الباحث: حسين صالح السبعاوي

كما هو معلوم فإن الديمقراطية هي حكم الشعب وسلطة القانون لا سلطة الفرد أو الطائفة.
وتقسم الديمقراطية إلى نوعين : ديمقراطية مباشرة وديمقراطية غير مباشرة.
والنوع الثاني من الديمقراطية هو المتبع في أغلب دول العالم الآن، وهو أن ينتخب الشعب ممثلين عنه في مجلس النواب ثم بعدها تتشكل الحكومة وبقية مؤسسات الدولة، أما بدعة الديمقراطية الطائفية والمحاصصة الحزبية فهذه لم يعرفها أحد في العالم ولا يعترف بها بل هي نموذج مقنن لحكم طائفي ثيوقراطي يفرض عاداته وعبادته وشعائره على الآخرين وهذا هو النظام الموجود الآن في العراق.
لا يوجد في الديمقراطية أكثرية عرقية ومذهبية وطائفية بل يوجد أغلبية سياسية تحكم الجميع بإرادتهم وفق القانون، بمعنى دولة قانون ومؤسسات فلا يحق للأغلبية السياسية الحاكمة دستوريا، وضمن مبادئ الديمقراطية، نكران حق الأقلية، فالأقلية هي جزء من المجتمع تتمتع بالحقوق الدستورية كافة وأهمها حقوق المواطنة التي تلغي مبدأ الأكثرية والأقلية في الحقوق، لذلك لا يمكن أن تسن قوانين وفق الأغلبية السياسية وحدها وإنما ضمن مصالح الأغلبيات الإجتماعية التي يمكن أن تمثلها الأقلية السياسية أكثر من الأغلبية السياسية التي تحرص في أحيان كثيرة على التسيد والتسلط اللذين يكبحهما حق الأقلية الذي يضمنه العرف الدستوري الديمقراطي .
ما يجري في العراق بعد ٢٠٠٣ هو نظام طائفي لا علاقة له بالديمقراطية وإنما هي بدعة ابتدعتها أمريكا في العراق تحت غطاء الديمقراطية، والهدف هو تمزيق الدولة العراقية وإثارة الصراعات الطائفية والعرقية ليتسنى لها تقسيم العراق الموحد إلى كانتونات متصارعة يسودها لصوص وفاسدين، ومن ثم تفكيك الدولة العراقية لتفقد قوتها ومكانتها الإقليمية، كل ذلك من أجل خدمة المشروع الإيراني ليتمدد في المنطقة ويثير النزاعات الطائفية تحت مبدأ تصدير الثورة، وخدمة للمشروع الصهيوني الذي يريد التوسع من النيل إلى الفرات بعد احتلاله لفلسطين والمقدسات الإسلامية فيها ولا يقف في وجه هذين المشروعين في المنطقة سوى العراق الموحد القوي وقد ثبت صحة هذا الكلام عبر التاريخ المعاصر .
إن نموذج الحكم في العراق لا يوجد له شبيه سوى دولتان في العالم وهما يشبهانه في الشكل لا في المضمون وهما كل من لبنان والبوسنة والهرسك وهناك ملاحظات على هذين النوعين من الحكم :
١- لم يكن النظام في البوسنة والهرسك والنظام في لبنان قد جاء بإرادة شعبية ووطنية بل فرض عليهم من قبل قوى خارجية .
٢- مجيء هذا النوع من الحكم كان بسبب حروب أهلية عانت منها الدولتين الأولى لبنان سنة ١٩٨٢ ويوغسلافيا سنة ١٩٩٢ بينما العراق لم يدخل حرباً أهلية بين مكونات الشعب حتى يفرض عليه هذا النوع من الحكم، بل فرض بعد احتلاله من قبل أمريكا سنة ٢٠٠٣.
٣- رغم أن المحاصصة موجودة في لبنان ويوغسلافيا إلا أنه لا يوجد دور للمرجعيات الدينية في إدارة الدولة ولم تختزل مرجعية واحدة وتدّعي بأنها تمثل الجميع وتلغي دور بقية المرجعيات للأديان والمذاهب الأخرى .

ومهما يكن فإن هذه الأنظمة لا يمكن الاحتجاج بها ولا يمكن اعتبارها قدوة لأي نظام سياسي، وربّ سائل يسأل كيف عرفت الولايات المتحدة تعداد السكان في العراق وكيف عرفت تعداد كل مكون على حدا، رغم أن العراق منذ تأسيس الدولة سنة ١٩٢١ لم يجر تعداد سكاني على اساس طائفي وعرقي لا في العهد الملكي ولا في العهد الجمهوري؟ لكن هناك غاية في نفس المحتل الأمريكي أراد تحقيقها فجاء بهذه الفريّة ليفتت الدولة العراقية ويمزقها بحجة نشر ( الديمقراطية ) بينما أمريكا تنقلب على أي نظام ديمقراطي ناشئ في الدول العربية ولا تسمح له أن يحكم والنموذج المصري خير مثال على ذلك.
إن هذا النموذج من الحكم – النظام الطائفي – لا يصلح للشعب العراقي قاطبة إلا أنه فرض من قبل محتل غاشم، بدليل أن جميع مكونات الشعب غير راضية عليه وتتذمر منه، وخير دليل انتفاضة تشرين في وسط وجنوب العراق والتي يفترض أن تكون هي الحاضنة الكبرى والمؤيدة للنظام إلا أنها أدركت بأن القائمين على هذا النظام ما هم إلا أدوات بيد المحتل لتحقيق أهدافه مقابل الفتات التي يعطيها لهم، وإلا ما قيمة إنتخابات تجرى في العراق ولا يحق للكتلة الفائزة أن تشكل الحكومة وهذا ما جرى مع القائمة العراقية في انتخابات سنة ٢٠١٠ وكذلك ما جرى من إنتخابات سنة ٢٠٠٤ عندما قاطع العرب السنة بجميع توجهاتهم الانتخابات ومع ذلك منحوا نفس الاستحقاقات التي كانوا سيحصلون عليها في حال المشاركة!
إن حقيقة ما يجري في العراق لا يمت بصلة إلى الديمقراطية فلا هو حكم الشعب ولا حكم القانون ولا المؤسسات بل هو مشروع أمريكي فرض على الشعب العراقي والعراقيون منه براء.
مهما يكن نوع النظام الحاكم سواء كان ملكيا أو جمهوريا أو ديمقراطيا أو أي نوع آخر من أنواع الحكم يبقى (العدل أساس الملك)، فلا بد من تحقيق العدالة الاجتماعية التي هي أساس الملك ولا يمكن أن يقبل أي شعب بأن تصادر إرادته في اختيار نوع النظام الذي يحكمه.

مقال خاص براسام