقليدي لدى موظفي الدولة: وهذا النوع ارهق المواطنيين جميعا بشكل مباشر، بحيث لا يمكن للمواطن أن يكمل معاملته بدون دفع الرشوة للموظف، وقد جاء هذا الفساد كنتيجة لفساد الطبقة السياسية الحاكمة لأنها مشغولة بالنهب للمال العام وتركت الموظفين بدون رقابة عليهم، كذلك الموظف يتمادى بالفساد إذا ما وجد الفساد مستشري في الحكومة والدرجات العليا في الدولة ولا يوجد رقيب عليه .
وهناك بعض الفاسدين قد جمعوا ما بين الفساد الأول والثاني والثالث ليمارسوا فسادهم بأبشع أنواع الفساد المحمي من قبل رجال الدين والساسة والمليشيات، وهذا النوع موجود لدى الكتل السياسية الطائفية التي تمتلك أجنحة مسلحة بغطاء ديني .
لهذا السبب نقول إن الفساد في العراق لا يمكن إصلاحه بالطرق التقليدية ووفق القوانين النافذة بسبب حجمه الكبير وغياب المصلحين في العملية السياسية سواء في الحكومة أو في البرلمان مع غياب الإرادة لمعالجة هذا الوباء فلابد من انتفاضة شعبية لتغيير الواقع السياسي في العراق ومن ثم الشروع بعملية سياسية وطنية يقوم عليها أكفاء ونزيهون يستطيعون حفظ المال العام وإيقاف هذا النزيف في الموارد الاقتصادية والمالية لدى الدولة معتمدين على مبدأ المواطنة في إدارة الدولة بعيدا عن المحاصصة الطائفية والعراقية والحزبية وتعتمد على الكفاءات وذوي الإختصاص لإنقاذ العراق مما هو عليه الآن .
وقل اعملوا فسيرى الله عملكم ورسوله والمؤمنون .


مقال خاص براسام